108

2 - ﴿وللّه ما في السماوات وما في الأرض ليجزي الذين أساؤوا بما عملوا، ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى الّذين يجتنبون كبائر الإثم و الفواحش إلّا اللّمم إنّ ربك واسع المغفرة، وهو أعلم بكم إذ أنشأكم من الأرض و إذ أنتم أجنّة في بطون أُمّهاتكم فلا تزكّوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى﴾(1).

هذا ولو لم نقبل دلالة هذه الآيات بالالتزام العرفي على عدم إضرار الصغائر بالعدالة أو بحكم العدالة، فلا أقلّ من أنّها تصنع جوّاً متشرّعيّاً يمنع عن فهم معنى ترك جميع الذنوب من أدلّة شرط العدالة أو مانعيّة الفسق، ويصرف الكلمتين إلى النظر إلى خصوص الكبائر دون الصغائر المجرّدة عن الكبائر، فجوّ متشرّعي يعرف فيه أنّ مرتكب الصغيرة التارك للكبائر يكفّر اللّه سيّئآته ويدخله مدخلا كريماً، وله ما عنداللّه الذي هو خير وأبقى و يجزيه بالحسنى، لايسمح لفهم أكثر من ترك الكبائر من شرطيّة العدالة أو ما نعيّة الفسق.

وعلى اية حال فسواءً تمّت هذه التقريبات أو لم تتم كفتنا رواية عبداللّه بن أبي يعفور الماضية لإثبات عدم إضرار ارتكاب الصغيرة بالعدالة.

معنى الكبيرة و الصغيرة

وهنا لابأس بالبحث عن معنى الكبيرة و الصغيرة. وثمرة البحث تظهر في العدالة بناءً على أنّ الصغيرة لا تخلّ بالعدالة، وقد يقال بظهور الثمرة أيضاً في وجوب التوبة.

ولكنّ الصحيح أنّ وجوب التوبة لم يكن لأجل الفرار من النار كي يفترض أنّ الصغيرة المعفوّعنها فيمن ترك الكبائر لاتحتاج إلى التوبة، بل هو: إمّا وجوب شرعي مستفاد من الأوامر الواردة بالتوبة عن الذنب، وإطلاقها يشمل التوبة عن


(1) النجم، الآية 31 ـ 32.

109

الكبيرة و الصغيرة، أو وجوب عقلىّ سنخ وجوب الطاعة، فكما أنّ العقل حكم بأنّ مقتضى العبوديّة للمولى امتثال أوامره وترك نواهيه، كذلك حكم بأنّ مقتضى العبوديّة له الندم على معصيته، وهذا أيضاً لايفرّق فيه بين أن يكون الذنب معفوّاً عنه أوْلا. ويحتمل كون أوامر التوبة إرشاداً إلى هذا الحكم العقلىّ.

وعلى أىّ حال فقد أنكر بعضٌ انقسام المعاصي إلى الصغائر و الكبائر، فقال: إنّ المعاصي كلّها كبائر باعتبار المعصيّ ـ جلّ وعلا ـ إلّا أنّ بعضها أكبر من بعض في سلّم الدرجات المتفاوتة، وقال أُستاذنا المرحوم آية اللّه الشاهرودي (رحمه الله): «إنّ المعاصي لا تنقسم إلى صغائر و كبائر، وإنّما تنقسم إلى الذنوب المكفِّرة ـ بالكسر ـ أي التي يكون تركها مكفِّراً لباقي الذنوب، والذنوب المكفَّرة ـ بالفتح ـ أي الذنوب التي تُغفر بترك باقي الذنوب».

أقول: كلّ هذا يرجع إلى نزاع لفظىّ، إلّا أنْ ينكر أحدأصل كون ترك بعض الذنوب مكفِّراً للبعض الآخر، فذلك يكون نزاعاً حقيقياً، وهو خلاف ما يستفاد من الآية المباركة و الروايات وتفسير الآية بمعنى إن تجتنبوا الذنوب الكبيرة الواردة في هذه السورة ـ مثلا ـ نكفّر عنكم ما وقع منكم منها في ما سلف، سنخ قوله ـ تعالى ـ: ﴿قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفرلهم ما قد سلف﴾(1)، وقوله تعالى: ﴿ولا تنكَحوا ما نكَحَ آباؤُكم من النساءِ، إلّا ما قد سلف﴾(2)، وقوله تعالى: ﴿وأَن تَجمَعوا بين الاُختين، الّا ما قد سَلَف﴾(3)، وقوله تعالى: ﴿عفااللّهُ عمّا سلف، ومَنْ عادَ فَينتَقِمُ


(1) السورة 8 الأنفال الآية 38.

(2) السورة 4 النساء الآية 22.

(3) السورة 4 النساء الآية 23.

110

اللّهُ منه﴾(1). خلاف الظاهر.

وعلى أَيّة حال فالمعاصي وإن كانت متدرّجة في الكبر و الصغر، فليس هناك حدّ معيّن يفترض أنّها إلى هذا الحدّ كبيرة و ما بعده صغيرة، فإنّ الكبر والصغر نسبيّان بالنسبة لكلّ المعاصي، لكن قد عرفنا أنّ قسماً منها لو تركه أحد كفّر عنه القسم الآخر الأصغر من الأوّل، فسُمّي الأوّل بالكبيرة والثاني بالصغيرة، فيقع الكلام فيما هو المقياس لمعرفة الكبيرة والصغيرة، وقد اختلفت الآراء كثيراً بهذا الصدد، وقد نسب رأيان إلى المشهور:

1 ـ أنّ الكبيرة هي كلّ ذنب توعّد اللّه ـ تعالى ـ عليه بالعقاب في الكتاب العزيز.

2 ـ أنها كلّ ذنب توعّد اللّه عليه النار.

والأوّل أعمّ من الثاني من حيث إنّ العقاب قد يتجسّد في غير النار، والثاني أعمّ من الأوّل من حيث عدم التقييد بكون الوعيد في الكتاب. ومن الممكن افتراض اتحاد كلا الرأيين؛ بأن يكون المقصود بالعقاب ما يشتمل على النار، أو يكون المقصود بالنار مطلق العقاب، وذُكرت النار على سبيل المثاليّة، وبأن يكون المقصود من توعّد اللّه عليه النار توعّده في الكتاب.

وقد يجمع بين عموم الأوّل لغير النار، وعموم الثاني لغير الكتاب؛ حيث قيل: إنّها كلّ ذنب توعّد عليه بخصوصه، قال العّلامة الكني في قضائه: «اختاره الشهيدان في القواعد والدروس والروضة، وزاد في الأخير قوله: في كتاب أو سنّة».

وعلى أىّ حال فما يصلح دليلا على أحد الرأيين هو جملة من الروايات من قبيل:


(1) السورة 5 المائدة الآية 95.

111

1 ـ ماورد ـ بسند تامّ ـ عن أبي بصير عن أبي عبداللّه (عليه السلام) قال: «سمعته يقول: ﴿ومن يؤتَ الحكمة فقد أُتي خيراً كثيراً﴾. قال: معرفة الإمام واجتناب الكبائر التي أوجب اللّه عليها النار»(1).

2 ـ ما عن الحلبي عن أبي عبداللّه (عليه السلام) في قول اللّه عزّو جلّ: ﴿إن تجتَنبوا كبائِرَ ما تُنْهَونَ عنهُ نكفّرْ عنكم سيّئاتِكم ونُدْخلْكُم مُدْخَلا كريماً﴾قال: «الكبائر التي أوجب اللّهُ ـ عزّ و جلّ ـ عليها النار»(2). ولاعيب في السند من غير ناحية أبي جميلة، وهو المفضّل بن صالح، وقد روى الثلاثة الذين لايروون إلّا عن ثقة عنه، ومقتضى ذلك وثاقته، ولاعبرة بتضعيف ابن الغضائري؛ حيث قال عنه: «ضعيف كذّاب يضع الحديث، حدّثنا أحمد بن عبدالواحد، قال: حدّثنا علىّ بن محمّد بن الزبير، قال: حدّثنا علىّ بن الحسن بن فضّال، قال: سمعت معاوية بن حكم يقول: سمعت أبا جميلة يقول: أنا وضعت رسالة معاوية إلى محمد بن أبي بكر»، ولكن المهمّ أنّ النجاشي قال: في ترجمة جابر بن يزيد: «روى عنه جماعة غُمِز فيهم و ضُعِّفوا، منهم عمرو بن شمر و المفضّل بن صالح و منخل بن جميل و يوسُف بن يعقوب» واستفاد السيّد الخوئىّ من هذا التعبير: أنّ ضعف المفضّل بن صالح كان من المتسالم عليه عند الأصحاب. فإن صحّت هذه الاستفادة كان هذا معارضاً لدلالة نقل الثلاثة عنه على توثيقه، كما جعله السيّد الخوئىّ معارضاً لدلالة وروده في أسانيد كامل الزيارات على توثيقه حسب ما يعتقده. إلّا أنّ هذه الاستفادة غير واضحة عندي، وعلى أىّ حال ففي النفس شيء مّما يرويه أبوجميلة.


(1) الوسائل، ج 11، باب 45 من جهاد النفس ح 1 ص 249، و الآية في سورة 2 البقرة الآية 269.

(2) نفس المصدر ح 2، والآية في سورة 4 النساء الآية 31.

112

3 ـ ما عن محمد بن الفضيل (الفضل ـ خ ل ـ) عن أبي الحسن (عليه السلام) في قول اللّه عزّ وجلّ: ﴿إن تجتنبوا كبائَر ما تُنهَوْنَ عنه نكفّرْ عنكم سيّئاتِكم﴾ قال: «من اجتنب الكبائر ـ ما أوعَدَ اللّهُ عليه النار ـ إذا كان مؤمناً كفّراللّه عنه سيّئاته»(1). ولاإشكال فيه من حيث السند من غير جهة الراوي المباشر، أمّا الراوي المباشر، فإن كان هو محمّد بن الفضيل ـ كما يقال: إنّه ورد كذلك في ثواب الأعمال، وصاحب الوسائل نقل هذا الحديث عن ثواب الأعمال ـ فقد ضعّفه الشيخ، ولكن روى عنه بعض الثلاثة، إن كان هو محمد بن الفضل، فهو مشترك بين من وثّق ومن لم يوثّق. وبالتالي السند لايخلو من ضعف.

4 ـ ما عن عباد بن كثير النوا، قال: «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن الكبائر، فقال: كلّ ما أوعداللّه عليه النار»(2). والسند ضعيف على الأقلّ بمجهوليّة عباد بن كثير النوا.

5 ـ ما عن الحسن بن زياد العطّار، عن أبي عبداللّه (عليه السلام) في حديث قال: «قد سمّى اللّه المؤمنين بالعمل الصالح مؤمنين، ولم يسمّ من ركب الكبائر، وما وعداللّه ـ عزّ وجلّ ـ عليه النار مؤمنين في قرآن ولاأثر، ولانسمّيهم بالايمان بعد ذلك الفعل»(3). وفي سنده ودلالته ضعف.

6 ـ ما عن ابن محبوب ـ بسند تامّ ـ قال: «كتب معي بعض أصحابنا إلى أبي الحسن (عليه السلام) يسأله عن الكبائر: كم هي؟ وماهي؟ فكتب: الكبائر من اجتنب ما وعد اللّه عليه النار كفّر عن سيّئاته إذا كان مؤمناً، والسبع الموجبات: قتل النفس


(1) نفس المصدر ح 5 ص 250 و الآية في سورة 4 النساء الآية 31.

(2) نفس المصدر ح 6، و أيضاً باب 46 من جهاد النفس ح 24 ص 258.

(3) الوسائل، ج 11 ب 45 من جهاد النفس ح 7 ص 251.

113

الحرام، وعقوق الوالدين، وأكل الربا، والتعرّب بعد الهجرة، وقذف المُحصَنة، وأكل مال اليتيم، والفرار من الزحف»(1).

7 ـ ما عن علىّ بن جعفر في كتابه عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السلام)، قال: «سألته عن الكبائر التي قال اللّه ـ عزّ وجلّ ـ: ﴿إن تجتَنِبوا كبائَر ما تُنهَوْنَ عنه﴾قال: التي أوجب اللّهُ عليها النار»(2).

8 ـ ماعن أحمد بن عمر الحلبي ـ بسند فيه موسى بن جعفر بن وهب البغدادي، ولم تثبت وثاقته ـ قال: «سألت أباعبداللّه (عليه السلام) عن قول اللّه ـ عزّ وجلّ ـ: ﴿إن تجتَنبوا كبائرَ ما تُنَهون عنه نُكفِّرْ عنكم سيّئاتِكم﴾ قال: مَنِ اجتَنَبَ ما أوعداللّهُ عليه النار ـ إذا كان مؤمناً ـ كفّر عن سيّئاته وأدخله مُدْخَلا كريماً، والكبائر السبع الموجبات: قتل النفس الحرام، وعقوق الوالدين، وأكل الربا، والتعرّب بعد الهجرة، وقذف المحصنة، وأكل مال اليتيم، والفرار من الزحف»(3).

وقد تحصّل بهذ االعرض وجود بعض روايات تامّة سنداً و دلالةً دالّة على أنّ المقياس هو كون المعصية مّما أوعداللّه عليها النار، فكلّ معصية تكون كذلك، فهي كبيرة، وغيرها صغائر.

ولو ورد في القرآن الوعيد بالعذاب، فالظاهر انصرافه إلى عذاب جهنم وفيه النار، ولايشمل مجرد أهوال يوم القيامة ـ مثلا ـ الّتي ليست منها النار، فالوعيد بالعذاب وعيد بالنار أيضاً.

والظاهر من عنوان (أوعداللّه عليها النار) كون الوعيد في القرآن الكريم،


(1) الوسائل ج 11 باب 46 من جهاد النفس ح 1 ص 252.

(2) نفس المصدر ح 21 ص 258.

(3) نفس المصدر ح 32 ص 260.

114

والنكتة في ذلك أنّ ظاهر إعطاء مقياس للمخاطبين للكبيرة و الصغيرة هو إرادة إعطاء مقياس مضبوط و مفهوم عند المخاطبين يمكن لهم الرجوع إليه لتشخيص الحال، بينما السنّة ليست محصورة و موجودة بتمامها عند المخاطبين عادةً؛ كي يمكن إرجاعهم إليها كضابط، وهذا بخلاف القرآن الكريم. فهذه هي نكتة الانصراف إلى ما قلناه.

إلّا أنّه قد يُقال: إنّه لوكان المقياس هو الوعيد في القرآن بالنار لانتقض ذلك ببعض المعاصي التي لم يرد في القرآن وعيد بالنار عليها، ولاشكّ فقهيّاً، أو إسلاميّاً في كونها من الكبائر من قبيل اللواط، وشرب الخمر.

وقد يُقال في الجواب: إنّ عنوان ما أوعد اللّه عليه النار الوارد في الروايات إشارة إلى مفهوم عرفىّ راجع إلى تفسير الكبيرة و الصغيرة، ومتعارف بين الموالي والعبيد العرفيّين. توضيحه: أنّ أوامر المولى ونواهيه لها محرّكية ذاتيّة للعبد إذا كان يحبّ مولاه، وهي محّركيّة عاطفيّة، ولها محّركيّة ذاتيّة عقليّة للعبد إذا كان يعترف لمولاه بالمولويّة الحقيقيّة ووجوب الطاعة، أو اجتماعيّة إذا كان يعترف له بالمولويّة الاجتماعية، وهذه المحّركيّات الذاتيّة قد لاتكفي لتحريك العبد، وعندئذ إن كان اهتمام المولى بالقضيّة كبيراً يوعده بالعذاب على تقدير عدم الامتثال، وقد يعذّبه بالفعل عند المخالفة، وإن كان اهتمامه بها ليس كبيراً يغضّ النظر عن العبد حينما يراه مخالفاً ولايعاقبه، إلّا إذا رأى منه إصراراً على ذلك، أو رآه يضم هذه المخالفة الى المخالفات الكبيرة، فقد يعاقبه على الصغيرة أيضاً. والمفهوم عرفاً من العفو عن الصغائر عند اجتناب الكبائر وعدم الإصرار هو هذا المعنى، فلا ينبغي أن نجمد في فهم مقياس ما أوعد اللّه عليه النار على فرض الوعيد الصريح، بل تهويله ـ تعالى ـ في كتابه لمعصية مّا يفهم منه بناءً على هذا الفهم العرفي الذي شرحناه الوعيد بالنار، وعليه فمثل اللواط الذي تكرّر فيه ذكر قصّة لوط (عليه السلام) في القرآن الكريم و تأنيبه

115

الشديد لقومه على هذا العمل القبيح، ثمّ ذكرنزول العذاب عليهم وإهلاكهم، دليل كاف بهذا النمط من الفهم على الوعيد بالنار، وكون المعصية كبيرة. وضُمّ النهي عن الخمر إلى النهي عن الأوثان ـ وجعلُهما معاً رِجْساً من عمل الشيطان في قوله ـ تعالى ـ: ﴿يا أيّها الذين آمنوا إنّما الخُمر و الميسِرُ و الأنصابُ و الأزلامُ رجسٌ من عَمَلِ الشيطانِ فاجْتَنبوهُ لعلَّكُم تُفلِحون﴾(1) ـ دليلٌ كاف على الوعيد بالعذاب و النار، وكون شربه معصية كبيرة، ولعلّه إلى هذا أشار ما جاء في حديث عبدالعظيم الحسني (رحمه الله) التامّ سنداً عن أبي جعفر الثاني (عليه السلام) عن أبيه (عليه السلام) عن أبيه موسى (عليه السلام)عن الإمام الصادق (عليه السلام) في تعداد الكبائر من قوله: «وشرب الخمر لأَنّ اللّه ـ عزَّوجلّ ـ نهى عنها كما نهى عن عبادة الأوثان»(2).

وقد يُقال: إنّ نفس حديث عبدالعظيم الحسني يشهد لعدم كون المقياس في فهم الكبائر في قوله ـ تعالى ـ: ﴿إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه ...﴾ خصوص الوعيد بالنار في القرآن الكريم؛ حيث جاء فيه في تعداد الكبائر: (وترك الصلاة متعمّداً، أو شيئاً مما فرض اللّه ـ عزّ وجلّ، لأنّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) قال: من ترك الصلاة متعمّداً فقد بَرِىءَ من ذمّة اللّه وذمّة رسوله)، فتراه استدلّ على كون ترك الصلاة كبيرة بالسنّة لابالوعيد بالنار في القران. هذا بناءً على دعوى أنّ هذا الحديث وإن كان وارداً بشأن آية أُخرى، ولكن يفترض أنّ معنى الكبائر في الآيتين واحد.

ويمكن الجواب على ذلك على ضوءما شرحناه من الفهم العرفىّ لجعل المقياس هو الوعيد بالنار؛ بأنّه لا فرق في الدلالة على روح المطلب الذي أشرنا اليه ـ من كون الغرض مهمّاً إلى مستوى لا يكتفي المولى بأمره المولوي، بل يوعد العذاب على


(1) السورة 5 المائدة الآية 90.

(2) الوسائل، ج 11، باب 46، أبواب جهاد النفس، الحديث 2، ص 253.

116

تقدير المخالفة ـ بين أن تدلّ آية قرآنيّة على ذلك أو يدلّ نصّ الرسول (صلى الله عليه وآله)، أو الإمام (عليه السلام) على ذلك، فالاستشهاد بنصّ الرسول (صلى الله عليه وآله) على أنّ تارك الصلاة بريء من ذمّة اللّه ورسوله صحيح، وهذا لا ينافي ما نفهمه من روايات ما أوعداللّه عليه النار الّتي قلنا: إنّ ظاهرها إرادة الوعيد في الكتاب، فنحن نفهم منها أنّه ما من معصية كبيرة إلّا وهي مذكورة في القرآن، ولو كانت مذكورة في السنّة أيضاً. ومن الواضح دلالة القرآن على كون ترك الصلاة كبيرة؛ حيث جعله سبباً من أسباب السلوك في سقر في قوله ـ تعالى ـ: ﴿كلُّ نفس بما كسَبَتْ رهينة إلّا أصحاب اليمين. في جنّات يتساءَلونَ عن المجرمين. ما سلَككُم فى سقر قالوا لم نَكُ من المصلّين ولم نك نطعم المسكين. وكنّا نخوض مع الخائضين. وكنّا نكذّب بيوم الدين. حتى أتانا اليقين. فما تنفعهم شفاعة الشافعين﴾(1).

وقد يورد على جعل المقياس الوعيد بالنار سواء خصّ ذلك بالكتاب أو لم يخصّ بأحد إيرادين:

الأوّل ـ أنّه ما من معصية إلّا وقد ورد عليها الوعيد بالنار في القرآن. قال اللّه ـ تعالى ـ:

﴿ومن يعصِ اللّهَ ـ ورسولَه ويتعدَّ حدودَهُ يدخلْهُ ناراً خالداً فيها وَلَهُ عذاب مُهين﴾(2).

وقال ـ تعالى ـ: ﴿بلى مَنْ كَسَبَ سيّئةً و أَحاطتْ بِهِ خطيئتُهُ فأولئِكَ أصحابُ النارِهُمْ فيها خالدون»(3).


(1) السورة 74 المدّثّر الآية 38 ـ 48.

(2) السورة 4 النساء الآية 14.

(3) السورة 2 البقرة الآية 81.

117

وقال ـ تعالى ـ: ﴿ قال اخرُجْ منها مذؤوماً مدحوراً لَمَنْ تَبِعَكَ منهُمْ لاََملاََنَّ جَهَنَّمَ منكُمْ أَجمَعين ﴾(1).

وقال ـ تعالى ـ: ﴿ قال: فالْحقُّ والْحقَّ أَقولُ لاََملاََنَّ جَهَنَّمَ منكَ وممَّن تَبِعَكَ منهُمْ أَجمعين ﴾(2).

والواقع: أنّ هذا الإشكال لوتمّ لكان إشكالا على أصل تقسيم المعاصي إلى الكبائر، والصغائر، والوعد الجزميّ بالعفو عن الصغائر على تقدير ترك الكبائر، لانّ الوعيد بالنار لايجتمع عرفاً مع الوعد الجزميّ بالعفو غير المعلّق على التوبة.

ومن الواضح أنّ المقصود بهذه الآيات ليس من يرتكب الصغيرة، بل ولا من يرتكب الكبيرة، فليس مجرّد ارتكاب كبيرة موجباً للخلود، أو سبباً لملءِ جهنّم به، وإنّما تنظر هذه الآيات إلى الملحدين والمنافقين والأشقياء والمستهترين بالمعاصي وأمثالهم.

الثاني ـ أنّ هناك روايات عديدة وردت في حصر الكبائر في عدد قليل كسبع، أو خمس، أو تسع، أو عشر؛ بينما لو كانت الكبائر عبارة عمّا أو عداللّه عليه النار، فهي كثيرة وغير منحصرة في عدد قليل، ولعلّ المنصرف من كلمة الكبائر في الروايات هو المعنى المقصود في قوله ـ تعالى ـ: ﴿إن تجتنبوا كبائرَ ما تُنهَوْنَ عنهُ، نُكَفِّرْ عنكمْ سيِّئاتِكم﴾. فليس المقصود من الكبائر في هذه الروايات معنىً آخر غير المعنى المبحوث عنه.

والواقع: أنّ هذا ينبغي أن يكون إشكالا على تلك الروايات، ويفحص عن جوابه، لا أن يكون إشكالا على المقياس الماضي للكبائر وهو الوعيد بالنار، وذلك


(1) السورة 7 الأعراف الآية 18.

(2) السورة 38 ص الآية 84 ـ 85.

118

لأنّ الوعد الجزميّ بالمغفرة على تقدير ترك قسم من الذنوب، وغير المعلّق على التوبة لايجتمع عرفاً مع الوعيد بالنار؛ إذن فكلّ ما أو عداللّه عليه بالنار ينبغي أن يكون داخلا في المكفِّرات ـ بالكسر ـ (أي مايكون تركه مكفِّراً) لا المكفَّرات ـ بالفتح ـ وإذا شككنا في صحّة هذا المقياس ينبغي أن يكون ذلك على أساس احتمال كون دائرة الكبائر أوسع من دائرة ما أو عد عليه النار، لاعلى أساس احتمال كونها أضيق منها. إذن، فينبغي حمل هذه الروايات على بيان أكبر الكبائر، لا الكبائر بالمعنى الوارد في القرآن الكريم، فإنّ الكبيرة عنوان نسبىّ ومشكّك، فيمكن أن تحصر بمستوىً معيّن وببعض معانيها ودرجاتها في عدد قليل، كما يمكن أن توسّع ببعض الدرجات. وممّا يجلب النظر أنّ الروايات الحاصرة للكبائر في عدد قليل لم ترد غالبيّتها بعنوان تفسير الآية، إلّا بمجرد دعوى الانصراف إلى إرادة المعنى المذكور في الآية. نعم قد يدّعى في بعضها القرينة على النظر إلى الآية الكريمة، وهي غير تامّة السند، بينما الروايات السابقة ـ المفسِّرة للكبيرة بأنّها ما أوعد اللّهُ عليهِ النار ـ جملة منها كانت صريحة في تفسير الآية، وفيها ما هو تامّ السند.

هذا. وبعض روايات الحصر في عدد قليل مشتمل على ما يشهد لهذا الجمع الّذي أشرنا إليه ـ من حمل تلك الروايات على إرادة أكبر الكبائر، لا على إرادة الكبيرة بمعنى الذنوب المكفِّرة ـ والروايات كما يلي:

1 ـ ماورد ـ بسند تامّ ـ عن ابن محبوب، قال: «كتب معي بعض أصحابنا إلى أبي الحسن (عليه السلام) يسأله عن الكبائر كم هي؟ وما هي؟ فكتب: الكبائر من اجتنب ما وعد اللّه عليه النار كفّر عنه سيّئاته إذا كان مؤمناً، والسبع الموجبات: قتل النفس الحرام، وعقوق الوالدين، وأكل الربا، والتعرُّب بعد الهجرة، وقذف المحصنة، وأكل

119

مال اليتيم، والفرار من الزحف»(1). وقد مضى منّا ذكر هذا الحديث في عداد أحاديث تفسير الكبيرة بما أوعد اللّه عليه النار، وهذا الحديث ـ كما ترى ـ فيه دلالة على ما ذكرنا من أنّ السبع هي عدد من المعاصي أكبر من سائر الذنوب، لا أنّ الكبائر المشار إليها في الآية الشريفة محصورة في هذا العدد، فإنّ هذا الحديث ـ كما ترى ـ قد جمع بين ذكر ذاك المقياس في صدر الحديث ـ وهو ما أوعد عليه النار ـ و ذكر العدد السبع من المعاصي.

2 ـ ما عن عبيد بن زرارة ـ بسند تامّ ـ قال: «سألت أبا عبداللّه (عليه السلام) عن الكبائر، فقال: هنّ في كتاب عليّ (عليه السلام) سبع: الكفر باللّه، وقتل النفس، وعقوق الوالدين، وأكل الربا بعد البيّنة، وأكل مال اليتيم ظلماً، و الفرار من الزحف، والتعرّب بعد الهجرة. قال: فقلت هذا أكبر المعاصي؟ فقال: نعم، قلت: فأكل ألدرهم من مال اليتيم ظلماً أكبر، أم ترك الصلاة؟ قال: ترك الصلاة. قلت فما عددت ترك الصلاة في الكبائر، قال: أيّ شيء أوّل ما قلت لك؟ قلت: الكفر، قال: فإنّ تارك الصلاة كافر؛ يعني من غير علّة»(2)

3 ـ ما عن محمّد بن مسلم ـ بسند تامّ ـ عن أبي عبداللّه (عليه السلام) قال: «الكبائر سبع: قتل المؤمن متعمّداً، وقذف المحصنة، والفرار من الزحف، والتعرّب بعد الهجرة، وأكل مال اليتيم ظلماً، وأكل الربا بعد البيّنة، وكلّ ما أوجب اللّه عليه النار»(3). وما في هذا الحديث من عدّ عنوان ما أوجب اللّه عليه النار في عداد الكبائر السبع شاهد لما ذكرناه من الجمع.


(1) الوسائل ج 11 باب 46 من جهاد النفس ح 1 ص 252.

(2) نفس المصدر ح 4 ص 254.

(3) نفس المصدر ح 6 ص 254.

120

4 ـ ما عن مسعدة بن صدقة قال: «سمعت أبا عبداللّه (عليه السلام) يقول: الكبائر: القنوط من رحمة اللّه، واليأس من رَوْحِ اللّه، والأمن من مكر اللّه، وقتل النفس التي حرّم اللّه، وعقوق الوالدين، وأكل مال اليتيم ظلماً، وأكل الربا بعد البيّنة، والتعرُّب بعد الهجرة، وقذف المحصنة، والفرار بعد الزحف» الحديث(1). والسند غير تامّ.

5 ـ ما عن أبي بصير ـ بسند غير تامّ ـ عن أبي عبداللّه (عليه السلام) قال: «سمعته يقول: الكبائر سبعة: منها قتل النفس متعمداً، الشرك باللّه العظيم، وقذف المحصنة، وأكل الربا بعد البيّنة، والفرار من الزحف، والتعرُّب بعد الهجرة، وعقوق الوالدين، وأكل مال اليتيم ظلماً. قال: والتعرّب والشرك واحد»(2). وقوله: «سبعة، منها» دليل عدم الحصر، وشاهد للجمع الذي ذكرناه، إلّا إذا افترضنا أنّ الضمير في (منها) يرجع إلى نفس كلمة سبعة.

6 ـ ما عن أبي هريرة أنّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) قال: «إجتنبوا السبع الموبقات. قيل: وما هنّ؟ قال: الشرك باللّه، والسِّحر، وقتل النفس التي حرّم اللّه إلّا بالحقّ، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولّي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات»(3). وهو ساقط سنداً. ويلحظ أنّ الرواية لاإشارة فيها إلى الحصر، ولم تعبّر بالكبائر كي توحي إلى أنّها تفسّر الكبائر بمعناها الوارد في الآية المباركة، وإنّما قالت: اجتنبوا السبع الموبقات.

7 ـ ما عن أبي الصامت عن أبي عبداللّه (عليه السلام) قال: «أكبر الكبائر سبع: الشرك باللّه العظيم، وقتل النفس الّتي حرّم اللّه إلّا بالحقّ، وأكل أموال اليتامى،


(1) نفس المصدر ح 13 ص 256.

(2) نفس المصدر ح 16 ص 256.

(3) نفس المصدر ح 34 ص 261.

121

وعقوق الوالدين، وقذف المحصنات، والفرار من الزحف، وإنكار ما أنزل اللّه ـ عزّ وجلّ ـ: فأمّا الشرك باللّه العظيم، فقد بلغكم ما أنزل اللّه فينا وما قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) فردوه على اللّه وعلى رسوله، وأمّا قتل النفس الحرام، فقد قُتل الحسين (عليه السلام)(فقتل الحسين (عليه السلام) ـ خ ل ـ) و أصحابه، وأمّا أموال اليتامى فقد ظُلمنا فيئَنا وذهبوا به، وأمّا عقوق الوالدين فإنّ اللّه ـ عزّ وجلّ ـ قال في كتابه: ﴿النبيُّ أَولى بالمؤمنينَ من أنفُسِهم وأزواجُهُ أمّهاتُهم﴾(1)، وهو أبٌ لهم، فعقّوه في ذريّته وفي قرابته، وأمّا قذف المحصنات فقد قذفوا فاطمة (عليها السلام) على منابرهم، وأمّا الفرار من الزحف، فقد أعطوا أمير المؤمنين (عليه السلام) البيعة طائعين غير مكرهين، ثمّ فرّواعنه وخذلوه، وأمّا إنكار ما أنزل اللّه ـ عزّ وجلّ ـ فقد أنكروا حقّنا، وجحدوا له، وهذا ممّا لايتخاصم فيه أحد، واللّه يقول: ﴿إنْ تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفّر عنكم سيئاتكم ونُدخِلْكم مُدْخَلا كريماً﴾(2). وقد يُقال: إنّ ذيله مشعر بكون الكبائر السبع، هي نفس الكبائر الّتي جاءت الإشارة إليها في الآية الكريمة . ولكن لايخفى أنّه لا يدلّ ذيله على أكثر من أنّ الكبائر السبع هي من جملة الكبائر المشار إليها في الآية الكريمة، أمّا الحصر فلا، على أنّ صدر الحديث قد عبّر بعنوان (أكبر الكبائر) لا بعنوان (الكبائر). وعلى أيّ حال فسند الحديث غير تامّ.

8 ـ مارواه الصدوق بإسناده عن عليّ بن حسّان، عن عبدالرحمان بن كثير، عن أبي عبداللّه (عليه السلام) قال: «إنّ الكبائر سبع، فينا نزلت ومنّا استُحلّت، فأوّلها الشرك باللّه، وقتل النفس الّتي حرّم اللّه، وأكل مال اليتيم، وعقوق الوالدين، وقذف


(1) سورة الاحزاب الآية 6.

(2) الوسائل ج 11 ب 46 من جهاد النفس ص: 257 ـ 258 كما أن ذيل الرواية وارد في هامش ص: 257 والآية واردة في سورة النساء الآية 31.

122

المحصنة، والفرار من الزحف، وإنكار حقّنا: فأمّا الشرك باللّه العظيم، فقد أنزل اللّه فينا ما أنزل، وقال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) فينا ما قال، فكذّبوا اللّه، وكذّبوا رسوله، فأشركوا باللّه، وأمّا قتل النفس الّتي حرّم اللّه، فقد قتلوا الحسين بن عليّ (عليهما السلام)وأصحابه، وأمّا أكل مال اليتيم، فقد ذهبوا بفيئنا الذي جعله اللّه ـ عزّ وجلّ ـ لنا، فأعطوه غيرنا، وأمّا عقوق الوالدين، فقد أنزل اللّه ـ تبارك وتعالى ـ في كتابه فقال ـ عزّ وجلّ ـ: ﴿النبيّ أولى بالمؤمنين من أنفسهم، وأزواجه أُمّهاتهم﴾، فعقّوا رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) في ذرّيّته، وعقّوا أُمّهم خديجة في ذرّيّتها، وأمّا قذف المحصنة فقد قذفوا فاطمة (عليها السلام) على منابرهم، وأمّا الفرار من الزحف فقد أعطوا أميرالمؤمنين (عليه السلام)بيعتهم طائعين غير مكرهين، ففرّوا عنه، وخذلوه، وأمّا إنكار حقّنا فهذا ممّا لايتنازعون فيه»(1). ولعلَّ هذا أوضح من سابقه في الدلالة على حصر الكبائر الواردة في الآية الكريمة في السبع، ولكنّه ـ على أيّ حال ـ قابل للتوجيه بالحمل على كون السبع أكبر الكبائر. وعلى أيّ حال فالسند ساقط أوّلا: بعبد الرحمان بن كثير، وثانياً: بعليّ بن حسّان. وعليّ بن حسّان مشترك بين الواسطي الثقة والهاشميّ، والتعبير بعلىّ بن حسّان إنّما هو في الوسائل، أمّا في الفقيه، فقد جاء هكذا: (روى علي بن حسّان الواسطي، عن عمّه عبدالرحمان بن كثير)، ومن هنا قد يتراءى أنّ علىّ بن حسان في المقام هو الثقة، وقال أيضاً الصدوق في مشيخة الفقيه: «وما كان فيه عن علىّ بن حسان، فقد رويته عن محمد بن الحسن (رضي الله عنه) عن محمد بن الحسن الصفار، عن علىّ بن حسان الواسطىّ» وقال أيضاً (رحمه الله) في مشيخة الفقيه: «وما كان فيه عن عبدالرحمان بن كثير الهاشمىّ، فقد رويته عن محمد بن الحسن (رضي الله عنه) عن محمّد


(1) الفقيه ج 3 ح 1745 ص 366 و 367، وصدره جاء في الوسائل ج 11 ح 22 من باب 46 من جهاد النفس ص 258.

123

ابن الحسن الصفّار، عن علي بن حسان الواسطي، عن عمّه عبدالرحمان بن كثير الهاشمىّ» إلّا أنّ الخطأ الواقع في كلام الصدوق (رحمه الله) أنّه فرض عبدالرحمان بن كثير الهاشمىّ عمّاً لعلىّ بن حسّان الواسطىّ، بينما هو عمّ لعلىّ بن حسّان الهاشمىّ، فلا ندري هل كان خطؤه في فرض هذا عمّاً لذلك، أو كان خطؤه في تخيّل أنّ علىّ بن حسّان الهاشمىّ الذي هو ابن أخي عبدالرحمان يلقّب بالواسطيّ، وأنّ علىّ بن حسّان الواسطىّ ليس إنساناً آخر، فبالتالي نبقى مردّدين في المقام بين كون علىّ بن حسّان هو الواسطيّ أو الهاشمي، وبالتالي لا تثبت وثاقته.

9 ـ ما عن محمد بن أبي عُمير ـ بسند تامّ ـ عن بعض أصحابه عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «وجدنا في كتاب علىّ (عليه السلام) الكبائر خمسة: الشرك، وعقوق الوالدين، وأكل الربا بعد البيّنة، والفرار من الزحف، والتعرّب بعد الهجرة»(1)

10 ـ ما عن عبيد بن زرارة ـ بسند غير تامّ ـ قال: «قلت لأبي عبداللّه (عليه السلام)أخبرني عن الكبائر، فقال: هنّ خمس، وهنّ مّما أوجب اللّه عليهنّ النار؛ قال اللّه ـ تعالى ـ: ﴿إنّ اللّه لايغفر أن يشرك به﴾(2)، وقال: ﴿إنّ الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً إنّما يأكلون في بطونهم ناراً، و سيُصلَون سعيراً﴾(3)، وقال: ﴿يا أيّها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفاً فلا تولّوهم الأدبار﴾(4) إلى آخر الآية، وقال ـ عزّ وجلّ ـ: ﴿يا أيّها الذين آمنوا اتّقوا اللّه وذروا ما بقي من الربا﴾(5) إلى


(1) الوسائل، ج 11، ب 46 من جهاد النفس ح 27 ص 259.

(2) سورة النساء الآية 48.

(3) سورة النساء الآية 10.

(4) سورة الانفال الآية 15.

(5) سورة البقرة الآية 278.

124

آخر الآية، ورمي المحصنات الغافلات المؤمنات، وقتل مؤمن متعمّداً على دينه»(1)ولعلّ قوله: «وهنّ مّما أوجب اللّه عليهنّ النار» يؤيّد حملنا لهذه الروايات على بيان أكبر الكبائر، فإنّ افتراض كون عنوان ما أوجب اللّه عليه النار أوسع من الخمس في الوقت الذي يراد فرض الخمس هي المكفِّرات ـ بالكسر ـ وما عداها مكفَّرات ـ بالفتح ـ غير عرفىّ.

11 ـ ما مضى في عداد أحاديث تعريف الكبيرة بما أوعداللّه عليه النار من حديث أحمد بن عمر الحلبي قال: «سألت أبا عبداللّه (عليه السلام) عن قول اللّه ـ عزّ وجلّ ـ: ﴿إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفّر عنكم سيئآتكم﴾ قال: من اجتنب ما أو عد اللّه عليه النار إذا كان مؤمناً كفّر عنه سيّئاته، وأدخله مدخلا كريماً، والكبائر السبع الموجبات: قتل النفس الحرام، وعقوق الوالدين، وأكل الربا، والتعرّب بعد الهجرة، وقذف المحصنة، وأكل مال اليتيم، والفرار من الزحف»(2). وهذا الحديث من الشواهد على الجمع الذي ذكرناه بين الروايات لأنّ صدره مشتمل على تعريف الكبائر بما أوعداللّه عليها النار، وذيله مشتمل على تعداد الكبائر السبع الموجبات. وسند الحديث غير تامّ.

12 ـ المرسل المنقول عن كنز الفوائد، قال: (عليه السلام): «الكبائر تسع، أعظمهنّ الإشراك باللّه ـ عزّ وجلّ، وقتل النفس المؤمنة، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنات، والفرار من الزحف، وعقوق الوالدين، واستحلال البيت الحرام، والسحر. فمن لَقِيَ اللّه ـ عزّ وجلّ ـ وهو بريء منهنّ كان معي في جنّة مصاريعها الذهب». ورواه الطبرسيّ في مجمع البيان مرسلا، إلّا أنّه قال: «سبع وترك


(1) الوسائل، ج 11، ب 46 من جهاد النفس ح 28.

(2) نفس المصدر ح 32 ص 260.

125

الأخيرتين»(1). وقوله: «فمن لَقِيَ اللّه ...» قد يكون قرنية على أنّ الكبائر في هذا الحديث هي الكبائر الواردة في قوله ـ تعالى ـ: ﴿إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه، نكفّر عنكم سيّئاتكم﴾؛ إذ فرض أنّ اجتناب هذه التسع، أو السبع يستوجب كون تاركها مع المعصوم (عليه السلام) في جنّة مصاريعها الذهب، إلّا أنّ الحديث مرسل لاقيمة له سنداً.

13 ـ ما عن محمّد بن مسلم ـ بسند غير تامّ ـ عن أبي عبداللّه (عليه السلام) قال: «قلت له: مالنا نشهد على من خالفنا بالكفر. ومالنا لانشهد لأنفسنا، ولأصحابنا أنّهم في الجنّة؟ فقال: من ضعفكم إن لم يكن فيكم شيء من الكبائر، فاشهدوا أنّكم في الجنّة. قلت: فأيّ شيء الكبائر؟ قال: أكبر الكبائر الشرك باللّه، وعقوق الوالدين، والتعرّب بعد الهجرة، وقذف المحصنة، والفرار من الزحف، وأكل مال اليتيم ظلماً، والربا بعد البيّنة، وقتل المؤمن. فقلت له: الزنا والسرقة. فقال: ليسا من ذلك»(2). فقوله: «إن لم يكن فيكم شيء من الكبائر فاشهدوا أنّكم في الجنة» يشهد لكون المقصود هي الكبائر الّتي من تركها كُفّرت عنه سيّئاته، لكن حينما يأتي إلى التعداد يقول: «أكبر الكبائر كذا وكذا»، ولايقول: «الكبائر كذا وكذا»، ثمّ يصرّح بأنّ الزنا والسرقة ليسامنها، بينما لا شكّ فقهيّاً في دخولهما في الكبائر بمعنى الذنوب المكفِّرة ـ بالكسر، أو بمعنى ما يخلّ بالعدالة.

وقد ورد حديث تامّ السند ظاهر في عدم كون الزنا والسرقة من الكبائر، وهو ما عن محمّد بن حكيم، قال: «قلت لأبي الحسن موسى (عليه السلام): الكبائر تخرج من الإيمان؟ فقال: نعم وما دون الكبائر قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله): لا يزني الزاني وهو


(1) نفس المصدر ح 37 ص 263.

(2) نفس المصدر ح 35 ص 261 و 262.

126

مؤمن، ولايسرق السارق وهو مؤمن»(1). فهذا ظاهره أنّ الزنا والسرقة ممّا دون الكبائر مع ضرورة كونهما من الكبائر بالمعنى المخلّ بالعدالة، أو بمعنى الذنوب المكفِّرة ـ بالكسر، فهذا بنفسه شاهد على أنّ الكبائر قد تُستعمل بمعنى أكبر الكبائر، بل نفس عدم شمول الروايات ـ الحاصرة للكبائر في عدد قليل ـ لكثير من المعاصي الّتي هي من الكبائر ـ بالمعنى الفقهي ـ بضرورة من الفقه، دليل واضح على حملها على بيان أكبر الكبائر؛ إذن فالروايات المفسّرة للكبائر بما أوعد اللّه عليها النار لامعارض لها.

ونفس الاختلاف في التعداد قد يكون شاهداً على عدم إرادة الحصر بالمعنى الحقيقيّ للكلمة، أو على كون الحصر حصراً إضافياً، وأنّها ليست بصدد تعريف الكبيرة بمعناها العامّ الواردة في الآية الكريمة.

بقي الكلام في الروايات الّتي عدّدت عدداً كثيراً من المعاصي تحت عنوان الكبائر أي عدداً أكثر من العدد الذي حصرت فيه الكبائر في الروايات السابقة، وهي ثلاث روايات:

1 ـ رواية عبدالعظيم الحسني وهي تامّة سنداً، وواردة في الوسائل ـ ج 11 باب 46 من جهاد النفس ح 2 ص 252

2 ـ رواية الفضل بن شاذان عن الرضا (عليه السلام) وهي واردة في نفس الباب ـ ح 33 ص 260 ـ وهي غير تامّة سنداً.

3 ـ رواية الأعمش عن جعفر بن محمّد (عليه السلام) في حديث شرائع الدين الواردة في نفس الباب ـ ح 36 ص 262 ـ وهي غير تامّة سنداً.

والروايتان الأخيرتان تقبلان الحمل على إرادة ذكر عدد من المعاصي أكبر


(1) نفس المصدر ح 18 ص 257.

127

من سائر المعاصي، وأن لا تكونا ناظرتين إلى تفسير الآية الكريمة، فإن وجدت في هاتين الرواتين معصية لم يوعد عليها النار، قلنا في مقام الجمع: إنّ هذه كبيرة بالإضافة لما هي أصغر منها، وليست كبيرة بالمعنى المقصود بالآية المباركة؛ كي تعارض الروايات المفسّرة للآية بما أوعد اللّه عليه النار، وإن وجدنا معصية أوعد عليها النار غير مذكورة في هاتين الروايتين قلنا: إنّهما لم تكونا بصدد الحصر الحقيقّي للكبيرة بالمعنى الوارد في الآية الكريمة.

أمّا الرواية الاولى فهي أيضاً غير واردة بصدد تفسير قوله ـ تعالى ـ: ﴿إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفّر عنكم سيّئاتكم﴾، وإنّما هي واردة بالنظر إلى آية أُخرى، وهي قوله: ﴿الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش﴾ إلّا إذا جزمنا بوحدة المعنى في الآيتين كما ليس ببعيد، وعلى أيّ حال فلو وجدنا معصية ممّا أوعد عليها النار غير مذكورة في هذا الحديث الشريف، قلنا: إنّ هذا الحديث لاينفي كونها من الكبائر، بل يثبت ذاك، وذلك لما جاء في هذا الحديث الشريف من التعليل لإثبات كون المعاصي المذكورة فيها كبائر بالآيات القرآنية المنذِرة، بل وبالسنّة بالنسبة لترك الصلاة.

يبقى أنّ هذا الحديث الشريف (أعني حديث عبدالعظيم الحسني (رضي الله عنه) فرض ترك أيّ شيء ممّا فرض اللّه ـ عزّ وجلّ ـ كبيرة؛ بينما لم نجد في القرآن الوعيد بالنار على ترك كلّ ما فرض اللّه. ثمّ ماذا نقول في ترك الصوم؟ أفهل يُحتمل فقهياً عدم كونه من الكبائر؟!! طبعاً لا، مع أنّه لايوجد في القرآن الوعيد عليه بالنار، وهذا كلّه قد يشهد لكون المقصود بروايات تعريف الكبيرة بما أو عد اللّه عليه النار، هو الوعيد بالنار في الشريعة لافي خصوص القرآن.

وقد يُقال: إنّ النظر في آية التكفير إلى المحرّمات فقط، دون ترك الواجبات بقرينة قوله ـ تعالى ـ: ﴿... ما تُنْهَوْنَ عنه﴾، فإنّ ترك الواجب ترك للمأمور به،

128

وليس منهيّاً عنه، إلّا بالمعنى الأُصوليّ القائل: إنّ الأمر بالشيء يقتضي النهي عن ضده؛ فالمعنى: أنّ اجتناب المحرّمات الكبيرة يوجب تكفير السيّئات، وليس المقصود بالسيّئات ما يشمل ترك الواجبات، وإلّا للزم أن يكون ترك الصلاة الّتي هي عمود الدين مكفَّراً بترك المحرّمات الكبيرة، وهذا غير محتمل، فكأنّ الآية الكريمة تنظر مسبقاً إلى من هو ملتزم بالواجبات فتقول: لو ترك المحرمات الكبيرة كفّرنا عنه صغائر المحرمات.

ويؤيّد هذا الاستظهار أنّ أكثر روايات تعداد الكبائر غير مشتملة على ترك الصلاة، أو ترك أيّ واجب آخر في حين لايحتمل كون ترك الصلاة الّتي هي عمود الدين أصغر من كلّ الكبائر المعدودة في تلك الروايات.

نعم توجد روايتان ذكرتا ذلك:

الأُولى ـ مامضى من رواية عبيد بن زرارة ـ بسند تامّ ـ عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)؛ حيث جاء في ذيلها قوله: «فقلت: هذا أكبر المعاصي؟ قال: نعم قلت: فأكل الدرهم من مال اليتيم ظلماً أكبر أم ترك الصلاة؟ قال: ترك الصلاة، قلت: فما عددت ترك الصلاة في الكبائر، قال: أيّ شيء أوّل ما قلت لك؟ قلت: الكفر. قال: فإنّ تارك الصلاة كافر؛ يعني من غير علّة»(1). إلّا أنّك عرفت أنّ مثل هذه الرواية لاتحمل على النظر إلى تفسير الكبيرة بالمعنى الوارد في آية التكفير.

الثانية ـ ما أشرنا إليه من رواية عبد العظيم الحسني (رضي الله عنه)؛ حيث جاء فيها ذكر ترك الصلاة متعمداً أو شيء ممّا فرض اللّه ـ عزّ وجلّ ـ وهذه الرواية ليست واردة في تفسير آية التكفير، بل هي واردة في تفسير آية اللّمم، ولم ترد كلمة النهي في آية اللّمم، وإنّما قال: ﴿اللذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش ...﴾ بينما وردت


(1) الوسائل، ج 11، باب 46 من جهاد النفس، ح 1، ص 252.

129

في آية التكفير حيث قال: ﴿إن تجتنبوا كبائر ما تُنْهَوْنَ عنه﴾، فمن المحتمل أنّ فرض فعل الفرائض كان مفروغاً عنه في آية التكفير، بينما في هذه الآية يكون ترك الفريضة داخلا في الإثم. وهذه الرواية تؤيّد ما استظهرناه من آية التكفير من أنّ موضوع الوعد بالتكفير هو من لم يكن عليه شيء من ناحية الواجبات، فإنّ هذه الرواية فرضت ترك الفرائض داخلا في المقصود بالكبائر في آية اللّمم، وهذا يعني أنّ اللّه ـ تعالى ـ إنّما وعد في هذه الآية بالمغفرة لمن أتى بالفرائض، فيتّحد، أو يتقارب مفاد الآيتين.

إلّا أنّ الذي يبعِّد استظهارنا لاختصاص آية التكفير بالنظر إلى المحرّمات، أنّ كلمة (ماتُنْهَوْنَ عنه) وإن كانت ـ لعلّها ـ مُختصَّة بالمحرّمات بحسب حاقّ اللّغة، ولكن حسب مناسبات الحكم والموضوع لافرق في المعصية من حيث كونها صغيرة أو كبيرة، ومن حيث نكتة المكفِّرية ـ بالكسر ـ والمكفَّرية ـ بالفتح ـ بين أن تكون فعلا لحرام، أو تركاً لواجب. وعلى أيّ حال فلابدّ من افتراض احد امور ثلاثة: إمّا افتراض أنّ الآية ناظرة إلى خصوص المحرّمات، أو افتراض أنّ المقصود بوعيد اللّه بالنار الوعيد في الشريعة، لاالوعيد في خصوص القرآن، أو افتراض ان مقياس الوعيد بالنار في القرآن إنما ذكر للمحرمات وأما مافرضه اللّه من الواجبات فهن جميعاً يعتبر تركها كبيرة. ولعل هذا الوجه «الاخير أقوى الوجوه. وأما استبعاد كون تمام الواجبات تركها كبيرة فيمكن الجواب عليه بأنّ المقصود ما ورد في رواية عبد العظيم الحسني من عنوان ما فرضه اللّه ليس هو تمام الواجبات بل الواجبات الواردة في القرآن و يشهد لذلك. ما في صدر الرواية من ان سؤال السائل كان عبارة عن طلب معرفة الكبائر من كتاب اللّه فكأنّ مقصوده ـ عليه الصلاة والسلام ـ: أنّ الواجبات على قسمين: منها مافرضه اللّه وهو وارد في كتابه و يكون تركه كبيرة و منها مافرضه رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) في سنته بإذن اللّه او بإمضاءه ولا يعتبر

130

ترك ذلك كبيرة.

بقى الكلام في شيء واحد، وهو أننا وإن قلنا: ان ارتكاب الصغيرة لايضر بالعدالة

ولكننا نقول: أن الإصرار(1) على الصغيرة يجعلها كبيرة لعدة روايات: كما


(1) يبدو من بعض الروايات أنّ معنى الإصرار ليس هو التكرار، بل معناه عدم الندم، أو عدم حديث النفس بالتوبة، وإن كانت تلك الروايات غير واردة في الصغيرة، وما شاهدت من ذلك روايتان:

1 ـ ما جاء في رواية محمّد بن أبي عمير عن موسى بن جعفر (عليه السلام) من قوله: «يا أبا محمّد ما من أحد يرتكب كبيرة من المعاصي وهو يعلم أنّه سيعاقب عليها إلّا ندم على ما ارتكب، ومتى ندم كان تائباً مستحقاً للشفاعة، ومتى لم يندم عليها كان مصرّاً، والمصرّ لايغفرله؛ لأنّه غير مؤمن بعقوبة ما ارتكب، ولو كان مؤمناً بالعقوبة لندم ...»

2 ـ ما عن جابر عن أبي جعفر (عليه السلام) في قول اللّه ـ عزّ وجلّ ـ: ﴿ولم يصرّوا على ما فعلوا وهم يعلمون﴾، قال: «الإصرار أن يذنب الذنب فلا يستغفر اللّه ولا يحدّث نفسه بالتوبة، فذلك الإصرار» الوسائل ج 11، ب 48 من جهاد النفس، ح 4، ص 268.

وسند الحديث كما يلي: الكليني، عن أبي علي الأشعري، عن محمد بن سالم، عن أحمد بن النضر، عن عمرو بن شمر، عن جابر، عن أبي جعفر (عليه السلام). والسند ضعيف بعمرو بن شمر على الأقلّ.

هذا. والظاهر أنّ التفسير الإوّل ـ أي الوارد في الحديث الأوّل ـ لايمكن تسريته إلى باب الصغيرة، لأنّ الإصرار لو كان بمعنى عدم التوبة فالصغيرة بلا إصرار مغفورة بالتوبة سواء اجتنب الكبائر أولا، فما معنى قوله: ﴿إن تجتنبوا كبائر ما تُنْهَوْنَ عنه نكفّر عنكم سيّئاتكم﴾، فالظاهر أنّ المقصود بالإصرار إمّا هو التكرار الكثير، أو الإصرار النفسي والإصرار النفسي هو الذي أُشير إليه في الحديث الثاني وهو المفهوم عرفا من كلمة الإصرار فالإصرار حالة نفسية بمعنى كون الإنسان مرتكباً للذنب لاكصدفة عابرة على النفس بل بإقبال نفسىّ ثابت.

131

ورد عن عبداللّه بن سنان عن أبي عبداللّه (عليه السلام) قال: «لا صغيرة مع الإصرار، ولاكبيرة مع الاستغفار»(1). إلّا أنّ سنده ضعيف بعمّار بن مروان القندي الذي روى هذا الحديث عن عبداللّه بن سنان، ولم تثبت وثاقته. و ماورد عن محمّد بن أبي عمير عن موسى بن جعفر (عليه السلام) في حديث ... . قال النبي (صلى الله عليه وآله): لا كبيرة مع الاستغفار، ولا صغيرة مع الإصرار ...(2). وهذا الحديث تامّ سنداً؛ لأنّ الصدوق رواه عن أحمد بن زياد بن جعفر الهمداني عن عليّ بن إبراهيم عن أبيه عن محمّد بن أبي عمير، ومن قبل الهمداني لاإشكال فيهم، وأمّا الهمداني فهو وإن لم يرد في كتب الرجال توثيقه، لكن يكفي في توثيقه ما ذكره الصدوق (رحمه الله) في كتاب (كمال الدين وتمام النعمة) من قوله بعد ذكر حديث: «لم أسمع هذا الحديث إلّا من أحمد بن زياد بن جعفر الهمداني (رضي الله عنه) بهمدان عند منصرفي من حجّ بيت اللّه الحرام، وكان رجلا ثقة ديّناً فاضلا ـ رحمة اللّه عليه ورضوانه ـ»(3). وما عن الفضل بن شاذان ـ والسند غير تامّ ـ عن الرضا (عليه السلام) في تعداد الكبائر وفيه: (الإصرار على الذنوب)(4). وعن تحف العقول مرسلا (والإصرار على الصغائر من الذنوب)، و الظاهر أنّ هذا هو المقصود حتى مع حذف كلمة (الصغائر)، فإنّ الكبائر هي كبائر بلاحاجة إلى إصرار. وما عن الحسين بن زيد عن الصادق عن آبائه (عليهم السلام) في حديث المناهي: «أنّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله)قال: لاتحقّروا شيئاً من الشرّ وإن صغر في أعينكم، ولا


(1) الوسائل، ج 11، ب 48 من جهاد النفس، ح 3، ص 268.

(2) الوسائل، ج 11، ب 47 من جهاد النفس، ح 11، ص 266.

(3) كمال الدين وتمام النعمة، آخر باب ما روي عن أبي الحسن موسى بن جعفر في النصّ على القائم، ص 369، بحسب طبعة دار الكتب الإسلامية بطهران.

(4) الوسائل، ج 11، ب 46 من جهاد النفس، ح 33، ص 261.

132

تستكثروا شيئاً من الخير وإن كثر في أعينكم، فإنّه لاكبير مع الاستغفار، ولاصغير مع الإصرار»(1)، وسنده غير تامّ. وما عن أبي بصير بسند تامّ، قال: سمعت أباعبداللّه (عليه السلام) يقول: لاواللّه لايقبل اللّه شيئاً من طاعته على الإصرار على شيء من معاصيه(2). ومقتضى إطلاق الحديث أنّ الإصرار على المعصية الصغيرة أيضاً يمنع قبول الطاعة، وافتراض بقائها صغيرة ـ وكونها معفوّاً عنها عفواً جزميّاً لو لم يقترن بالكبائر ـ لا يجتمع عرفاً مع المانعيّة عن قبول الطاعة. وأدلّة حصر الكبائر في أعيان المعاصي الكبيرة لو تمّت تحمل على ذوات الذنوب دون الإصرار عليها. وقد يقال: إنّ إطلاق هذا الحديث يعارض إطلاق الآية الكريمة: ﴿إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفّر عنكم سيّئاتكم﴾ الظاهر في اجتناب أعيان الذنوب الكبيرة لا الإصرار على معصية هي في نفسها صغيرة.

وقد يُجاب بأنّ هذا الحديث يمكن تفسيره بافتراض كون نفس الإصرار على الذنب المقترن بالعمل من المعاصي الكبيرة، فيصبح مصداقاً لــ (كبائر ما تنهون عنه)، وإنّما قيّدنا الإصرار بكونه مقترناً بالعمل كي لا ينافي مادلّ على العفو عن النيّة البحتة.

معنى اللّمم

وفي ختام هذا البحث لا بأس بالإشارة إلى معنى اللّمم، والذي يستفاد من كتاب لسان العرب(3) أنّ المحتملات في اللّمم ثلاثة:

1 ـ أن يكون بمعنى صغار الذنوب وقد نقل في لسان العرب عن أبي إسحاق


(1) الوسائل، ج 11، ب 43 من جهاد النفس، ح 8، ص 246.

(2) الوسائل، ج 11، ب 48 من جهاد النفس، ح 1، ص 268.

(3) لسان العرب، ج 12، ص 549 وما بعدها.