وهيّأ له كلّ ما يحتاجه في عملية الرمي من إمكانات وأشياء وقدرات، وبذلك أصبح قادراً على أن يرمي.
فالمقصود من الآية إذاً ليس هو النفي الحقيقي للفعل عن الإنسان وسلب الرمي عنه؛ فإنّ هذا لا يصحّ حتّى على مبدأ القائلين بالجبر.
الرابعة: ما ورد عن الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(عليه السلام) في دعاء كميل: حيث قال(عليه السلام): «إِلهِي وَمَوْلاي، أجْرَيْتَ عَلَيَّ حُكْمَاً اتّبَعْتُ فِيهِ هَوى نَفْسِي وَلَمْ أحتَرِسْ فِيهِ مِنْ تَزْيِيْنِ عَدُوَّي، فَغَرَّنِي بِما أهْوى وأسْعَدَهُ عَلى ذَلِك الْقَضَاءُ، فَتَجَاوَزْتُ بِمَا جَرَى عَلَيَّ مِنْ ذَلِك بَعْضَ حُدُوْدِكَ، وَخَالَفْتُ بَعْضَ أَوَامِرِكَ، فَلَكَ الْحَمْدُ عَلَيَّ فِي جَمِيْعِ ذَلِكَ، وَلا حُجَّةَ لِي فيمَا جَرَى عَلَيَّ فِيهِ قَضَاؤُكَ وَاَلْزَمَنِي حُكْمُكَ وَبَلاؤُكَ، وَقَدْ أَتَيْتُكَ يَا إِلهِي بَعْدَ تَقْصِيرِي وَإِسْرَافِي عَلى نَفْسِي مُعْتَذِرَاً نَادِمَاً مُنْكَسِرَاً مُسْتَقِيلاً مُسْتَغْفِرَاً مُنِيبَاً مُقِرَّاً مُذْعِنَاً مُعْتَرِفَاً...».
والمعنى هو: أنّ الشيطان _ عدوّ الإنسان_ قد زيّن لي ما تهواه نفسي، وغرّني به، فاتّبعته يا إلهي، وعصيتك، وكان القضاء والقدر قد ساعد الشيطان في ذلك، فصدر عنّي ما صدر من تجاوز ومخالفة، فأجريت عليَّ يا مولاي ما يقتضيه اتّباع الهوى من حكم وقضاء ألزمتني به، وليس لي من حجّة عليك فيما أجريت عليَّ من حكم
قضائك، بل إنّ لك الحجّة يا إلهي في ذلك بسبب تقصيري في سوء الاختيار وإسرافي في اتّباع الهوى....
أمّا بالنسبة إلى مساعدة القضاء والقدر للشيطان، فيبدو أنّها إشارة إلى ما قضى اللّه تعالى به من تزويد هذا الإنسان بمبادئ الشرّ؛ إذ إنّ خَلْقَ بذور الشرّ في نفس الإنسان يشكّل عاملاً مساعداً لعمل الشيطان في إغواء الإنسان ودفعه إلى ارتكاب المعاصي والتمرّد على أوامر بارئه....
ولا يعني هذا: أنّ أخطاء الإنسان ومعاصيه إنّما تكون بلا اختيار منه، وأنّه مجبور عليها، وإنّما يعني: أنّ اللّه سبحانه وتعالى قد قضى أن تكون بذور الشرّ مغروسةً في نفس الإنسان، كما تكون بذور الخير مغروسة فيها، وكان عليه أن يسقي بذور الخير وينمّيها؛ ليغلّبها على بذور الشرّ؛ ولذلك قال: «وَ لا حُجَّةَ لِي...» فلو كان مجبوراً لكانت له حجّة على اللّه تعالى، وَلَما كان فعله تقصيراً وإسرافاً، ولما احتاج إلى الاعتراف والاعتذار والندم والاستغفار...، فهو إذاً غير مجبور على ما فعله من المعاصي؛ ولذا فإنّه لا يملك الحجّة على اللّه تعالى على ما فعله منها، فالتجأ إلى الاعتراف والاستغفار والإنابة....
كما أنّ هناك آياتٍ ورواياتٍ أُخر تدلّ على هذا المعنى، منها:
قوله تعالى: ﴿... لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيَّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيَّنَةٍ...﴾(۱).
فلو كان القضاء يفرض أن يصدر العمل الكذائي عن الإنسان لما صحّ أن يهلك مَن هلك عن بيّنة، وإنّما يهلك بلا بيّنة، فإنّما يصحّ أن نقول: ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيَّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيَّنَةٍ﴾ حينما يصحّ القول بأنّ اللّه تعالى قد هداه النجدين.
وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرَّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِن يَكُن مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِنْكُم مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ * الْآنَ خَفَّفَ اللّٰهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِن يَكُن مِنْكُم مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللّٰهِ وَاللّٰهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾(۲).
فقد كان قضاء اللّه في صدر الإسلام بأنّه لو جابَهَ عشرون صابرون من المؤمنين مئتين من الكفّار، لغلبوهم، أي: إنّ كلّ واحد من المؤمنين يعادل عشرة أفراد من الكافرين، ولكنّ قضاء اللّه قد
(۱) الأنفال: ٤۲.
(۲) الأنفال: ٦٥ _ ٦٦.
تبدّل بعد ذلك بسبب تبدّل مستوى الصمود ومدى قوّة الإرادة للمسلمين، فأصبح كلّ واحد منهم يعادل اثنين فقط.
والآية صحيح أنّها تقول: ﴿بِإِذْنِ اللّٰهِ﴾، ولكنّها تحتفظ بإرادة الإنسان، فتجعل قضاء اللّه في طول حالة الإنسان، وليس العكس.
وقد استنبط أحد المفسّرين تفسيراً لسنا بصدد بيان صحّته، فقال: إنّ هناك صفتين في المؤمن ليستا موجودتين عند الكافر، وهما اللتان تغلّبان المؤمن على الكافر، وهما: الصبر والبصيرة، ففي قوله(عز وجل): ﴿يَكُن مِنْكُم مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللّٰهِ﴾ فإنّ الصبر هو الذي جعل المؤمن الواحد أن يَغْلِب اثنين من الكفّار، ولكن إذا ما ضُمّت (البصيرة) إلى (الصبر)، فإنّ المؤمن الواحد سيعادل عشرة من الكافرين ﴿وَإِن يَكُن مِنْكُم مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ﴾ أي: بسبب أنّهم قوم لا بصيرة لهم.
الخامسة: أنّنا نستظهر من الأدلّة الواردة بخصوص الرزق والحياة والموت (الأجل) أنّ هناك مستويين لكلّ من جلب الرزق والحفاظ على الحياة:
۱_ بالنسبة إلى الحياة، فهناك مستويان من الحفاظ عليها:
أحدهما: معقول، أي: إنّ هناك مستوىً من الاحتياطات المعقولة التي يجب على كلّ إنسان أن يتّخذها للحفاظ على نفسه، كما قال عزّ من قائل: ﴿...وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّـهْلُكَةِ...﴾(۱)، ولـيـس مـن المفروض بالإنسان أن يكون غير مبالٍ بالحفاظ على نفسه.
وثانيهما: مستوىً غير معقول على وفق المقاييس المتعارفة، وذلك بأن يتّخذ من الاحتياطات ما يجعله إنساناً جباناً أو متقاعساً، أو يتخلّى عن بعض وظائفه الشرعية، كأن يترك الذهاب إلى جبهة القتال القائمة بين المسلمين والكفّار خوفاً من الموت..
والمستوى الأوّل من الحفاظ على النفس هو الواجب، وهو الذي يقول اللّه تعالى عنه: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ أي: لا تتركوا ذلك المستوى من الحفاظ على النفس، فلو اتّخذ الإنسان المستوى المعقول من الاحتياط في سبيل الحفاظ على النفس كان الباقي على اللّه تعالى، وهو الذي يقول عنه تعالى: إنّ هناك ملائكةً يحفظونه، أي: إنّ الإنسان لو احتاط بالمستوى المعقول، كفاه ذلك.
قال تعالى: ﴿لَهُ مُعَقَّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللّٰهِ...﴾(۲).
(۱) البقرة: ۱۹٥.
(۲) الرعد: ۱۱.
وقال(عز وجل): ﴿... وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرَّطُونَ﴾(۱).
فأنا أستظهر من الجمع بين هذه الآيات وبين مثل قوله سبحانه: ﴿لَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾: أنّ هذه الآية تشير إلى التحفّظ بالمستوى المعقول من أجل الحفاظ على الحياة.
فعلى الإنسان أن يحتاط لنفسه، وإذا لم يأخذ الاحتياطات اللازمة فإنّ الملائكة لا تحفظه؛ إذ ينطبق عليه قوله تعالى: ﴿لَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾، أمّا مع اتّخاذ المستويات المعقولة من الاحتياطات من أجل الحفاظ على الحياة بالشكل الذي لا يعارض الوظيفة الشرعية مثلاً، فإنّه يأتي قوله جلّ شأنه: ﴿لَهُ مُعَقَّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللّٰهِ﴾.
هذا بلحاظ الآيات.
أمّا بلحاظ الروايات فنرى نمطين من الروايات:
الأوّل: يصرّ على التقية، من قبيل: «التقيّة من ديني ودين آبائي»(۲)،
(۱) الأنعام: ٦۱.
(۲) وسائل الشيعة، ج۱٦، ص۲٠٤، الباب۲٤ من أبواب الأمر والنهي وما يناسبهما، ح٤.
وما عن الإمام الصادق(عليه السلام): «أفطر يوماً من شهر رمضان أحبّ إليَّ من أن يُضْرَب عنقي»(۱).
والثاني: يقابل النمط الأوّل من الروايات، فعن الإمام الصادق(عليه السلام) أنّه قال: «أيها الناس، اؤمروا بالمعروف، وانهوا عن المنكر؛ فإنّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لم يقرّبا أجلاً، ولم يباعدا رزقاً»(۲).
فكيف نجمع بين هذين النمطين من الروايات؟
ولعلّ وجه الجمع واضح؛ فإنّ هناك احتياطاتٍ معقولةً _ في ضمن المقاييس العرفية_ لابدّ من اتّخاذها في حالات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وفي حالة التقية، وبعد اتّخاذ تلك الإجراءات الاحتياطية لابدّ من أن يترك كلّ ما من شأنه أن يؤدّي إلى ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
۲_ بالنسبة إلى الرزق، فإنّ الآيات الواردة فيه يمكن أن نقسّمها إلى ثلاثة أقسام:
(۱) وسائل الشيعة، ج۱٠، ص۱۳۲، الباب٥۷ من أبواب ما يمسك عنه الصائم ووقت الإمساك، ح٤.
(۲) المصدر السابق، ج۱٦،ص۱۲٥، الباب الأوّل من أبواب الأمر والنهي وما يناسبهما، ح۲٤.
القسم الأوّل: ما يصرّح بأنّ الرزق مضمون من قبل اللّه تعالى، ويبدو من هذا القسم أنّه لا حاجة للإنسان إلى أن يسعى من أجل الرزق مادام أنّه مضمون من قِبَل اللّه تعالى، ومن تلك الآيات:
قوله تعالى: ﴿... نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ...﴾(۱).
وقوله سبحانه: ﴿... نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ...﴾(۲).
وقوله(عز وجل): ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللّٰهِ رِزْقُهَا...﴾(۳).
وقوله تبارك اسمه: ﴿مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِن رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللّٰهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾(٤).
القسم الثاني: وهو الذي يصرّح بضرورة الكدّ من أجل تحصيل المعاش، مثل:
قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِن رَبَّكُمْ...﴾(٥).
(۱) وسائل الشيعة، ج۱٠، ص۱۳۲، الباب٥۷ من أبواب ما يمسك عنه الصائم ووقت الإمساك، ح٤.
(۲) المصدر السابق، ج۱٦،ص۱۲٥، الباب الأوّل من أبواب الأمر والنهي وما يناسبهما، ح۲٤.
وقوله جلّ وعلا: ﴿...فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللّٰهِ...﴾(۱).
كما أنّ هناك روايةً عن الإمام صادق(عليه السلام) تصرّح بهذا المعنى، وهي: «أنّ محمد بن المنكدر كان يقول: ما كنت أرى أنّ علي بن الحسين(عليه السلام) يدع خَلَفاً أفضل منه حتّى رأيت محمد بن علي، فأردت أن أعظه فوعظني. فقال له أصحابه: بأيّ شيء وعظك؟ قال: خرجت إلى بعض مناحي المدينة في ساعة حارّة، فلقيني أبو جعفر محمد بن علي، وكان رجلاً بادناً ثقيلاً وهو متّكئ على غلامين أسودين، فقلت في نفسي: سبحان اللّه، شيخٌ من أشياخ قريش في هذه الساعة على هذه الحالة في طلب الدنيا! أما لأعظنّه، فدنوت منه، فسلّمت عليه، فردّ عليَّ السلام بنهر _ أو ببهر _ وهو يتصابّ عرقاً، فقلت: أصلحك اللّه، شيخٌ من أشياخ قريش في هذه الساعة على هذه الحالة في طلب الدنيا؟! أ رأيت لو جاء أجلك وأنت على هذه الحالة، ما كنت تصنع؟ فقال(عليه السلام): لو جاءني الموت وأنا على هذه الحالة، جاءني وأنا في طاعة اللّه(عز وجل)، أكفّ بها نفسي وعيالي عنك وعن الناس، وإنّما كنت أخاف لو جاءني الموت وأنا على معصية من معاصي اللّه. فقلتُ:
(۱) الجمعة: ۱٠.
صدقت يرحمك اللّه، أردت أن أعظك فوعظتني»(۱).
كما ورد عن الإمام الصادق(عليه السلام) أنّه قال: «الكادّ على عياله كالمجاهد في سبيل اللّه»(۲).
وعنه(عليه السلام) أيضاً: «من كسل عن طهوره وصلاته، فليس فيه خير لأمر آخرته، ومن كسل عن ما يصلح به أمر معيشته، فليس فيه خير لأمر دنياه»(۳).
وعنه(عليه السلام) أيضاً، عن رسول اللّه(صلى الله عليه وآله): «ملعون من ألقى كَلَّهُ على الناس»(٤).
وعن معلّى بن خنيس، عن أبيه أنّه قال: «سأل أبو عبداللّه(عليه السلام) عن رجل وأنا عنده، فقيل له: أصابته الحاجة. قال: فما يصنع اليوم؟ قيل: في البيت يعبد ربّه. قال: فمن أين قوته؟ قيل: من عند بعض
(۱) الكافي، ج٥، ص۷۳، باب ما يجب من الاقتداء بالأئمة؟عهم؟ في التعرض للرزق من کتاب المعيشة، ح۱.
(۲) المصدر السابق، ص۸۸، باب من کدّ علی عیاله من کتاب المعيشة، ح۱.
(۳) المصدر السابق، ص۸٥، باب کراهية الکسل من کتاب المعيشة، ح۳.
(٤) المصدر السابق، ص۷۲، باب الاستعانة بالدنيا علی الآخرة من کتاب المعيشة، ح۷.
إخوانه. فقال أبو عبداللّه(عليه السلام): واللّه لَلذي يقوّته أشدّ عبادة منه»(۱).
فإذا جمعنا بين القسمين نفهم أنّ طلب الرزق بحدود معقولة ضروري، وعليه يعتمد الرزق، ما عدا الرزق المحتوم، فمن لم يطلب لا يحصل على الرزق، ولكن المطلوب هو الإجمال في طلبه، والاهتمامُ الزائد لا يُكْثِر الرزق، كما تشهد لهذا الجمع الطائفة الثالثة من الروايات.
القسم الثالث: وهي الروايات التي تصرّح بعنوان الإجمال في طلب الرزق، أي: أن يكون بحدود معقولة، وأن لا يكون عن طريق حرام، وأنّ الحرام لا يزيد الرزق، فعن أبي حمزة الثمالي، عن الإمام الباقر(عليه السلام)، قال: قال رسول اللّه(صلى الله عليه وآله) في حجّة الوداع: «إنّ روح الأمين نفث في روعي: أنّه لا تموت نَفْس حتّى تستكمل رزقها، فاتّقوا اللّه(عز وجل)، وأجملوا في الطلب، ولا يحملنّكم استبطاء شيء من الرزق أن تطلبوه بشيء من معصية اللّه؛ فإنّ اللّه تبارك وتعالى قسّم الأرزاق بين خلقه حلالاً، ولم يقسّمها حراماً، فمن اتّقى اللّه وصبر، أتاه اللّه برزقه من حلّه، ومن هتك حجاب الستر وعجّل، فأخذه من غير حلّه،
(۱) الكافي، ج٥، ص۷۸، باب الحث علی الطلب والتعرض للرزق من کتاب المعيشة، ح٤.
قصَّ به من رزق الحلال، وحوسب عليه يوم القيامة»(۱).
وممّا ورد أيضاً بهذا الصدد ما يرويه ابن فضّال عن أحدهم، عن الإمام الصادق(عليه السلام) أنّه قال: «ليكن طلبك للمعيشة فوق كسب المضيّع، ودون طلب الحريص الراضي بدنياه المطمئِن إليها، ولكن انزل نفسك من ذلك بمنزلة المنصف المتعفّف، ترفع نفسك عن منزلة الواهن الضعيف، وتكسب ما لابدّ منه، إنّ الذين اعطوا المال ولم يشكروا، لا مال لهم»(۲).
وفي رواية أُخرى: «قلت لأبي عبداللّه الصادق(عليه السلام): أيُّ شيء على الرجل في طلب الرزق؟ فقال: إذا فتحت بابك وبسطت بساطك، فقد قضيت ما عليك»(۳).
وعن الطيّار أنّه سأله الإمام الباقر(عليه السلام) «أيُّ شيء تعالج؟ وأيّ شيء تصنع؟ فقلت: ما أنا في شيء. قال: فخذ بيتاً، واكنس فِناه، ورشّهُ، وابسط فيه بساطاً، فإذا فعلت ذلك فقد قضيت ما وجب
(۱) المصدر السابق، ص۸٠، باب الإجمال في الطلب من کتاب المعيشة، ح۱.
(۲) المصدر السابق، ص۸۱، ح۸.
(۳) المصدر السابق، ص۷۹، باب الإبلاء في طلب الرزق من کتاب المعيشة، ح۱.
عليك. قال: فقدمت، ففعلت، فرزقت»(۱).
فهذه الروايات من ناحية قد تشير إلى المبدأ الاقتصادي الذي يقول: إنّ الشيء الرئيس في تقسيم الرزق هو العمل، وقد تشير من ناحية أُخرى إلى المفهوم الذي بيّناه، وهو: أنّه لابدّ من طلب الرزق، وأنّ مَن لم يطلبه يُحرَم منه، ولكن هذا الطلب له حدود، وأنّ الطلب الذي يخرج من هذه الحدود لا يضيف إلى رزق الإنسان رزقاً.
وآخر دعوانا أن الحمد للّه ربّ العالمين.
(۱) الکافي، ج٥، ص۷۹، باب الإبلاء في طلب الرزق من کتاب المعيشة، ح۲.
مصادر البحث
۱. القرآن الکريم.
۲. الاحتجاج؛ الطبرسي، أحمد بن علي(٥۸۸ق)؛ إيران، مشهد، نشر المرتضی، الطبعة الأولی، ۱٤٠۳ق.
۳. اعتقادات الإمامية؛ ابن بابويه، محمد بن علي(۳۸۱ق)؛ إیران، قم، المؤتمرة للشيخ المفيد، الطبعة الثانية، ۱٤۱٤ق.
٤. الإيقاظ من الهجعة بالبرهان علی الرجعة، الحرّ العاملي، محمد بن الحسن(۱۱٠٤ق)؛ إیران، طهران، دلیل ما، الطبعة الأولی، ۱٤۲۲ق.
٥. بحار الأنوار؛ المجلسي، محمد¬باقر (۱۱۱٠هـ)؛ لبنان، بيروت، دار إحياء التراث العربي، الطبعة الثانية، ۱٤٠۳هـ.
٦. البرهان في تفسير القرآن؛ البحراني، هاشم بن سلیمان(۱۱٠۷ق)؛ إيران، قم، مؤسسة البعثة، الطبعة الأولی، ۱٤۱٥ق.
۷. بشارة المصطفی لشيعة المرتضی؛ الطبري العاملي، عماد الدين(٥٥۳ق)؛ العراق، النجف الأشرف، المکتبة الحيدرية، الطبعة الثانية، ۱۳۸۳ق.
۸. تفسير العياشي؛ العياشي، محمد بن مسعود(۳۲٠ق)؛ إيران، طهران، مکتبة العلمية الإسلامية، الطبعة الأولی، ۱۳۸٠ق.
۹. تفسير القرآن الکریم الشهير بتفسير المنار؛ محمد الرشيد، رضا(۱۳٥٤ق)؛ لبنان، بیروت، دار المعرفة، الطبعة الأولی، ۱٤۱٤ق.
۱٠. تفسير القمي، القمي، علي بن إبراهيم، إیران، قم، دار الکتاب، الطبعة الثالثة، ۱۳٦۳ش.
۱۱. تفسير نور الثقلين؛ الحويزي، عبد علي بن جمعه(۱۱۱۲ق)؛ إيران، قم، إسماعيليان، الطبعة الرابعة، ۱٤۱٥ق.
۱۲. الجامع لأحکام القرآن؛ القرطبي، محمد بن أحمد(٦۷۱ق)؛ إيران، طهران، ناصر خسرو، الطبعة الأولی، ۱۳۸٤ش.
۱۳. روضة الواعضين وبصيرة المتعظين؛ الفتال النيشابوري، محمد ابن أحمد(٥٠۸ق)؛ إيران، قم، انتشارات الرضي، الطبعة الأولی، ۱۳۷٥ش.
۱٤. علل الشرائع؛ ابن بابويه، محمد بن علي(۳۸۱ق)؛ إيران، قم،
المکتبة الداوري، الطبعة الأوّل، ۱۳۸٥ش.
۱٥. الغيبة؛ الطوسي، محمد بن الحسن(٤٦٠ق)؛ إيران، قم، دار المعارف الإسلامية، الطبعة الأولی، ۱٤۱۱ق.
۱٦. الکافي؛ الکليني، محمد بن يعقوب(۳۲۹ق)؛ إيران، طهران، دار الکتب الإسلامية، الطبعة الرابعة، ۱٤٠۷ق.
۱۷. کمال الدين وتمام النعمة؛ ابن بابويه، محمد بن علي(۳۸۱ق)؛ إيران، طهران، إسلامية، الطبعة الثانية، ۱۳۹٥ق.
۱۸. لسان العرب؛ ابن منظور، محمد بن مکرم(۷۱۱ق)؛ لبنان، بیروت، دار الفکر _ دار الصادر، الطبعة الثالثة، ۱٤۱٤ق.
۱۹. الميزان في تفسير القرآن؛ الطباطبائي، محمد حسين(۱٤٠۲ق)؛ لبنان، بیروت، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، ج۲، ص۱۳۹٠ق.
۲٠. نهج البلاغة؛ الشريف الرضي، محمد بن حسین(٤٠٦)، تحقيق: صبحی الصالح؛ إیران، قم، الهجرة، الطبعة الأوّل، ۱٤۱٤ق.
۲۱. وسائل الشيعة؛ الحرّ العاملي، محمد بن حسن(۱۱٠٤ق)؛ إيران، قم، مؤسسة آل البيت(عليهم السلام)، الطبعة الأولی، ۱٤٠۹ق.