بيانات

بيان (94) - بيان سماحة آية الله العظمى السيّد كاظم الحسينيّ الحائريّ (دام ظلّه الوارف) بمناسبة الانتخابات البرلمانيّة الرابعة في العراق


بسم الله الرحمن الرحيم

 

بيان سماحة آية الله العظمى السيّد كاظم الحسينيّ الحائريّ (دام ظلّه الوارف) بمناسبة الانتخابات البرلمانيّة الرابعة في العراق

قال عَزَّ مِن قائل: ﴿لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾. الحاقّة: 12. وعن مولانا أمير المؤمنين عليه السلام: (الْفُرْصَةُ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ فَانْتَهِزُوا فُرَصَ الْخَيْرِ) . نهج البلاغة (صبحي الصالح): 471.

أبنائي الأكارم.. أيّها الشعب العراقيّ الأبيّ.. اُحيّيك أوّلاً، واُكبِر فيك صبرك على المكاره، وقدرتك على مقاومة الشدائد.. واُحيّي فيك دمك الطاهر الذي اُريق في سبيل الله من نحر شهدائك الأبرار الأعاظم..

واعلموا: أنّ قلب أبيكم ليتلوّى ألماً وحرقة للمفاسد الاجتماعيّة والسياسيّة والإداريّة، ويحزّ في نفسه ويؤرّق ليله شيوع الروح الحزبيّة والقيم الفئويّة وبناء الكيانات الشخصيّة بين رجالات السلطة والبرلمان وأصحاب القرار.. عزيز على أبيكم أن يرى فقركم ومآسيكم ومحنكم. فأتوسّل إلى الله تعالى: أن يكشف هذه الغمّة عن هذه الاُمّة بحضوره، ويعجّل لنا ظهوره، إنّه أرحم الراحمين.

أقول: يا أبناء وطني العراقيّين من مسلمين شيعة وسنّة، ومن أهل الكتاب.. إنّـكم مقبلون على فرصة الانتخابات البرلمانيّة، وهي من (فرص الخير) التي تحمون بها مستقبل بلادكم وحاضر أهلكم، إنّها ـ بحقّ ـ فرصة لا ينبغي التقليل من شأنها، أو تجاهل خطرها وأثرها، فاغتنموها فإنّها (تَمُرُّ مَرَّ السَحَاب) ثمّ تفوت ولاة حين مندم، فالواجب الشرعيّ والوطنيّ والإنسانيّ يحتّم عليكم أن تبادروا وتشاركوا، وتوصلوا الأصلح الذي عرفتموه واختبرتموه في سنيّ المحنة، فوجدتم إخلاصه وتفانيه وغيرته على عرضكم وكرامتكم، وحماية بلدكم، والدفاع عن مصالحه ومقدّراته.. وإلّا سبقكم المتربّصون، وفاز بها الفاسدون، وقد قال مولانا أمير المؤمنين في وصيّته لولده الحسن عليهما السلام: (بَادِرِ الْفُرْصَةَ قَبْلَ أَنْ تَكُونَ غُصَّة) المصدر السابق: 402، فإنّ أقلّ ما فيها أنّكم تحولون دون وصول من جرّبتموهم بالفساد والخيانة طيلة السنين المنصرمة، (فالْعَقْلُ حِفْظُ التَجَارِبِ، وَخَيْرُ مَا جَرَّبْتَ مَا وَعَظَك)، كيف لا، والاستكبار العالميّ وأذنابه كالسعوديّة ومن سار في ركبها في المنطقة يخطّطون جاهدين لسرقتكم والتأثير على الانتخابات لغير مصلحتكم. (أَلَا إِنَّ أَبْصَرَ الأَبْصَارِ مَا نَفَذَ فِي الْخَيْرِ طَرْفُه، أَلَا إِنَّ أَسْمَعَ الأَسْمَاعِ مَا وَعَى التَّذْكِيرَ وقَبِلَه).

واُفصِح في هذا الظرف العصيب، والأيّام الحرجة عن كلمات شكري وتقديري وثنائي لأبنائي المجاهدين والغيارى في الحشد الشعبيّ.. رجال الميدان والمقاومة المضحّين المخلصين.. مَن قال في أمثالهم أمير المؤمنين عليه السلام: ﴿يُجَاهِدُهُمْ فِي سَبِيلِ الله قَوْمٌ أَذِلَّةٌ عِنْدَ الْمُتَكَبِّرِينَ، فِي الأَرْضِ مَجْهُولُونَ، وفِي السَمَاءِ مَعْرُوفُون﴾ المصدر السابق: 148. قد عرفكم أهلنا في العراق بالتضحية والتفاني في سبيل الله، والثبات في ميادين الدفاع، ولولا ما قدّمتموه من شهداء أكابر، وجرحى ومعوّقين أبرار، لما تحرّرت البلاد، وما نجى من الاحتلال العباد، فلحقّكم العظيم على العراق وأهله ومكانتكم الجليلة ينبغي للحكومة وللشعب أن يقدّر ذلك لكم، ويحفظه في مواقفه وقراراته وذاكرته وتأريخه لصالحكم، فلا يقاس بكم أحد ولا يناظركم فرد، كيف لا و﴿مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ، وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ، هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً، أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ الزمر: 24.. فاليوم إذا ما اظلمّ وجه العراق بفساد الفاسدين وسرقات الخائنين من رجال السلطة وغيرهم، فقد أشرق بنور شهدائهم وإخلاص مواقفهم، (قُلُوبُهُمْ مَحْزُونَةٌ، وشُرُورُهُمْ مَأْمُونَةٌ، وأَجْسَادُهُمْ نَحِيفَةٌ، وحَاجَاتُهُمْ خَفِيفَةٌ، وأَنْفُسُهُمْ عَفِيفَةٌ).

وأعظ ناصحاً أهلي وقومي في العراق: أن اعلموا أنّ الاستكبار العالميّ وأنصاره في المنطقة وأتباعه في البلد لا يرضون دون استئصال هويتكم وثقافتكم ونهب خيراتكم والتحكّم بمقدّرات بلدكم واستعبادكم.. فليس من الحكمة بمكان أن تغفلوا عن هذه الحقيقة، أو تتساهلوا فيها، فعن أمير المؤمنين عليه السلام: (من نام عن عدوّه أنبهته [نبّهته] المكايد) غرر الحكم: 7687، وإنّ (الْحَذَرَ كُلَّ الْحَذَرِ مِنْ عَدُوِّكَ بَعْدَ صُلْحِه، فَإِنَّ الْعَدُوَّ رُبَّمَا قَارَبَ لِيَتَغَفَّلَ، فَخُذْ بِالْحَزْمِ، واتَّهِمْ فِي ذَلِكَ حُسْنَ الظَنّ)نهج البلاغة (صبحي الصالح): 442، فإنّ قواعد السياسة الخارجيّة الأمريكيّة بُنيت على تأمين مصالحها والتلوّن بمقتضياتها، واتّخاذ قراراتها في علاقاتها مع أتباعها على هذا الأساس.. واليوم يخيّر الرئيس الأمريكيّ دول مشايخ الخليج بين أن تدفع له نفقات حربه وتدخّله في الشأن السوريّ، أو تسليم حكوماتهم إلى السقوط والزوال، ويمنّ عليهم أنّ حكوماتهم باقيه بفعل دعمه وتأييده.. وكان هذا نتيجة الارتماء في أحضان الاستكبار العالميّ بعد خسارة التأييد الشعبيّ وبناء كيانات اُسريّة مستبدّة.

ومن هذا المنطلق نوصي الحكومة العراقيّة بعدم الانجرار إلى أحضان الاستكبار العالميّ في تعاقداتها الاقتصاديّة والأمنيّة والعسكريّة.. ولتحذر من فتح باب للعدوّ الأمريكيّ للدخول إلى العراق عن طريق بناء معسكرات أو دعوى تدريبات، ومن أن يتدخّل الرجل الأمريكيّ في قرارات العراق الداخليّة أو الخارجيّة.

وأقول خاتماً كلامي:اللّهمّ إنّا نشكو إليك ما لا يخفى عليك، فلا تردّنا خائبين، ولا تقلبنا واجمين، ولا تخاطبنا بذنوبنا، ولا تقايسنا بأعمالنا.. اللّهمّ انشر علينا بركتك ورزقك ورحمتك، ولا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منّا يا أرحم الراحمين.

10 / شعبان / 1439 هـ

كاظم الحسينيّ الحائريّ