بيانات

بيان (50) - بيان بمناسبة ذكرى عاشوراء أبي عبدالله الحسين (عليه السلام) واستنكار الإساءة إلى رسول الله من قبل بعض الصحف الاُروبيّة


بسم الله الرحمن الرحيم

الحمدُ لله ربِّ العالمين وصلّى الله على نبيِّنا محمّد وآله الأطيبين واللعن على أعدائهم أجمعين.

قال الله عزّ وجلّ: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَى إِلَى الاِْسْلاَمِ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾. صدق الله العليّ العظيم

« السلام عليك يا ثارَ اللّهِ وابنَ ثارِه والوِترَ الموتُور ... يا أبا عبدالله لقد عظمت الرزيّة، وجلّت وعظمت المصيبة بكَ علينا وعلى جميع أهل الإسلام، وجلّت وعظمت مصيبتُكَ في السماوات على جميعِ أهلِ السماوات ... ».

السلام عليكم أبناءنا الكرام ورحمةُ الله وبركاته، وبعد:

نرفع أحرَّ آيات العزاء إلى إمامنا الحجّة المنتظر المهديّ ( عجّل اللهُ فرجه ) بشهادةِ جدِّه إمامنا أبي عبد الله الحسين سلام الله عليه، وكذلك نعزّي الاُمّة بهذا المصاب الجَلَل.

إنّ واقعة كربلاء وما انطوت عليه من مأساة لم تكن تحدث لو لا أَنَّ المسلمين تركُوا واقِعَ إسلامِهم بعدما حليت الدنيا في عيونِهِم، وراقَهُم زِبرِجُها حتّى انتهى أمرُهم بيدِ أعرابيٍّ فاجر لا يفقَهُ من الإسلام شيئاً.

كان يزيد بن معاوية ثمرةَ مؤامرة حِيكَت لنقض عُرى الإسلام والإطاحةِ به، حاك خيوطَها المنافقوُن، وسَكَت عليها المسلمون، فأصبحت الاُمّة التي وصفها الله تعالى:﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّة أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ...﴾ يُهانُ فيها الأتقياء، ويُكرَم فيها الفجرةُ الأشقياء، ويُستشارُ في أمرها سرجون النصرانيّ، فهل يتمكّن حجّة الله على خلقه، وخليفَته في أرضِهِ إمامنا الحسين بن رسول الله(صلى الله عليه وآله) أن يسكت؟!

ولو أنّ المسلمين بايعوا الإمام ونصروه وأطاعوه لأنزلت السماء قطرها، ولأَخرجت الأرض بركاتِها، ولما طمع بالمسلمين يزيد وأمثالُه، واليوم لو أَنّ المسلمين رجعوا إلى إسلامهم، وحكَّمُوه في اُمورِهم لاَنزلَ اللهُ عليهم رحمته، ولاَيّدَهُم بنصرِه، ولاَلبَسَهُم ثوبَ عِزَّتِهِ، ولَما طَمَع بهم أراذِل الصليبيّين في الدانمارك، واستهتروا إلى حدٍّ يصوّرون نبيَّنا الأكرم بما لا يليق.

إنَّ من المؤسِف جدّاً تَظاهُر صُحُف الصليبيّين على الإسلام وأهله، وحماية حكوماتهم لتجرّؤ صحفهم، وحُكّام المسلمين لم يتعدَّوا إلى الآن الأحاديث الخجولة!!

إنّ أملنا منعقد على أبناء اُمّتنا، وقد عوّدوا العالم بأنّ غيرتهم لم تسمَح بهتك حرمة رسول الله(صلى الله عليه وآله)، والدليل على ذلك انتقال المرتدّ سلمان رشدي من جحر إلى آخر خوفاً من بطش المسلمين ثأراً لجرأته على حرمَة رسول الله(صلى الله عليه وآله)، فكلّنا على يقين بأنّ الشعوب الإسلاميّة سوف تقف موقفاً مشرّفاً تضع فيه حدّاً نهائيّاً لتمادي الصليبيّين في التعدّي على رَمزِ عِزَّتنا محمّد المصطفى(صلى الله عليه وآله).

لا يخفى على أبنائنا أنَّ الغرب الصليبيّ بلغَ حدّاً من النفاق المفضوح بِحيث يكيل بمكيالين دائماً عندما تتعلّق القضيّة بالمسلمين، فهاهُم يُعَلّلون الجرأَة على نبيّ الإسلام بحريّة التعبير في حين يكمّمون الأفواه ويقطّعون الألسن عندما يَتعلّق الأمر بالصهاينة، وإلى هذه اللحظة يُعاقَب من أنكرَ مَحرقة اليهود المزعومة، وأثبتَ أ نّها ليست إلاّ دعاية كاذبة لا أكثر، ألم يكن هذا مشمولاً لحرّيّة التعبير؟!

فتبّاً لهم وقبحاً، وليعلموا أنّ رسول الله ـ فِداهُ مَن سِواه ـ أغلى عندنا من كُلِّ شيء، وقد قال الله تعالى:﴿قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَاد فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾.

وعلى هذا الأساس بُنيَ الإسلام وبهِ كانت ديمومته وخلوده، فمن سوّلت له نفسُهُ أن يُذِلَّ المسلمين ويتعرَّض لنبيِّهم، فليعلم أنّ أسلافهُ سبقُوه إلى ذلك، وكان جوابه قول الله سبحانه وتعالى:﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لاَ يَعْلَمُونَ﴾.

أيّها المسلمون في العالم، إنّ الإنسان لا يُجبر على ترك الكفر، فقد قال الله تعالى:﴿لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّين﴾، وهناك أنماط من التعامل مع الكفّار شرحت في كتبنا الفقهيّة، أمّا شتم رسول الله(صلى الله عليه وآله) فيسمّى في عرفنا الفقهيّ بالنصب، وجزاؤه المنصوص عليه في عديد من الروايات الواردة عن الأئمّة المعصومين(عليهم السلام) هو القتل، وإليكم نصّ رواية واحدة من تلك الروايات:

في صحيحة داود بن فرقد عن أبي عبدالله(عليه السلام): « ما تقول في قتل الناصب؟ فقال: حلال الدم ... »(1).

وليس هذا الرأي هو رأي الشيعة فحسب، بل هذا هو ما أجمعنا عليه نحن الشيعة وإخواننا السنّة بشتّى مذاهبهم.

أيُّها المسلمون الغيارى على النبيّ ودينه، لا حيلة لنا إلاّ بالرجوع إلى ربّنا، والالتزام بإسلامنا، وتحكيمه في حياتنا، وإلاّ تبقى مصائرنا بيد الصليبيّين المستكبرين، وما رأيتم منهم إلى الآن إلاّ الذلّ والهوان.

أبناءنا الأعزّاء، إنّ لإمامنا أبي عبدالله الحسين(عليه السلام) حقوقاً لا تُحصى، وأقَلّها إقامة العزاء عليه إحياءً لذكرِهِ، وتخليداً لنهجهِ، وتعظيماً لشعائر الله تعالى. وبالمناسبة نلفت أنظاركم، إلى النقاط التالية:

أوّلاً: أحيوا هذه الذكرى بأبهى صورة تليق بهذه التضحية العظيمة.

ثانياً: اعلموا أنّ بذل الجهد والمال تقرّباً إلى الله في هذا السبيل معوّضٌ في الدنيا أضعافاً، ومدّخرٌ للآخرة، وهو تجارة لن تبور.

ثالثاً: استثمروا هذه المناسبة لتهذيب النفوس مستلهمين العِبَر والدروس; لتبقى جذوة الشهادة متّقدة في الصدور، وسلاحاً فعّالاً للدفاع عن الإسلام.

رابعاً: ليكن ما يلقى في المجالس من خطب وشعارات منضبطاً بالحدود الشرعيّة، ومنسجماً مع ما ضحّى من أجلِهِ الإمام(عليه السلام).

خامساً: احرصوا على توفير الأمن للمجالس الحسينيّة، وتعاونوا في ذلك مع أبنائنا حماة الأمن من الجيش والشرطة، واشكروهم على تفانيهم في أدائهم لهذا الواجب المقدَّس.

سادساً: اجعلوا من الفعّاليّات التي تقومون بها سبيلاً لتأليف قلوب المؤمنين، وتوحيداً لكلمتهم، واحذروا كلَّ ما يؤدّي إلى الفرقة.

وأخيراً ندعوكم للاستفادة من صفاء النفوس من خلال البكاء على إمامنا، والتضرّع إلى الله والتوسّل إليه بأحبّ الخلق إليه محمّد وآل محمّد(صلى الله عليه وآله): أن يدفع هذه الغمّة عن اُمّتنا، ويدفع البلاء عن بلادنا، ويمنّ علينا بالأمن والإيمان، وأن يوفّقنا للسير على نهج إمامنا الحسين(عليه السلام)، وأن يعجّل فرج إمامنا المهديّ(عليه السلام)، إنّه سميع مجيب.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

6 / محرّم الحرام / 1427 هـ. ق

كـاظم الحسـيني الحـائري

_______________________

(1) راجع الوسائل، الباب 27 من حدّ القذف، الحديث: 5.