1

تزكية النفس من منظور الثقلين (7)
التّوبة والأنابة (1)

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربّ العالمين وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين

﴿بسم الله الرحمن الرحيم. وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا. وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاَهَا. وَالنَّهَارِ إِذَا جَلاَّهَا. وَالَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا. وَالسَّمَاء وَمَا بَنَاهَا. وَالاَْرْضِ وَمَا طَحَاهَا. وَنَفْس وَمَا سَوَّاهَا. فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا. قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا. وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾(1)

متى نبدأ؟ ومن أين نبدأ؟

هذان سؤالان نواجههما بادئ ذي بدء، ونحاول الإجابة عنهما:

متى نبدأ؟

هل نبدأ بتزكية النفس من بعد انتهاء الشباب، بدليل أنّ فترة الشباب هي فترة طغيان النفس وفوران الشهوات، وبعد هذه الفترة نكون أقدر على تهذيب النفس وتزكيتها؟

چون پير شدى حافظ از ميكده بيرون آى *** رندىّ و هوسناكى در عهد شباب اولى

والواقع على العكس من ذلك تماماً، فلو ضَمِنَ لنا أحد الوصول إلى فترة ما  بعد الشباب وعدم مباغتة الموت، قبلَ ذلك:


(1) السورة 91، الشمس، الآية:. إلى 10.
2

فأوّلاً ـ يكون التمادي في المعاصي والشهوات في حالة الشباب مانعاً عن التزكية لدى الشيب؛ لأنّ ذلك يوجب ظلمة القلب وانكسار قوة الضمير والوجدان، ولهذا ستكون التوبة لدى الشيب أصعب بكثير من ترك الذنوب لدى  الشباب.

وثانياً ـ إنّ الضعف الذي يستولي على الإنسان لدى الشيب يوجب صعوبة الصبر على مشقّة التزكية ومخالفة النفس.

وثالثاً ـ إنّ أكثر الشهوات تزداد لهيباً واشتعالاً لدى الشيب، فلو كانت شهوة الجنس تَخِفّ أو تخمد لدى الشيب ـ  وهي أمر فطريّ يمكن إشباعه لدى الشباب بالطُرُق المحلّلة عادة ـ فهناك شهوات اُخرى تشتعل وتَلْتَهِب أكثر فأكثر بتقدّم العمر، ويشيب ابن آدم وتشبّ فيه خصلتان: الحرص وطول الأمل، فعن رسول الله (صلى الله عليه و آله): « يهرم ابن آدم ويشبّ منه اثنان: الحرص على المال والحرص على العمر»(1).

وعنه (صلى الله عليه و آله): «يهلك ـ أو قال ـ يهرم ابن آدم ويبقى منه اثنتان الحرص والأمل»(2).

وعن طُرُق العامّة عن رسول الله (صلى الله عليه و آله): «حبّ الشيخ شابّ في طلب الدنيا وإن التفّت ترقوتاه من الكِبَر، إلّا الذين اتقوا، وقليل ماهم»(3).

وإفساد طول الأمل وكذلك اتِّباع الهوى على الإطلاق للنفس أكثر بكثير من مجرّد فوران شهوة الجنس في الشابّ. وقد ورد عن امير المؤمنين (عليه السلام) أنّه قال: «ألا إنّ أخوف ما أخاف عليكم خصلتان: اتِّباع الهوى وطول الأمل، أمّا اتِّباع الهوى فيصدّ عن الحقّ، وأمّا طول الأمل فيُنسي الآخرة»(4). وليس اتِّباع شهوة الجنس إلّا جزءاً يسيراً من اتِّباع الهوى.


(1) البحار 73/161.
(2) البحار 73/161.
(3) المحجّة البيضاء 8/249.
(4) البحار 73/163.
3

إذن فتجب المبادرة إلى تهذيب الروح وتزكية النفس من أوّل سني البلوغ وأوّل حالة الشباب. وقد ورد عن الصادق (عليه السلام) في تفسير قوله تعالى: « ﴿... أوَلَم نعمّركم ما يتذكّر فيه من تذكّر...﴾(1) أنّه توبيخ لابن ثماني عشر سنة»(2). ولئن استطاع أحد أن يربّي نفسه قبل سني البلوغ كي لا تزل به قدمه بعد البلوغ ويكون ملتزماً بتكاليفه من أوّل البلوغ، لكان ذلك خيراً.

وعلى أيّة حال، فمن لم يتوفّق للتزكية مبكّراً فالمفروض به أن يبادر إلى ذلك في أقرب وقت من أوقات عمره مهما فرض فوات الفرصة؛ لأنّه بقدر ما يؤخّر العمل بهذا الصدد ستزداد الصعوبات أمام نفسه أكثر فأكثر وتضيق الفرصة أكثر من ذي قبل. وقد ورد في الحديث عن الصادق (عليه السلام): انّه «مكتوب في التوراة نُحنا لكم فلم تبكوا، وشوّقناكم فلم تشتاقوا... أبناء الأربعين أُوفوا للحساب، أبناء الخمسين زرع قد دنا حصاده، أبناء الستين ماذا قدّمتم وماذا أخّرتم، أبناء السبعين عدّوا أنفسكم في الموتى...»(3) ولنعم ما قيل:

أعينيّ لم لا  تبكيان على  عمري *** تناثر عمري من يديّ ولا أدري
إذا كنت قد جاوزت خمسين حجةً *** ولم اتأهب  للمعاد  فما  عذري

ولنعم ما قيل:

ألا  يا  أيها  القـمر المضيء *** إلـى كم  تذهبنّ  وكم  تجيء
ذهبت وفي ذهابك قصر عمري *** رجعت وفي رجوعك لا يجيء

من أين نبدأ؟

كنت أتمنّى أن يكون بدء عملنا من ما فوق الصفر؛ لأنّه قد مضى من عمرنا عدد من السنين إن قليلاً أوكثيراً، فالمفروض أنّنا قد طوينا مساحة من الطريق، فليست بداية عملنا الآن من الصفر.


(1) السورة 35، فاطر، الآية: 37.
(2) تفسير البرهان 3/366.
(3) البحار 6/36.
4

ولئن تنازلنا عن ذلك فإنّني كنت أتمنّى أن يكون بدء عملنا من الصفر، ومن صفحة بيضاء خالية عن الذنوب وعن الكمالات العرفانيّة.

ولكن الذي يحرق القلب ويدمي الفؤاد ويُبكي العين أن بدء عملنا في الأعمّ الأغلب لابدّ أن يكون من تحت الصفر، أي: يجب علينا ان نبدأ بغَسل الصفحة السوداء في قلوبنا بماء التوبة؛ لأنّنا تنزّلنا وتدهورنا عن حدّ الاعتدال الفطري بسبب المعاصي والذنوب، فالآن يجب علينا ان نبدأ بإزالة ماهو ضدّ الكمال لا بصعود مدارج الكمال من ارض  معتدلة وقلب صاف، ولكنّ الذي يسلّينا عن هذه المصيبة أنّنا لسنا وحدنا هكذا نمشي في الطريق، بل يمشي أمامنا في طريق التوبة المعصومون، وأنا أفهم أنّ هذا الكلام الذي قلته ليس منطقيّاً؛ لأن توبتهم (عليهم السلام) تختلف سنخاً عن توبتنا. لأنّ ذنوبهم تختلف سنخاً عن ذنوبنا؛ وذلك بدليل العصمة، ولكن نبرّد أنفسنا بمجرد التشارك في الاسم، ونقول: يا ربّنا كيف لا تقبل توبتنا ونحن قافلة عظيمة أتيناك تائبين، وأمامنا في الطريق أنبياؤك المرسلون والأئمة المعصومون وأنت أكرم من أن تقبل توبة صدر القافلة وتوردهم مناهلك الرويّة ثُمّ تسدّ باب القبول على الذيول الوافدة التابعة لاؤلئك المقربين في سلوك الطريق.

فهذا نبيّ الله داود وهو معصوم عن الذنب بالمعنى الذي نفهمه من الذنب المألوف لدى غير المعصومين ولكن لهجته في التوبة عين لهجتنا حيث قال الله تعالى: ﴿... وظنّ داود أنما فتنّاه فاستغفر ربّه وخرّ راكعاً وأناب﴾(1) و وهذا زين العابدين وسيد الساجدين يقول ـ على ما ورد في مناجاة التائبين(2) ـ: «إلهي إن كان الندم على الذنب توبة فإنّي وعزّتك من النادمين، وإن كان الاستغفار من الخطيئة حِطّة فإنّي لك من المستغفرين، لك العتبى حتى ترضى...» ويقول ـ أيضاً ـ فيما رواه طاووس الفقيه(3) ـ: «وعزّتك وجلالك ما أردت بمعصيتك مخالفتك، وما عصيت إذ عصيتك وأنا بك شاكّ ولا بنكالك جاهل ولا لعقوبتك متعرّض، ولكن سوّلت لي نفسي وأعانني على ذلك سترك المرخى به عليّ، فالآن من عذابك من يستنقذني؟ وبحبل من أعتصم إن قطعت حبلك عنّي؟ فوا سوأتاه غداً من الوقوف بين يديك إذا قيل للمخفّين: جوزوا، وللمثقلين حطّوا، أمع المخفّين أجوز؟ أم مع المثقلين أحطّ...».


(1) السورة 38، ص، الآية: 24.
(2) المناجاة الأُولى من المناجيات الخمس عشرة المعروفة.
(3) البحار 46/81.
5

وهنا أُكرّر أن توبتهم عليهم آلاف التحية والثناء تختلف سنخاً وهويّة عن توبتنا؛ لأنّ ذنوبهم تختلف سنخاً وهويّة عن ذنوبنا.

وهنا اتبرّك بذكر كلام سيّد العارفين في زماننا الإمام الخميني (رحمه الله) حيث يعتذر عن شرح انحاء التوبة المختلفة في السِّنخ في كتابه (الأربعون حديثاً)(1)بقوله: «اعلم إنّ للتوبة حقائق ولطائف وأسراراً، ولكلّ واحد من أهل السلوك إلى الله توبة خاصّة تتناسب مع مقامه، وحيث أن لاحظّ ولا نصيب لنا في تلك المقامات فلا يناسب شرحها والإسهاب في هذا الكتاب».

أقول: وممّا يؤيّد ما أفاده (رضوان الله تعالى عليه) من تعدد أنحاء التوبة بتعدّد المقامات التي وصل إليها العبد ما ورد في مصباح الشريعة عن الصادق (عليه السلام): «التوبة حبل الله ومدد عنايته، ولابدّ للعبد من مداومة التوبة على كلّ حال. وكل فرقة من العباد لهم توبة، فتوبة الأنبياء من اضطراب السرّ، وتوبة الأصفياء من التنفّس، وتوبة الأولياء من تلوين الخطرات، وتوبة الخاصّ من الاشتغال بغير الله، وتوبة العامّ من الذنوب. ولكل واحد منهم معرفة وعلم في أصل توبته ومنتهى  أمره...»(2)بقوله:.

والآن حان لنا وقت الدخول في بحث التوبة.

قال الله تعالى: ﴿إنّما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب فأُولئك يتوب الله عليهم وكان الله عليماً حكيماً. وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إنّي تبت الآن ولا الذين يموتون وهم كفّار أُولئك اعتدنا لهم عذاباً أليماً﴾(3).

وقال عزّ من قائل: ﴿والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلّا الله ولم يصرّوا على ما فعلوا وهم يعلمون  * أُولئك جزاؤهم مغفرة من ربّهم وجنّات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيهاونعم أجر العاملين﴾(4).

وقال عزّ وجلّ: ﴿إلّا من تاب وآمن وعمل عملاً صالحاً فأُولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفوراً رحيماً﴾(5).


(1) في ذيل الحديث السابع عشر: ص283 بحسب أصل الكتاب الفارسي وص267، بحسب الترجمة العربية التي قام بها السيد محمّد الغروي حفظه الله.
(2) البحار. / 31.
(3) السورة 4، النساء، الآيتان: 17 ـ 18.
(4) السورة 3، آل عمران، الآيتان: 135 ـ 136.
(5) السورة 25، الفرقان، الآية: 70.
6

وقال عزّ اسمه: ﴿قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إنّ الله يغفر الذنوب جميعاً إنّه هو الغفور الرحيم. وأنيبوا الى ربّكم وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون. واتّبعوا أحسن ما أُنزل إليكم من ربّكم من قبل أن يأتيكم العذاب بغتة وأنتم لا تشعرون. أن تقول نفس يا حسرتى على ما فرّطت في جنب الله وإن كنت لمن الساخرين. أو تقول لو أن الله هداني لكنت من المتقين. أو تقول حين ترى العذاب لو أنّ لي كرّة فأكون من  المحسنين﴾(1).

إنّ آيات التوبة في القرآن كثيرة، وكان اختياري لهذه الآيات الأربع بالذات لبدء الحديث في التوبة لنكات خاصّة بها:

أما الآية الأُولى فالنكتة الخاصّة بها هي ما ورد فيها: من أنّ الله ـ تعالى ـ فرض على نفسه التوبة على العبد التائب حيث قال: ﴿انما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب...﴾ وكلمة (على) تعطي معنى الوجوب، فلاحظ رحمة الربّ ـ تعالى ـ الذي لا يجب عليه عقلاً قبول التوبة؛ لأنّ العبد العاصي بعد أن خالف نظام العبودية فهو لا محالة يستحق جزاء عمله، وليست التوبة ماحية لاستحقاقه، ولكنّك تقف إعظاماً وإكباراً للرحمة البارزة في هذه الآية الشريفة؛ إذ فرض الله ـ تعالى ـ قبول التوبة أمراً واجباً على نفسه، وكأنّ عبده المذنب له حقّ دلال على الربّ ـ تبارك وتعالى ـ يطالبه بما أوجبه على نفسه من المغفرة والرحمة والتوبة عليه.

ولعل السبب في هذا ـ بعد وضوح سعة رحمته التي ستظهر في يوم القيامة حتى يطمع إبليس فيها(2) ـ واضح، وهو: أنّ فرض العقاب على ذنوب العباد لم يكن بهدف التشفّي من العبد تعالى الله عن ذلك علوّاً كبيراً، بل كان بهدف جعله رادعاً للعبد عن الهلاك وسقوطه في وادي الضلال وفي رذائل النفس وقبائح الأعمال، ومحفّزاً له على تزكية نفسه وتنمية الفضائل في ذاته، وتكميله في سلّم المعنويات بقدر قابليته، هذا بالنسبة لغير الخبيث الذي وصل استحقاقه للعقاب (لولا أن يتوب) إلى حدّ لا يكون قابلاً للعفو عنه، أمّا بالنسبة لهذا فهناك ملاك آخر للعقاب زائداً على ما مضى لسنا الآن بصدد شرحه. فإذا تاب العبد وأناب إلى ربّه فقد طهّر نفسه، واستعاد حسن سريرته، وبدأ يرقى مرقى الكمال، فقد تحقّق الهدف الذي كان كامناً من وراء فرض العقاب، فالربّ تعالى يكون ـ  عندئذ ـ أعلى وأجل من أن يعاقبه، وهو تبارك وتعالى قد فرح ـ إن صحّ التعبير ـ بحصول الهدف المنشود، وهو: هداية العبد. فقد ورد في الحديث عن أبي عبيدة الحذّاء قال: «سمعت أبا جعفر (عليه السلام): ألا إنّ الله أفرح بتوبة عبده حين يتوب من رجل ضلّت راحلته في أرض قفر وعليها طعامه وشرابه، فبينما هو كذلك لا يدري ما يصنع ولا أين يتوجه حتى وضع رأسه لينام فأتاه آت فقال له: هل لك في راحلتك، قال: نعم، قال: هو ذه فاقبضها، فقام إليها فقبضها، فقال ابوجعفر (عليه السلام): والله أفرح بتوبة عبده حين يتوب من ذلك الرجل حين وجد راحلته»(3) ـ.


(1) السورة 39، الزمر، الآيات: 53 ـ 58.
(2) راجع البحار 7/287، الباب 14 من كتاب العدل والميعاد، الحديث 1.
(3) البحار 6/38 ـ 39.
7

وأمّا الآية الثانية وهي قوله: ﴿والذين اذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم...﴾ فالنكتة في اختياري لذكرها هنا هي: الحديث الوارد في ذيل تفسير هذه الآية عن الصادق (عليه السلام) (1) قال: «لما نزلت هذه الآية: ﴿والذين اذا فعلوا فاحشة...﴾ صعد إبليس جبلاً بمكّة يقال له: ثور، فصرخ بأعلى صوته بعفاريته، فاجتمعوا إليه، فقالوا: يا سيّدنا لِمَ دعوتنا؟ قال: نزلت هذه الآية فمن لها؟ فقام عفريت من الشياطين فقال: أنا لها بكذا وكذا، فقال: لست لها. فقام آخر فقال مثل ذلك، فقال: لست لها. فقال الوسواس الخناس: أنا لها، فقال: بماذا؟ قال: أعدهم وأُمنّيهم حتى يواقعوا الخطيئة، فاذا واقعوا الخطيئة أُنسيهم الاستغفار، فقال: أنت لها. فوكّله بها إلى يوم القيامة».

وأمّا الآية الثالثة وهي قوله تعالى: ﴿إلا من تاب وآمن وعمل عملاً صالحاً...﴾فكانت النكتة في اختياري لها لبدء الحديث بالتوبة ما في هذه الآية ممّا يقف العقل أمامه إعظاماً وإكباراً لرحمة الربّ؛ إذ لم يذكر فيها مجرّد عفو الله ـ  تعالى ـ عن ذنوب التائبين، بل ذكر تبديل سيائتهم حسنات، فأيّ رحمة هذه التي لا تقتصر على ترك العقاب، بل تبدّل السيئة حسنة، وتبدّل العقاب ثواباً؟! ولعلّ تفسير الآية يكون أنسب بالقول بتجسّم الأعمال، فبدلاً عن أن يُروا أعمالهم السيئة سيئات يُرونها حسنات. وقد ورد في الحديث عن الباقر (عليه السلام) قوله: «ويستر عليه من ذنوبه ما يكره أن يوقفه عليها قال: ويقول لسيّئاته كوني حسنات قال: وذلك قول الله تبارك وتعالى: ﴿... أولئك يبدّل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفوراً رحيماً﴾ »(2).

وقد يقول القائل: إذن فلنرتكب السيئات حتى نتوب بعد ذلك، وبهذا تزداد حسناتنا.

ولكن صاحب هذا الكلام غفل أوّلاً عن عدم ضمان لنفي مباغتة الموت قبل التوبة. وثانياً عن أنّ ترك الذنب أهون من التوبة، ولا يعلم أنّه سيتوفق إلى التوبة لو أذنب، فإنّ الندم الذي هو أوّل شرائط التوبة لا يتحقّق بسهولة، فضلاً عن باقي شرائطها التي تتلو النَدَم. وقد ورد عن الصادق (عليه السلام) عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنّه قال: «ترك الخطيئة أيسر من طلب التوبة. وكم من شهوة ساعة أورثت حزناً طويلاً، والموت فضح الدنيا، فلم يترك لذي لبّ فرحاً»(3). وثالثاً عن أنّ تبدّل السيئات حسنات لا يعني أنّ المذنب إذن صار أكثر ثواباً من غير المذنب؛ لانضمام سيئاته إلى حسناته؛ وذلك لأنّ الحسنات التي تعطى لتارك الذنوب بسبب تركه للذنوب أو بسبب رحمة الرب لا تقاس بالتي تعطى للتائب، ومن الباطل عقلاً أن يكون التائب من الذنب أفضل من المتحرّز من الذنب.


(1) راجع تفسير البرهان 1/316.
(2) البحار 7/260.
(3) أُصول الكافي 2/451.
8

وأمّا الآية الرابعة وهي قوله تعالى: ﴿... إنّ الله يغفر الذنوب جميعاً...﴾فالسبب لاختياري بدء الحديث بذكرها ما فيها من العموم الواضح الدال على غفران جميع الذنوب بلا استثناء، وبما فيها أشدّ الذنوب، وهو: الشرك، أمّا ما تراه من استثناء الشرك في قوله تعالى: ﴿ان الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء...﴾(1). فذلك ناظر إلى المغفرة من دون توبة، في حين أن قوله تعالى: ﴿ان الله يغفر الذنوب جميعاً...﴾ ناظر إلى المغفرة على أثر التوبة. والشاهد الداخلي على ذلك من نفس الآية قوله تعالى بعدها مباشرة: ﴿وأنيبوا إلى ربّكم وأسلموا من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون﴾.

أمّا الأمور التي نريد أن نبحثها في مسألة التوبة فهي:

الأوّل ـ ضرورة التوبة.

الثاني ـ مقدِّمة التوبة.

الثالث ـ أركان التوبة وشرائطها.

الرابع ـ التوبة النصوح.

الأمر الأول ـ ضرورة التوبة:

إنّ ضرورة التوبة تنبع من ضرورة الإيمان، وفلسفتها نفس فلسفة الإيمان والطاعة.


(1) السورة 4، النساء، الآية: 48.
9

فمَن يرى أنّ فلسفة الإيمان والطاعة عبارة عن الهروب من النار والطمع في الجنّة، فنفس الفلسفة هي التي تملي عليه التوبة؛ وذلك لأنّ الطريق الوحيد الذي أوجب الله ـ تعالى ـ على نفسه أن يغفر عن ذاك الطريق ولا يوجد فيه التخلّف، إنّما  هو: التوبة؛ إذ قال الله تعالى: ﴿انما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب فأولئك يتوب الله عليهم وكان الله عليماً حكيماً﴾(1) أمّا المغفرة بلا توبة فهي تتحقّق من الله ـ سبحانه وتعالى ـ بلا شك، ولكنّه لم يوجبها على نفسه، بل علّقها على مشيئته في قوله تعالى: ﴿... ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء...﴾(2) كما أنّ قبول شفاعة الشافعين علّقه على ارتضائه فقال: ﴿ولا يشفعون إلّا لمن ارتضى...﴾(3) وقال أيضاً: ﴿يومئذ لا تنفع الشفاعة إلّا من أذن له الرحمن ورضي له قولاً﴾(4) و وقال أيضاً: ﴿... ما من شفيع إلّا من بعد إذنه...﴾(5) وقال أيضاً: ﴿ولا تنفع الشفاعة عنده إلّا لمن أذن له...﴾(6) و وقال أيضاً: ﴿وكم من ملك في السماوات لا تُغني شفاعتهم شيئاً إلّا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى﴾(7) وقال أيضاً: ﴿... من ذا الذي يشفع عنده إلّا بإذنه...﴾(8) و إذن فالطريق الوحيد الذي وعد الله وعداً قطعياً بالمغفرة على أساسه إنّما هو التوبة.

وقد ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنّه قال: «لا شفيع أنجح من التوبة»(9).

ومن يرى أنّ فلسفة الإيمان والطاعة عبارة عن إكمال النفس وتهذيبها وتصفيتها فالأمر هنا أوضح ممّا سبق، ونفس الفلسفة تدعوه إلى التوبة؛ لأنّ التوبة ماء يُغسَل به درن القلب وغباره وَرَيْنه. وقد ورد في الحديث عن الباقر (عليه السلام): «ما من عبد إلّا وفي قلبه نكتة بيضاء، فإذا أذنب ذنباً خرج في النكتة نكتة سوداء، فإن تاب ذهب ذلك السواد، وإن تمادى في الذنوب زاد ذلك السواد حتى يغطّي البياض، فإذا غطّى البياض لم يرجع صاحبه إلى خير أبداً، وهو قول الله عزّ وجل: ﴿... بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون...﴾»(10).


(1) السورة 4، النساء، الآية: 17.
(2) السورة 4، النساء، الآية: 48.
(3) السورة 21، الأنبياء، الآية: 28.
(4) السورة 20، طه، الآية: 109.
(5) السورة 10، يونس، الآية: 3.
(6) السورة 34، سبأ، الآية: 23.
(7) السورة 53، النجم، الآية: 26.
(8) السورة 2، البقرة، الآية: 255.
(9) البحار 6/19.
(10) السورة 83، المطففين، الآية: 14، والحديث وارد في الوسائل 15/303، الباب 40 من جهاد النفس، الحديث 16 ونحوه الحديث 12، ص: 302.
10

ومن يرى أن فلسفة الإيمان والطاعة هي: أنّ الله أهل للطاعة، وبغضّ النظر عن جنّة أو نار فهو يطلب رضوان الله، ويتحرك بحبّه لله، فالأمر هنا أوضح ممّا سبق، ونفس الفلسفة تدعوه إلى التوبة؛ لأن الله ـ تعالى ـ يرضى بالتوبة ويفرح بتوبة عبده كما ورد بسند صحيح عن أبي عبيدة قال: «سمعت أباجعفر (عليه السلام) يقول: إنّ الله ـ  تعالى ـ أشدّ فرحاً بتوبة عبده من رجل أضلّ راحلته وزاده في ليلة ظلماء فوجدها، فالله أشدّ فرحاً بتوبة عبده من ذلك الرجل براحلته حين وجدها»(1).

وقد ورد في الحديث أنّه لما أكل آدم من الشجرة تطايرت الحلل عن جسده وبدت عورته فاستحيى التاج والإكليل(2). من وجهه أن يرتفعا عنه، فجاءه جبرئيل فأخذ التاج من رأسه، وحلّ الإكليل عن جبينه، ونودي من فوق العرش اهبطا من جواري، فإنّه لا يجاورني من عصاني، قال: فالتفت آدم إلى حوّاء باكياً وقال: هذا أوّل شؤم المعصية أُخرجنا من جوار الحبيب(3).

إنّ هذا لهو مقام عظيم أن يكون بكاؤه على الخروج من جوار الحبيب قبل أن يكون على فراقه الجنّة. وهذه هي الفلسفة الثالثة التي أشرنا إليها للتوبة والندم.

وإن شئت مقاماً أعظم من هذا المقام في التوبة فلعلّه هو المستفاد من قوله تعالى: ﴿إن الذين اتقوا إذا مسّهم طائف من الشيطان تذكّروا فإذا هم مبصرون﴾(4). فكأنّ الآية المباركة تشير إلى أنّ توبة المتّقين ليست من صدور الذنب منهم، بل من الهمّ بالذنب، فإنّ الشيطان الذي يطوف حول قلب المؤمن يمسّ قلبه كي ينفذ فيه ويورّطه في المعصية، فيهمّ العبد بالمعصية، ولكن قبل تماميّة النفوذ والتورط في المعصية يتذكّر المتّقي وإذا هو مبصر يرتدع عنها. وقد وردت روايات عديدة بمضمون تفسير الآية بأنّ العبد يهمّ بالذنب ثُمّ يذكر الله فيحول الذكر بينه وبين تلك المعصية(5).

والمقام الأكبر في التوبة من هذا المقام هو: توبة المعصومين التي ليست توبة من الذنب ولا من الهمّ بالذنب، بل من سيّئات المقرّبين التي هي من حسنات الأبرار.


(1) البحار 6/40.
(2) فسّر في المنجد الإكليل بشبه عصابة تزيّن بالجوهر.
(3) المحجة البيضاء. / 94 نقلاً عن الإحياء للغزالي.
(4) السورة 7، الاعراف، الآية: 201.
(5) راجع تفسير البرهان ۲/٥٦.