1

تصوّرات عامّة عن الملك

بسم الله الرحمن الرحيم

يقع الكلام أوّلا عن مفهوم الملك، وثانياً عن المصادر الأوّليّة للملك، وثالثاً عن مصاديق للملك يكتنفها شيء من الغموض، وهي ملك الأعمال وملك الذمم وملك المنافع، ورابعاً عن مصاديق للمالك يكتنفها شيء من الغموض كمالكيّة بعض الأعيان الخارجيّة كالمسجد، أو مالكيّة الجهة أو الشخصيّات الحكميّة في مقابل الشخصيّات الطبيعيّة، أو قل: الشخصيّات الحقوقية في مقابل الشخصيّات الحقيقيّة.

مفهوم الملك

أمـّا البحث عن مفهوم الملك فلا إشكال ـ على الإجمال ـ في أنّ الملك نوع علاقة بين المالك والمملوك، إلّا أنّه قد جاء في كلمات بعض فقهائنا العظام البحث عن أنّ الملك هل هو من الأعراض المقوليّة العارضة على المالك أو المملوك؟ أو من الامور الانتزاعيّة التي تنتزع من الحكم التكليفي، أو هو أمر اعتباريّ مجعول بجعل الجاعل في عرض سائر الاُمور الاعتباريّة؟.

بيان المحقّق الإصفهاني (رحمه الله):

وقد أورد المحقّق الإصفهانيّ (رحمه الله) (1) براهين ثلاثة لنفي كون الملك من الأعراض المقوليّة العارضة على المالك أو المملوك:

الأوّل ـ أنّ المقولة لا بدّ أن يكون لها مطابق وصورة في الأعيان كالسواد والبياض، أو أن يكون من الحيثيّات والشؤون الوجوديّة لما له مطابق وصورة في الأعيان، كمقولة الإضافة التي تكون فعليّتها بإضافتها وبلحاظها بالقياس إلى الغير، ولا يعقل أن يكون لها وجود استقلاليّ، ونحن نرى وجداناً أنّه بعد وجود العقد مثلا لم يوجد ماله مطابق في الخارج في المالك ولا في المملوك، ولم يتحيّث ذات المالك ولا المملوك بحيثيّة وجوديّة، بل حالهما حال ما قبل العقد.


(1) راجع تعليقته على المكاسب 1:. ( فائدة في تحقيق حقيقة الحقّ ).
2

الثاني ـ أنّ المقولات لمكان واقعيّتها لا تختلف باختلاف الأنظار، ولا تتفاوت بتفاوت الاعتبارات، فالسقف الملحوظ إلى ما دونه فوق في جميع الأنظار، وبالإضافة إلى السماء تحت بجميع الاعتبارات، بينما الملك يختلف حاله باختلاف الأنظار، فمثلا: المعاطاة قد تفيد الملك في نظر العرف ولا تفيده في نظر الشرع.

الثالث ـ أنّ العَرَض كونه في نفسه عبارة عن كونه في محلّه فيحتاج إلى محلّ محقّق في الواقع، فإن فرض المحلّ الذي يعرض عليه الملك عبارة عن المملوك انتقض بتعلّق الملكيّة أحياناً بالكليّ في الذمّة، وإن فرض عبارة عن المالك انتقض بتعلّق الملكيّة أحياناً بالجهة من دون وجود مالك خارجي، ككون الزكاة ملكاً لطبيعيّ الفقير.

ثمّ أورد (رحمه الله) برهانين على عدم كون الملك أمراً انتزاعيّاً منتزعاً من الحكم التكليفيّ:

الأوّل ـ أنّ قيام الحيثيّة الانتزاعيّة بمنشئها يصحّح صدق العنوان المأخوذ منها على منشئها، فقيام الحيثيّة الخاصّة بالسقف الذي هو منشأ انتزاع الفوقيّة يصحّح صدق عنوان الفوق عليه، بينما في المقام لا يصدق العنوان المأخوذ من الملك ـ وهما المالك والمملوك ـ على الحكم التكليفي الذي فرض منشأً لانتزاع الملكيّة.

والثاني ـ أنّ الملكيّة قد تكون من دون ثبوت للحكم التكليفي الذي يفترض منشأ لانتزاعها ـ وهو جواز التصرف ـ كما في المحجور لصغر أو جنون أو سفه أو فلس.

وقد افترض (رحمه الله) إلى جانب افتراض انتزاع الملكيّة من الحكم التكليفي افتراضين آخرين:

3

أحدهما ـ افتراض انتزاعها من العقد. وأورد عليه بالإيراد الأوّل من الإيرادين اللذين ذكرهما على فرض الانتزاع من الحكم التكليفيّ، وهو عدم صدق عنوان المالك أو المملوك على العقد، كما لا يصدقان على الحكم التكليفي، وبالإيراد الثاني من الإيرادات الثلاثة التي ذكرها على فرض عروض الملكيّة على المالك أو المملوك، وهو أنّه لو كانت الملكيّة منتزعة من العقد لما اختلفت الأنظار في تحقّقها وعدم تحقّقها متى ما تحقّقوا من ثبوت العقد، مضافاً إلى إيراد ثالث، وهو أنّ من المحسوس بالوجدان أنّ العقد بما هو عقد وقبل التشريع لم يكن منشأً لانتزاع الملكيّة.

وثانيهما ـ افتراض انتزاعها من القدرة التكوينيّة على أنواع التصرّفات الشرعيّة من بيع ونقل وتقليب ونحو ذلك، فمنشأ انتزاع الملكيّة ليس هو ذات جواز التصرّف كما في الفرض الأوّل، وإنّما هو القدرة الخارجيّة على التصرّف الجائز.

وأورد عليه بأنّ القدرة إنّما تتعلّق بالفعل بينما الملكيّة لها مساس بعين الرقبة ابتداءاً، فلا يعقل أن تكون القدرة على فعل التصرّف المشروع منشأً لانتزاع ملكيّة رقبة العين. ولعلّ هذا الكلام مرجعه إلى الإيراد الأوّل من الإيرادين اللذين أوردهما على فرض انتزاع الملكيّة من الحكم التكليفيّ، أي أنّ عنوان المملوك إنّما يصدق على رقبة العين ولا يصدق على القدرة على التصرّف المشروع، مضافاً إلى أنّ الإيراد الثاني من الإيرادين اللذين ذكرهما على فرض الانتزاع من الحكم التكليفيّ ـ لو تمّ ـ يرد هنا أيضاً، إذ قد تثبت الملكيّة مع عدم القدرة التكوينيّة على التصرّف، أو مع عدم مشروعيّة التصرّف المقدور.

4

بيان السيّد الخوئي (رحمه الله):

وذهب السيّد الخوئي (رحمه الله) أيضاً إلى أنّ الملكيّة عبارة عن سلطنة اعتباريّة ثبتت باعتبار المعتبر وجعله، وليست منتزعة من الأحكام التكليفيّة، ولا عرضاً قام حقيقة بالمالك أو المملوك. واستدلّ(1) على نفي الانتزاع من الحكم التكليفيّ بالوجه الثاني من وجهي المحقّق الإصفهاني (رحمه الله) من أنّ الملكيّة قد تكون مع انتفاء الحكم التكليفيّ كما في موارد الحجر أو كون المالك كلّيّاً أو جهةً، كما أنّه قد ينعكس الأمر بأن يثبت جواز التصرّف من دون أن تثبت الملكيّة.

واستدل(2) على نفي العروض الحقيقيّ على المالك أو المملوك بالبرهان الثالث من براهين المحقّق الإصفهانيّ (رحمه الله) على ذلك من الانتقاض بفرض ما إذا كان المالك كلّيّاً أو المملوك ذمّيّاً، ولم يقبل البرهانين الأوّلين من براهينه.

أمـّا البرهان الأوّل: وهو شهادة الوجدان بعدم تغيّر عرض من أعراض المالك أو المملوك بعد البيع والشراء مثلا، فقد أجاب عليه بأنّ الذي حصل بالبيع والشراء هو الملكيّة. وعدم كونها عرضاً من أعراض المالك أو المملوك هو المبحوث عنه هنا، فلا يعدو هذا البرهان أن يكون مصادرة على المطلوب.

وأمـّا البرهان الثاني: وهو أنّ الملكيّة لو كانت من أعراض المالك أو المملوك لما اختلفت باختلاف الأنظار، فقد أورد عليه: بأنّ اختلاف الأنظار في الاُمور الحقيقيّة غير عزيز، فليس كلّ أمر واقعي من الجوهر أو العرض غير قابل للاختلاف فيه.


(1) راجع محاضرات في الفقه الجعفريّ. قسم المعاملات. 2: 19 و 20.
(2) راجع محاضرات في الفقه الجعفريّ. قسم المعاملات. 2: 19 و 20.
5

بيان السيّد الشهيد (رحمه الله):

وذكر اُستاذنا الشهيد (رحمه الله): أنّ هذا الإشكال غير وارد على المحقّق الإصفهاني (قدس سره)، ولا يظنّ بالمحقّق الإصفهانيّ أن يتخيّل أنّه لا يقع الخلاف في الاُمور الواقعيّة، وما أسعد ذاك العالَم الذي يفترض عدم وقوع الخلاف فيه بين تمام العقلاء في تمام الواقعيّات. وإنّما مقصود المحقّق الإصفهانيّ (رحمه الله) هو الاستدلال بوقوع الاختلاف الإنشائيّ في الملكيّة لا الاختلاف الإخباريّ فيها، فكلّ مجتمع ينشئها بنحو خاص، وقد تنشأ ملكيّة في مجتمع ولا تنشأ في مجتمع آخر، ويعترف المجتمع الثاني بتحقّق الملكيّة بحسب قوانين المجتمع الأوّل، ويعترف المجتمع الأوّل بعدم تحقّق الملكيّة بحسب قوانين المجتمع الثاني، فلا تكاذب بينهما.

وقال (رحمه الله): الصحيح أنّه ـ رغم ما ذكرناه ـ لا يتمّ برهان المحقّق الإصفهانيّ (قدس سره)، ولا ينبغي أن يذكر ما ذكره إلّا كمنبّه للوجدان الحاكم باعتباريّة الملكيّة لا كبرهان على المطلوب، فإنّ الاعتراف بالاختلاف الإنشائي فرع الاعتراف بإنشائيّة المطلب واعتباريّته، ومع الاعتراف بذلك قد ثبت المطلوب، ولا حاجة للاستدلال عليه بهذا الاختلاف.

ولم يرتضِ اُستاذنا الشهيد (رحمه الله) أيضاً البرهانين الآخرين من براهين المحقّق الإصفهاني (قدس سره) على نفي كون الملكيّة من عوارض المالك أو المملوك كإثبات لاعتباريّة الملكيّة.

وقد كان أحدهما عبارة عن أنّ الملكيّة لو كانت عرضاً حقيقيّاً لاحتاجت إلى محلّ موجود خارجاً. فإن فرض محلّه المملوك انتقض بتعلّق الملكيّة أحياناً بما في الذّمّة، وإن فرض محلّه المالك انتقض بتعلّق الملكيّة أحياناً بالجهة من دون وجود مالك خارجيّ، ككون الزكاة ملكاً للفقير بلا حاجة إلى فرض وجود فقير في الخارج بالفعل. وهذا البرهان هو الذي ارتضاه السيّد الخوئي (رحمه الله) أيضاً.

6

وأورد عليه اُستاذنا الشهيد (رحمه الله):

أوّلا ـ بأنّ الصفات الحقيقيّة ليس من اللازم أن تطرأ حتماً على محلٍّ خارجي، فامتناع شريك الباري أمر حقيقي وليس ثابتاً في ما هو في الخارج، وإمكان الإنسان أمر حقيقي ولو فرض عدم إنسان في الخارج أصلا، فلئن لم تكن الملكيّة عرضاً مقوليّاً من مقولات أرسطو المفروض انصبابها على الخارج فلتكن صفة حقيقيّة من سنخ صفة الامتناع والإمكان. قال (رحمه الله): قد حققنا في علم الاُصول أنّ لوح الواقع أوسع من العالم الخارجي الذي انصبّت عليه مقولات أرسطو.

وثانياً ـ أنّه بإمكانهم ـ على مبانيهم ـ أن يفترضوا أنّ الملكيّة من الاُمور الحقيقيّة الخارجيّة ومن المقولات عندما تعرض على الأمر الخارجي وإن لم تكن كذلك عندما لا تعرض على الأمر الخارجي. وهذا شيء يجوّزونه، فيقولون مثلا أنّ عنوان التقدّم ـ بالرغم من أنّه مفهوم واحد ـ قد يكون من المقولات ومن الاُمور الحقيقيّة الخارجيّة، وقد لا يكون كذلك، فتقدّم إمام الجماعة على المأموم مثلا يكون من الاُمور الحقيقيّة العارضة على ما في الخارج، وتقدّم الجنس على النوع المنحلّ عقلا إلى الجنس والفصل من باب تقدّم الجزء على الكلّ ليس تقدّماً عارضاً على الأمر الخارجي، وإنّما مصبّه عالم التحليل العقليّ، فليس مقولة، فلتكن الملكيّة من هذا القبيل.

وقد كان البرهان الآخر عبارة عمّا نحسّه بالوجدان من أنّه بعد تماميّة البيع والشراء مثلا لا يعرض أيّ شيء وجوديّ على المالك أو المملوك، والاُمور الخارجيّة كلّها ثابتة على حالها.

وأورد عليه اُستاذنا الشهيد (رحمه الله) بأنّ هذا الكلام إنّما يتمّ لو فرض أنّ النافذة التي يطلّ منها الإنسان على العالم الخارجي يُرى بها كلّ ما في العالم الخارجي، بينما الواقع أنّ الذي يُرى بها من ذلك إنّما هو أقلّ القليل من العالم الخارجي، فلو قال قائل: لعلّه حصل تغيير في الخارج لا نراه من تلك النافذة لا يمكن دفع كلامه بهذا الوجه.

7

وبالإمكان أن يصاغ من جواب اُستاذنا الشهيد (رحمه الله) على هذا البرهان وما مضى من جواب السيّد الخوئي عليه جواب واحد مؤتلف منهما بأن يقال: لو كان المقصود في مقام البرهنة على عدم كون الملك عرضاً مقوليّاً يعرض على المالك أو المملوك مجرّد دعوى عدم تحقّق حيثيّة وجوديّة جديدة للمالك أو المملوك بعد البيع والشراء ورد ما قاله السيّد الخوئي من أنّ هذه مصادرة على المطلوب، لأنّ الشيء الجديد الذي حصل هو الملكيّة، وعدم كونها تساوق حيثيّة وجوديّة وعرضاً تعلّق بالمالك أو المملوك أوّل الكلام. ولو كان المقصود الاستدلال بأنـّه لو كانت الملكيّة تساوق حيثيّة وجوديّة للمالك أو المملوك لكنّا نحسّ بذلك ببعض حواسّنا، ولم نحسّ بشيء من هذا القبيل، ورد ما قاله اُستاذنا الشهيد (رحمه الله) من أنّ النافذة التي نطلّ بها على العالم الخارجي لا تُرينا إلّا أقلّ القليل من العالم الخارجي.

وأمـّا البرهانان اللذان ذكرهما المحقّق الإصفهاني (رحمه الله) لإثبات عدم كون الملكيّة منتزعة من الحكم التكليفيّ فأيضاً لم يرتضهما اُستاذنا الشهيد (رحمه الله).

وقد كان أحد البرهانين عبارة عن أنّ الملكيّة لو كانت منتزعة من جواز التصرّف فكيف تنفكّ عنه وتثبت بدونه؟ كما في الصبيّ الذي يملك المال ولكنّه محجور عن التصرّف، وتكون تصرّفاته بيد الولي. وهذا الوجه هو الذي ذكره السيّد الخوئي أيضاً.

قال اُستاذنا الشهيد (رحمه الله): إنّ هذا باطل من وجوه، نذكر منها: أنّه يمكن أن يفترض انتزاع الملكيّة من جواز التصرّف المشروط بالبلوغ، فإنّ هذا الحكم ثابت في حقّ الصغير في زمان صغره، حيث إنّ الجعل يثبت من أوّل الأمر، وإنّما الذي يتأخّر إلى زمان تحقّق الشرط هو المجعول، بل قد أنكرنا في علم الاُصول وجود مجعول مستقلّ وراء الجعل يتحقّق متأخّراً عن تحقّق الجعل، فيمكن أن يقال: إنّ الملكيّة تنتزع من هذا الجعل المشروط لكلّ من هو موضوع له، ولا شكّ أنّ هذا الصغير موضوع له، ويمكن أن يفرض: أنّ هذه الملكيّة منتزعة عن جواز تصرّف الوليّ، حيث إنـّه تصرّف من قبل الصبي، ولا يضرّ عدم قيام الحكم التكليفيّ بالصبيّ الذي انتزعت له الملكيّة، بل الحكم التكليفيّ ليس قائماً بالمالك في البالغ أيضاً، فإنّ الحكم قائم بالحاكم لا بالمحكوم عليه.

8

والمحقّق الإصفهاني (رحمه الله) كأنـّه تفطّن إلى هذين الجوابين اللذين نقلناهما عن اُستاذنا الشهيد أو إلى ما يقرب منهما، فأجاب عليهما بعد تمثيله لمورد الانفكاك بالمحجور لصغر أو جنون أو سفه أو فلس بما نصّه:

« وكونه في حدّ ذاته كذلك ـ وإن منع عنه مانع ـ معناه ثبوت الملكيّة بالاقتضاء لا بالفعل مع أنّ الملكيّة فعليّة وثبوت الأمر الانتزاعي بلا منشأ الانتزاع محال، وجواز التصرّف للوليّ لا يصحّح انتزاع الملكيّة للمولّى عليه. إذ لا يعقل قيام الحيثيّة المصحّحة للانتزاع بشيء والانتزاع من شيء آخر ».

فكأنّ اُستاذنا الشهيد (رحمه الله) يريد أن يوضّح أنّ هذا الكلام غير صحيح. أمـّا صدره وهو. أنّ كونه في حدّ ذاته جائز التصرّف وإن منع عنه مانع معناه ثبوت الملكيّة بالاقتضاء لا بالفعل )، فجوابه: أنّ جواز التصرّف المشروط بما هو جواز مشروط فعليّ وإن كان نفس الجواز اقتضائيّاً، فقد يدّعى انتزاع الملكيّة من جواز التصرّف المشروط.

وأمـّا ذيله وهو. أنّ جواز تصرّف الوليّ لا يصحّح انتزاع الملكيّة للمولّى عليه. إذ لا يعقل قيام الحيثيّة المصحّحة للانتزاع بشيء والانتزاع من شيء آخر. فجوابه: أنّ جواز التصرّف للوليّ له علاقة بالصبيّ، وهو أنّ الجواز جواز للتصرّف الراجع إلى الصبيّ. أمـّا إذا لم يكفِ ذلك لصحّة الانتزاع، وتوقّف الانتزاع على قيام ذات الحكم وهو جواز التصرّف بالمالك، فحتى في البالغين ليس الحكم قائماً بالبالغ، بل قائم بالحاكم.

وقد كان البرهان الآخر عبارة عن أنّ الملكيّة لو كانت منتزعة من الحكم التكليفي، وكانت الحيثيّة المصحّحة للانتزاع ثابتة فيه. لصدق العنوان الاشتقاقي على الحكم التكليفيّ، كصدق. فوق. على. السقف )، و. الأب. على. من له الابن..

9

قال اُستاذنا الشهيد (رحمه الله): يرد على هذا وجوه، نذكر منها:

أوّلا ـ أنّه يمكن أن يقال: إنّ الحيثيّة المصحّحة للانتزاع هي الاختصاص بجواز التصّرف، لا نفس جواز التصرّف، وهذه الحيثيّة موجودة في صاحب المال، ويصدق عليه العنوان الانتزاعيّ وهو المالك.

وثانياً ـ أنّ جواز التصرّف لعلّه سبب لانتزاع الملكيّة لا منشأ له، فالسقف مثلا منشأ لانتزاع الفوقيّة، ويصدق عليه عنوان. فوق )، ولكنّ الأرض التي تحته سبب لانتزاع الفوقيّة، ولا يصدق عليه عنوان. فوق ).

أقول: كأنّ هذين الجوابين بمجموعهما مطلب واحد، حاصله افتراض أنّ جواز التصرّف سبب لانتزاع الملكيّة، ولا يشترط صدق العنوان الاشتقاقيّ عليه. أمـّا منشأ الانتزاع فهو الإنسان الذي يصدق عليه العنوان الاشتقاقيّ، وهو المالك، وهو إذا كان بحاجة إلى وجود حيثيّة فيه مصحّحة للانتزاع. قلنا: إنّ تلك الحيثيّة عبارة عن اختصاصه بجواز التصرّف.

والواقع أنّ هذا غير وارد على المحقّق الإصفهانيّ (رحمه الله) لأنّ هذا مرجعه إلى افتراض وجود منشأ الانتزاع في المالك، والمحقّق الإصفهاني حينما أنكر سلفاً كون الملكيّة عرضاً مقولياً يعرض على المالك أو المملوك تمسّكاً ببراهين ثلاثة لم يقصد بذلك نفي كونه عرضاً متأصّلا فحسب ـ كما لعلّه الذي فهمه اُستاذنا منه ـ،بل قصد بذلك نفي كونه عرضاً مقوليّاً متأصّلا أو منتزعاً من المالك أو المملوك.

والنكتة الإضافيّة الآن عبارة عن افتراض أنّ الحكم التكليفيّ سبب لهذا الانتزاع، وهذا وإن كان يدفع البرهان الثاني من البراهين الثلاثة وهو اختلاف الملك باختلاف الأنظار ـ حيث يصحّ أن يقال: إنّ اختلاف الأنظار في الحكم التكليفيّ المجعول لهم أوجب اختلاف الأنظار في الملك ـ، ولكنّه لا يدفع البرهان الأوّل والثالث.

وثالثاً ـ أنّ من يقول بكون الملكيّة منتزعة من جواز التصرّف لا يقصد بذلك الانتزاع الفلسفيّ، وهو انتزاع مفهوم كامن في شيء من ذلك الشيء، وإنّما المقصود به كونها مجعولة ومعتبرة في طول جعل الحكم التكليفي وبلحاظه.

10

أقول: إنّ هذا الإشكال الأخير لو قصد به تفسير انتزاعيّة الملك، بمعنى جعله بجعل مستقلّ ولكن في طول جعل آخر وهو جعل الحكم التكليفيّ وبلحاظه، فلو تمّ هذا الإشكال يرد على البرهان الأوّل أيضاً من برهانَي عدم انتزاع الملك من الحكم التكليفيّ، وهو الانفكاك أحياناً عن الحكم التكليفيّ، وذلك لأنّه لو فرض أنّ المقصود بالانتزاع عن الحكم التكليفيّ كونه مجعولا ومعتبراً في طوله وبلحاظه فليس من الضروريّ عدم الانفكاك المطلق؛ إذ قد يجعل عنوان اعتباريّ بلحاظ ما يغلب وجوده من الحكم التكليفيّ وإن لم يكن دائم الوجود. ولكن من المستبعد جدّاً أن يكون مقصود من يقول بانتزاعيّة الملك هذا المعنى. إذ لا يتحصّل معنىً فنّي للبحث والخلاف حول الملكيّة المجعولة بجعل مستقلّ في أنّها هل جعلت بلحاظ الحكم التكليفيّ أو جعلت بقطع النظر عنه؟

أمـّا لو كان المقصود بهذا الإشكال الأخير تفسير انتزاعيّة الملك بمعنى كونه مجعولا جعلا تبعيّاً ويكون الجعل الأصلي والمستقلّ عبارة عن جعل الحكم التكليفيّ، فهذا لا يخالف أصل الانتزاع الفلسفيّ، غاية ما هناك أن يقال: ليس بالضرورة كون الجعل الأصليّ هو منشأ الانتزاع، ويكفي في التبعيّة كونه سبباً للانتزاع، وكون منشأ الانتزاع هو المالك مثلا، وهذا رجوع إلى الوجهين السابقين.

وعلى أيّ حال فقد اختار اُستاذنا الشهيد (قدس سره) كون الملكيّة من الاُمور الاعتباريّة والمجعولة، لا لبرهان على ذلك، بل لوضوح >ذلك بالوجدان. وقال (رحمه الله): إنّ البحث عن كون الملكيّة أمراً اعتباريّاً أو حقيقيّاً إنّما هو بحث على مستوى تاريخ مضى؛ إذ من يلتفت إلى الملكيّات الخارجيّة والتطوّرات الطارئة عليها في الزمان الطويل ونفيها تارةً وإثباتها اُخرى يجد بوجدانه كونها اعتباريّة لا حقيقيّة، وهذا من الواضحات في زماننا، ومن لا ينبّه وجدانه الالتفات إلى ذلك لا تفيده البراهين الفلسفيّة غير التامّة التي أقامها المحقّق الإصفهاني (رحمه الله).

أقول: إنّ هذا الكلام ينفي كون الملكيّة من الأعراض المتأصّلة، وكذلك ينفي كونها منتزعة لا في طول الحكم التكليفيّ.

11

أمـّا احتمال كونها منتزعة من الحكم التكليفيّ بمعنى كون الحكم التكليفيّ منشأً لانتزاعه، أو سبباً لانتزاعه، فهذا البيان ـ كما ترى ـ لا يكفي لنفيه. وقد ورد في الحلقة الثالثة من. دروس في علم الاُصول )(1) لاُستاذنا الشهيد (رحمه الله) بيان لنفي ذلك، وهو أنّ الملكيّة تقع عقلائيّاً وشرعاً موضوعاً للحكم التكليفيّ، فلا يعقل انتزاعها منه وتأخّرها عنه.

ثلاثة تعابير عن الملك:

وفي نهاية بحثنا عن مفهوم الملك نقول: قد اتّضح أنّ الملك الذي هو نوع علاقة بين المالك والمملوك باستطاعتك أن تعبّر عنه بنوع إضافة اعتباريّة بين المالك والمملوك، أو بسلطنة اعتباريّة، أو جدة اعتباريّة.

وقد جاءت كلّ التعابير الثلاثة ـ أعني الإضافة والسلطنة والجدة ـ على لسان مقرّر بحث المرحوم المحقّق النائينيّ (رحمه الله) في منية الطالب(2).

وقد تفترض هذه التعبيرات الثلاثة تعريفات ثلاثة للملكيّة(3)، ويكون التباين بين هذه التعريفات واضحاً بناءً على حملها على معانيها المقوليّة، مع تسليم ما يفترض فلسفيّاً من التباين بين معنى السلطنة، وهي القدرة على تقليب العين وتقلّبها، وأنّها من مقولة الكيف ومعنى الإضافة، وهي النسبة المتكرّرة ومعنى الجدة، وهي الهيئة الحاصلة للجسم بسبب إحاطة جسم بكلّه أو ببعضه ـ على ما يدّعون(4) ـ. فإن كان الملك عبارة عن واقع إحدى هذه المقولات فهذه تعريفات ثلاثة متباينة، وإن كان عبارة عن اعتبار مقولة من هذه المقولات فهي أيضاً تعريفات ثلاثة متباينة.

ولكن الظاهر ـ بعد فرض عدم كون الملك أمراً واقعيّاً بقطع النظر عن الحكم التكليفيّ، ولا نفس الحكم التكليفيّ، ولا منتزعاً عن الحكم التكليفيّ، وكونه أمراً اعتباريّاً يجعل موضوعاً للحكم التكليفيّ ـ أنّ المعتبر كأنـّه استنسخ نسخة من ملكيّة الإنسان لجوارحه وأعماله بمعنى قدرته وسلطنته عليها(5) التي هي موضوع لحكم العقل العمليّ بأولويّته للتصرّف فيها، وصحّ التعبير عن ذلك بنوع إضافة بين المالك والمملوك بالمعنى الذي يصحّ أن يقال عن سلطنة الإنسان على جوارحه وأعماله: أنّها نوع إضافة بينه وبينها، وصحّ التعبير أيضاً عن ذلك بالجدة بمعنى واجديّته لأمواله، كما يصحّ التعبير بواجديّة الإنسان لجوارحه وأعماله، لا بمعنى الجدة الفلسفيّة، ولذا اجتمعت كلّ التعابير الثلاثة على لسان شخص واحد ـ كما عرفت ـ.


(1) 1: 18.
(2) 1: 25.
(3) راجع حاشية المحقّق الإصفهاني على المكاسب 1: 5، فائدة في تحقيق حقيقة الحقّ.
(4) ذكر اُستاذنا الشهيد (رحمه الله): أنـّنا لم ندرك لمقولة الجدة معنىً متحصّلا، وكأنّ الفلاسفة بأنفسهم أيضاً لم يدركوا لها معنىً متحصّلا بشهادة الشيخ الرئيس ابن سينا، حيث قال: إنـّه لم نعرف معنىً متحصّلا للجدة، وقد قالوا: إنّ الجدة عبارة عن هيئة حاصلة من إحاطة شيء بشيء آخر، وإنّما قالوا هكذا ولم يقولوا: إنـّها عبارة عن النسبة بين المحيط والمحاط لئلاّ يدخل ذلك في مقولة الإضافة، وذلك من قبيل ما قالوا في. متى. من أنـّه هيئة حاصلة من نسبة الشيء إلى الزمان، لا نفس النسبة بينهما، وفي. أين. من أنـّه هيئة حاصلة من نسبة الشي إلى المكان، لا نفس النسبة بينهما. والصحيح: أنـّه ليس هنا أيّ برهان عقليّ على كون هذه الهيئة شيئاً حقيقيّاً خارجيّاً، بل يحتمل عقلا في عرض احتمال ذلك كونها شيئاً ذهنيّاً، بمعنى أنّ الذهن حينما يكسب صورة ذهنيّة عن مجموع المحيط والمحاط تتقولب صورته الذهنيّة بالهيئة الخاصّة. وأكبر الظنّ أنّ أرسطو عند وضعه للمقولات التسع إنّما راجع قاموس اللغة فوضعها، ولذا لم يظهر حتى الآن أيّ مدرك لوضعه لها، حتى أنّ من يحسن الظنّ بالفلسفة يقول: إنـّه وَجَد هذه المقولات بالاستقراء في عالم التكوين، ورأى انحصار المقولات فيما عدّه من المقولات التسع، لكنّ المظنون أنـّه لم يصدّع نفسه بمطالعة عالم التكوين واستقرائه، وإنّما طالع اللغة، وحيث إنـّه رأى فيها عنوان التعمّم والتقمّص ونحو ذلك وضع هذه المقولة، وهي مقولة الجدة. انتهى كلام اُستاذنا الشهيد (رحمه الله).
(5) راجع كتاب. در آمدى بر اقتصاد اسلامى. 1: 90 و 91.
12

واختار المحقّق الإصفهاني (رحمه الله) أنّ الملك يكون من اعتبار مقولة الإضافة، لأنّه عبارة عن اعتبار إحاطة المالك بالمملوك، والإحاطة عنوان إضافيّ. وذكر: أنّ الملك ليس من اعتبار الجدة، لأنّ إحاطة جسم بجسم ليست جدة، ولا محاطيّة جسم بجسم هي الجدة، وإنّما الجدة هي الهيئة الحاصلة للجسم بسبب إحاطة جسم به، أمـّا نفس إحاطة جسم بجسم، أو محاطيّة الثاني بالأوّل فليست إلّا مقولة إضافيّة(1).

هذا تمام كلامنا في مفهوم الملكيّة.

المصادر الأوّلية للملك

وأمـّا الكلام في المناشئ العقلائيّة الأصليّة لملكيّة الشيء المنفصل عن الإنسان، وكذلك الشرعيّة ـ بعد فرض إمضاء ما عليه العقلاء ـ، فسنطرح للبحث رأي السيّد الخوئي واُستاذنا الشهيد الصدر (رحمهما الله ):

رأي السيّد الخوئي (رحمه الله)

أمّا السيّد الخوئي (رحمه الله) فقد ذكر(2) لها منشأين:

الأوّل ـ الحيازة كما في حيازة الإنسان للمباحات الأصليّة، فإنّ العقلاء يرون هذا منشأً للملكيّة.

والثاني ـ الصنع وما يلحق به من الأعمال، كما إذا أخذ أحد ما لا ماليّة له كالطين فصنعه كوزاً فيكون مالا، فيكون هذا الصنع منشأً لدى العقلاء لملكيّة الكوز. هذا في الصنع، وأمـّا ما يلحق به من الأعمال فكما إذا أتى أحد بالماء من النهر فهو عند النهر لا ماليّة له، ولكن بعد إبعاده إيّاه من النهر يكون مالا، فصنع الماليّة فيه يوجب ملكيّته عقلائيّاً، وكما لو حفظ الثلج إلى الصيف فإنـّه يكون مالا في الصيف ـ وإن لم تكن له ماليّة في الشتاء ـ، وبه يصبح مملوكاً للمحتفظ به في نظر العقلاء.


(1) راجع تعليقة المحقّق الإصفهاني على المكاسب. فائدة في تحقيق حقيقة الحقَّ. 1: 7.
(2) راجع المحاضرات في الفقه الجعفري. قسم المعاملات. 2:. و 8.
13

قال: وقد يجتمع في مال واحد السببان كحيازة الخشب وصنعه سريراً، فملكيّته لهذا السرير بلحاظ المادّة نتجت من الحيازة، وبلحاظ الصورة نتجت من الصنع. هذا حال المناشئ الأصليّة والتي تولّد الملكيّة التي تكون من الإضافة الأوّليّة الذاتيّة.

وأمـّا الملكيّة التبعيّة فذكر أنّها تحصل بكون المال ثمرة لما يملكه الإنسان كبيض الدجاج وصوف الغنم وثمر الشجر، فإنـّها تملك بتبع ملكيّة الأصل.

وأمـّا الملكيّة التي تكون من الإضافة الثانويّة وفي طول الإضافة إلى الشخص الأوّل، فذكر أنّها تنشأ بأسباب اختياريّة كالعقود، أو غير اختياريّة كالإرث أو الوصيّة ـ بناءً على أنّها من الإيقاعات ـ.

وأورد اُستاذنا الشهيد (رحمه الله) على ما ذكره السيّد الخوئي (رحمه الله) في مثل السرير من انتساب ملكيّته من حيث المادّة إلى الحيازة ومن حيث الصورة إلى العلاج: بأنّ سريريّة السرير تملك في نظر العقلاء تبعاً لتملّك مادّته، ولذا لو حاز خشباً ثمّ صنع شخص آخر منه بدون إذنه سريراً، كان الأمر كما لو صنع هو منه سريراً، بل أنّ ملكيّة السريريّة تنـدكّ في ملكيّة المادّة، ولا تُرى عرفاً ملكيّة خاصّة للسريريّة.

أقول: نفس هذا الإشكال يرد على السيّد الخوئي (رحمه الله) في مِثل مثال صنع الكوز من الطين، أو إبعاد الماء من النهر، أو حفظ الثلج إلى الصيف وما شابه ذلك، فإنّ الملكيّة العقلائيّة للكوز مثلا إنّما تكون في نظر العقلاء بلحاظ ملكيّة مادّته وهو الطين، فلو صنع الكوز من طين كان في حيازة شخص آخر بلا إذنه، كان الكوز ملكاً لذاك الشخص لا لصانع الكوز، وكذا لو أبعد ماءً في حيازة شخص آخر من النهر أو حفظ ما حازه من الثلج من دون تملّكه بإذنه، كان في ملك الشخص الأوّل. هذا بحسب النظر العقلائي، وكذلك الحال بحسب الشرع الإسلامي على ما يظهر من موافقته ـ ولو بعدم الردع ـ على ما هو المرتكز عقلائيّاً.

14

وكأنّ السيّد الخوئي (رحمه الله) وقع هنا في الخطأ على أساس تخيّل أنّ الملكيّة فرع المالية، بمعنى كون الشيء ذا قيمة اجتماعيّة، فحينما افترض عدم القيمة الاجتماعيّة للطين أو للماء لدى النهر أو للثلج في الشتاء وأنّ القيمة خلقت فيه بالعلاج أو ما شابه العلاج نسب الملكيّة إلى العلاج أو ما شابهه، بينما لا مبرّر لربط الملكيّة بالماليّة بمعنى التقييم الاجتماعيّ، فالمفهوم عقلائيّاً ـ وكذلك شرعاً ولو بالإمضاء ـ أنّ الطين أو الماء أو الثلج ملكه ابتداءاً بالحيازة، واستمرّت ملكيّته له بعد صنعه كوزاً أو إبعاد الماء عن النهر أو إبقاء الثلج إلى الصيف، كما يشهد لذلك ما أشرنا إليه من أنّ هذا العلاج أو ما شابهه حينما ينصبّ على المادة التي حازها شخص آخر تكون النتيجة لذاك الشخص الآخر.

وقد جاء في كتاب مصباح الفقاهة(1) الذي هو أيضاً تقرير لبحث السيّد الخوئي (رحمه الله) الاعتراف بأنّ المملوك قد لا يكون مالا، إلّا أنّ هذا الاعتراف إنّما جاء منه فيما يكون السبب في عدم التقييم الاجتماعي له قلّته وضآلته كحبّة من الحنطة المملوكة. ولا أدري هل يفترض أنّ هذه الحبّة إنّما تكون مملوكة ضمن حبّات كثيرة، فلو فصلت عنها واُعدم الباقي مثلا لم تكن مملوكة؟ وهذا غريب، أو يفترض أنّها مملوكة حتى لو فصلت عن أخواتها؟ فأيّ فرق بين فرض فقدان الماليّة لأجل الضآلة والقلّة وفرض فقدانها لأجل كون الثلج في الشتاء، أو كون الماء قريباً من النهر؟! بل وحتى الماء قريباً من النهر إنّما لا يموّل لقلّته بدليل أنّ نفس ماء النهر يموّل.

رأي السيّد الشهيد (رحمه الله):

وأمّا اُستاذنا الشهيد (رحمه الله) فإنّه أيضاً جعل المنشأ لملكيّة الإنسان لأمواله المنفصلة عنه بحسب الارتكازات العقلائيّة أحد أمرين: الحيازة أو العلاج، إلّا أنّه لم يفترض العلاج مملّكاً في مثل الطين أو الماء والثلج كي يرد عليه ما ورد على السيّد الخوئي (رحمه الله)، بل ذكر ذلك لأجل التفصيل بين المنقولات وغير المنقولات. ففي المنقولات يكون التملّك الأوّلي بالحيازة، وفي غير المنقولات كالأرض يكون التملّك الأوّلي بالعلاج كالزراعة أو التعمير.


(1) مصباح الفقاهة 2: 4.
15

وأفاد اُستاذنا الشهيد (رحمه الله): أنّه حصلت عند العقلاء توسّعات في باب الحيازة من جهات شتّى:

فأوّلا ـ حصل عندهم التوسّع من ناحية الحائز، وذلك في باب الإرث، فيُرى ابن الميت مثلا أحقّ بمال أبيه من غيره وكأنـّه وجود امتداديّ لوالده. وهذا هو لبّ المقصود للمحقّق النائيني (رحمه الله)، حيث يقول: إنـّه في باب الإرث يتبدّل طرف الإضافة الذي هو الإنسان لا الطرف الآخر ولا الإضافة(1). فهذا الكلام تحليل عقلائيّ للمطلب، لا تحليل عقليّ وفلسفيّ حتى يرد عليه: أنّ الإضافة تتغيّر حتماً بتغيّر أحد طرفيها.

وثانياً ـ حصل عندهم التوسّع من ناحية المال الذي يحاز. فتلحق به نتائجه وأثماره كريع العقار وأثمار الأشجار.

وثالثاً ـ حصل عندهم التوسّع من ناحية ضمان الغرامة، فيُرى صاحب المال المحاز مستحقّاً لبدله عند إتلاف غيره له إمـّا ضماناً لبدله الأصلي بحسب القانون الأوّلي، كما في من أتلف مال غيره من دون معاملة، أو ضماناً لبدل مسمّى كما في المتلف المقبوض بالمعاملة الفاسدة إذا كان الثمن المسمّى أقلّ من ثمن المثل، فإنّ المتفاهم عرفاً أنّ صاحب المال قد قنع بالضمان بمقدار المسمّى وهدر كرامة ماله بمقدار الزيادة على المسمّى(2). وأمـّا إذا كان الثمن المسمّى أكثر من ثمن المثل فلا يضمن إلّا بمقدار ثمن المثل؛ لأنّ ضمان الباقي كان من أثر المعاملة وكان فرع صحّتها وإمضائها، والمفروض عدم الصحّة.

وألحق (رحمه الله) ببحث التوسّع في الحيازة لدى العقلاء بحثاً عن تأثير موقف الحائز الأوّل في نظر العقلاء على نتائج حيازة الحائز الثاني. وتوضيح ذلك ـ على ما أفاده (رضوان الله تعالى عليه. ـ:

أنّه إذا ملك شخص مالا بالحيازة ثمّ جاءت يد ثانية وحازت ذلك المال، فاليد الاُولى تجعل اليد الثانية مقتضية للضمان، واليد الثانية بنفسها مقتضية لإيجاد الملكيّة لأنّها تحوز، إذن فقد اجتمع في هذه اليد اقتضاءآن: اقتضاء التمليك واقتضاء الضمان، فإن لم يوجد مانع عن فعليّة كلا الاقتضاءين وحصول أثرهما خارجاً، تحقّق الملك والضمان معاً، وإن وجد مانع عن أحدهما فقط تحقّق الآخر فقط، وإن وجد مانع عن كليهما لم يتحقّق شيء منهما.


(1) راجع منية الطالب 1:. و 35، وراجع كتاب المكاسب والبيع للآملي 1: 86 و 87.
(2) قد يتّفق أنـّه بعد إيقاع المعاملة يندم عليها ويسلّم له المال بناءً على ما يرى نفسه ملزماً به من الوفاء بالمعاملة، بحيث لو كان يعلم بفسادها لما سلّمه له إلّا مجبوراً. وفي مثل هذا الفرض ليس هدره للزيادة إلّا هدراً مبنيّاً على المعاملة، وقد فرض فسادها.
16

قال (رحمه الله): والمانع عمّا تقتضيه اليد الثانية من الملكيّة عبارة عن عدم رضا صاحب اليد الاُولى بتملّك صاحب اليد الثانية. وأمـّا المانع عمّا تقتضيه من الضمان فهو أمران:

( الأوّل. فرض اليد الثانية كأنـّها اليد الاُولى، كما في الوكالة والنيابة.

( والثاني. رضا صاحب اليد الاُولى بحيازة اليد الثانية.

على فرق بين المانعين، وهو أنّ المانع الأوّل مانع بذاته، والمانع الثاني وهو الرضا ليس مانعاً بذاته، بل هو مانع بإطلاقه، أي أنّه ليس مطلق الرضا مانعاً، بل المانع هو الرضا المطلق، فلو كان ذلك رضاً مقيّداً بفرض الضمان لم يمنع عن الضمان.

وأمر اليد الثانية في تأثيرها في التمليك أو الضمان أو عدم تأثيرها موكول إلى صاحب اليد الاُولى. ويختلف حالها باختلاف ما يشاؤه صاحب اليد الاُولى.

قال (رحمه الله): فتكون ـ بحسب ذلك ـ لليد الثانية حالات أربع:

الحالة الاُولى ـ حالة عدم التأثير في التمليك ولا في الضمان، كما في حالة الاستيمان والوديعة، فاليد هنا لا تؤثّر أثر الملكيّة لعدم رضا صاحب اليد الاُوّلى بالتملّك. وقد مضى أنّ ذلك مانع عن التأثير في التمليك، ولا تؤثّر أثر الضمان أيضاً لكون اليد الثانية بمنزلة اليد الاُولى، وكأنـّها وكيل عنها في الحفظ. وهذا هو المانع الأوّل عن الضمان، وأيضاً لا ملكيّة ولا ضمان في مثل العارية والعين المستأجرة التي بيد المستأجر ونحو ذلك. أمـّا عدم الملكيّة فلعدم رضا صاحب اليد الاُولى بذلك. وأما عدم الضمان فلوجود المانع الثاني عن الضمان، وهو رضا صاحب اليد الاُولى بحيازة اليد الثانية.

وقد وقع فرق في كلمات الأصحاب بين العارية وشبهها من ناحية والوديعة من ناحية اُخرى، فاتّفقوا في الوديعة على أنّه لا يتحقّق الضمان ولو بالشرط، وفي العارية وشبهها اختلفوا في أنّه هل يتحقّق الضمان بالشرط أوْ لا؟(1) وكان هذا من الألغاز في كلماتهم، حيث يقال: إنّه هل يمكن إثبات إمضاء مثل هذا الشرط بدليل:. المؤمنون عند شروطهم. أوْ لا؟ فإن أمكن ذلك ثبت الضمان بذلك مطلقاً، وإلّا لم يثبت الضمان به مطلقاً، فما وجه التفكيك بين الوديعة ومثل العارية، والاتّفاق في الأوّل على عدم الضمان والاختلاف في الثاني؟!


(1) الظاهر أنّ الضمان في العارية مع الشرط إجماعيّ. راجع الجواهر 27: 183، وعليه النصوص، راجع الوسائل 13 الباب. و. و. من أبواب العارية. نعم وقع خلاف في الضمان بلا شرط في عارية الذهب والفضّة غير الدينار والدرهم بعد الاتّفاق على الضمان بلا شرط في عارية الدينار والدرهم مع إمكان إسقاط الضمان في ذلك بالشرط. راجع الجواهر 27: 184، والوسائل 13 الباب. من أبواب العارية.
أقول: قد يدّعى ـ ولو بمعونة ارتكاز عدم كون عارية الدرهم والدينار ذات هدف عرفيّ غالباً، وارتكاز عدم الضمان في العارية غير المشروطة ـ أنّ المقصود من روايات الحكم في عارية الدرهم والدينار بالضمان إرجاع عاريتهما إلى القرض، ومن المعلوم أنّ المال المقترض مضمون في كلّ الحالات، ومنها التلف. وقد يدّعى ـ ولو بمعونة ارتكاز عدم الضمان في العارية غير المشروطة ـ حمل روايات الضمان في عارية الذهب والفضّة على كون المقصود بهما ما ورد في الروايات الاُخرى وهو الدينار والدرهم والتي حملناها على القرض.
ثمّ إنّ شرط الضمان في باب الوديعة أو العارية يتصوّر بعدّة أنحاء:
الأوّل ـ أن يفترض أنّ هذا الشرط ليس هو الشرط المصطلح الموجب لخلق الضمان من باب شرط النتيجة، وإنّما هو تقييد لإطلاق رضا المالك بالوديعة أو العارية بفرض الضمان. وهذا هو الذي يؤثّر في العارية ولا يؤثّر في الوديعة، لما ذكره اُستاذنا (رحمه الله) من أنّ المانع عن الضمان باليد في الوديعة مانع بذاته، والمانع عن الضمان باليد في العارية مانع بإطلاقه.
الثاني ـ أن يفترض أنّ هذا الشرط هو شرط للنتيجة لخلق الضمان، ولكنّه ليس شرطاً في مقابل التزام على الموجب لصالح القابل بنتيجة العقد؛ لأنّ الموجب في الوديعة لا يلتزم بشيء لصالح الودعيّ. وهذا يعني أنّ هذا الشرط ـ في الحقيقة ـ شرط ابتدائيّ، فإنّ مجرّد ذكره في ضمن العقد لا يخرجه عن كونه ابتدائيّاً ما دام لم يكن كمكافأة للمشروط له على التزامه بنتيجة العقد، وهذا الشرط لا قيمة له؛ لأنـّه شرط ابتدائيّ، والشرط الابتدائيّ ـ بناءً على نفوذه ـ إنّما ينفذ في شرط الفعل لا في شرط النتيجة.
الثالث ـ أن يفترض أنّ هذا الشرط هو شرط للنتيجة لخلق الضمان كمكافأة لما التزم به الموجب لصالح القابل. وهذا إنّما يتصوّر في العارية دون الوديعة؛ لأنـّه في العارية قد التزم الموجب بحل الانتفاع بالعين للقابل، فمن المعقول أن يشرط ذلك بالضمان. أمـّا في الوديعة فلم يلتزم الموجب بشيء لصالح القابل، وإنّما القابل فقط التزم بالحفظ لصالح الموجب، فلا معنى للشرط عليه بالضمان، وبهذا يكتمل تفسير الفرق في المقام بين الوديعة والعارية، فإنّ الظاهر أنّ العقلاء لا يفرّقون في رفض شرط الضمان في الوديعة بين ضمان الشرط وشرط الضمان بنحو شرط النتيجة. ولا أظنّ أنّ الفقهاء أيضاً يفصّلون بينهما.
وبهذا أيضاً يتّضح الفرق بين فرض الأمانة البحتة وبين فرض الأجير الذي يأخذ العين بالاُجرة للحفظ أو النقل من مكان إلى مكان، أو لإجراء عمل عليها كالخياطة، فإنّ شرط الضمان في ذلك عقلائيّ بخلاف باب الوديعة. وتفسيره أنّ المستأجر قد التزم للأجير بنتيجة المعاملة من التبادل بين العمل والمال، كما أنّ الأجير التزم للمستأجر بذلك، فكلّ منهما بإمكانه أن يشترط شرطاً على الآخر بأن لا يقبل ذاك الالتزام إلّا بهذا الشرط. وهذا بخلاف باب الأمانة الذي ليس الالتزام فيه الّا من طرف الأمين، فلا معنىً لشرط المستأمن عليه بشيء.
نعم، في باب الأمانة يتصوّر الشرط الابتدائيّ كما مضى، ولا أقصد بذلك مجرّد أخذ الوعد الابتدائي البحت غير المرتبط بأيّ شيء من الأشياء الذي لا ينبغي الإشكال في عدم صدق الشرط عليه، وإنّما أقصد بذلك شرطاً رتّب عليه الشارط عمله، وهو الاستيمان.
وتوضيح ذلك: أنـّنا نقسّم الشرط إلى الابتدائي، وما هو في ضمن العقد، لا بالمعنى الذي قد يتبادر إلى الذهن من مجرّد ذكره ضمن العقد وعدمه، فإنـّه إن قصد ذلك كان هذا مجرّد اصطلاح بحت من دون افتراض فرق جوهري يعقل تأثيره في النفوذ وعدم النفوذ حسب ما يستظهر من الأدلّة، وفرض صدق عنوان الشرط الوارد في الأدلّة على خصوص ما ذكر ضمن العقد دون غيره تحكّم بحت، فسواء كان هذا هو مقصود المشهور من تقسيمهم للشرط إلىالابتدائي وما في ضمن العقد، أوْ لا، نحن نقسّم الشرط كالتالي:
إنّ الشرط تارةً يكون كمكافأة للمشروط له الذي التزم بشيء أراده المشروط عليه.
واُخرى لا يكون كذلك، ولكن الشارط ربط عملا من أعماله بهذا الشرط.
وثالثة لا يكون هذا ولا ذاك، وليس عدا الحصول على وعد ابتدائي بحت.
مثال الأوّل: البايع يشترط في قبوله بالبيع أمراً من الاُمور على المشتري، فهو لقاء التزامه بما يرغب فيه المشتري من البيع يفرض عليه شرطاً من الشروط. ولا ينبغي الإشكال في دخول ذلك تحت عنوان الشرط الوارد في أدلّة:. المؤمنون عند شروطهم )، ولا أثر لمجرّد كون هذا في ضمن العقد في صدق عنوان الشرط عليه وشمول النصوص له، بل حتى لو لم يكن ضمن العقد ولكنّه كان لقاء التزام الشارط بما يريده المشروط عليه صدق عنوان الشرط عليه عرفاً وشملته النصوص من قبيل ما لو التزم شخص بضيافة شخص آخر مثلا بشرط أن يصلّي الضيف صلاة الليل، فوفى ذلك الشخص بالضيافة فلا ينبغي الإشكال في وجوب وفاء الضيف بشرطه، ولا يصحّ له الاعتذار عن صلاة الليل بحجّة أنّ الشرط الابتدائي لا يجب الوفاء به. نعم، من حقّه أن يتراجع عن أصل الشرط قبل وفاء صاحبه بالضيافة إن لم يتعهّدا بالفعل بالضيافة وصلاة الليل، وإلّا لم يجز التراجع من طرف واحد لأنـّه خلاف الوفاء بالعقد والعهد.
ومثال الثالث: أن يحصل شخص من شخص آخر على وعد ابتدائيّ بحت بضيافته، ولا ينبغي الإشكال في عدم صدق عنوان الشرط هنا عرفاً، وعدم شمول نصوص الشرط إيّاه.
ومثال الثاني: المستأمن الذي اشترط على الأمين الضمان أو أيّ شرط آخر، فشرطه هذا لم يكن لقاء التزام للأمين، فإنّ المستأمن غير ملتزم بشيء تجاه الأمين ولم يكن مجرّد استحصال وعد بحت من الأمين بلا أيّ علاقة لذلك بعمل المستأمن، بل هو شرط رتّب المستأمن عمله عليه، فلولا قبول الأمين لشرطه كان من المحتمل أن لا يستأمن المال عنده، ويحفظه بنفسه أو يستأمنه عند شخص آخر.
وهل يجب الوفاء بمثل هذا الشرط أوْ لا؟
نستبعد ابتداءً التفصيل في وجوب الوفاء به وعدمه بين مجرّد عنوان ذكره ضمن العقد، كما في عقد الأمانة وعدم ذكره ضمنه، كما لو أراد شخص السفر فرتّب سفره على أن يلتزم فلان برعاية أطفاله وأهله في غيابه، وقد قبل فلان بذلك، فسافر ذاك الشخص، فهل يجوز لمن قبل هذا الشرط أن يتخلّف ولا يفي بالرعاية التي التزم بها؟ فإن وجب الوفاء وجب في المثالين، وإن لم يجب لم يجب فيهما.
ولا يبعد القول بوجوب الوفاء وصدق عنوان الشرط على ذلك، وشمول النصوص له، إلّا أنّ هذا إنّما يكون في شرط الفعل من قبيل ما ذكرناه من مثال شرط رعاية الأطفال، أو من قبيل أن يشترط المستأمن على الأمين تعويضه على تقدير التلف بما يساويه بنحو شرط الفعل. أمـّا شرط النتيجة من قبيل شرط الضمان فلا دليل على نفوذه، لأنّ نصوص: «المؤمنون عند شروطهم» إنّما تدلّ على وجوب احترام الشرط بقدر ما هو مرتبط بالمشروط عليه وتعهد من قبله. أمـّا مشروعية المشروط في شرط الفعل ونفوذه في شرط النتيجة فهذا ليس داخلا في منظور النصوص، ولذا لو شككنا في حلّ شيء وحرمته لا يمكن إثبات حلّه باشتراطه ضمن عقد مثلا، فنفوذ شرط النتيجة يجب إمـّا أن يستفاد بارتكاز عقلائيّ ممضى بعدم الردع، ولا يوجد ارتكاز عقلائي كذلك في ما نحن فيه في شرط النتيجة الابتدائيّ ـ بالمعنى الذي قصدنا من الابتدائيّ، وهو غير المرتبط بالتزام الشارط بما في صالح المشروط عليه ـ، أو يستفاد من نصّ طبّق قاعدة وجوب الوفاء بالشرط على شرط النتيجة، فنفهم بالالتزام نفوذ شرط النتيجة. وذاك النصّ هو ما عن عليّ بن رئاب بسند تامّ عن أبي الحسن موسى قال: «سُئل وأنا حاضر عن رجل تزوّج امرأة على مائة دينار على أن تخرج معه إلى بلاده، فإن لم تخرج معه فإنّ مهرها خمسون ديناراً إن أبت أن تخرج معه إلى بلاده. قال: فقال: إن أراد أن يخرج بها إلى بلاد الشرك فلا شرط له عليها في ذلك ولها مائة دينار التي أصدقها إيّاها، وإن أراد أن يخرج بها إلى بلاد المسلمين ودار الإسلام فله ما اشترط عليها، والمسلمون عند شروطهم... إلخ»(الوسائل 15: 49، الباب 40 من أبواب المهور، الحديث 2.).
إلّا انّ هذا التطبيق إنّما ورد في شرط النتيجة غير الابتدائيّ ـ أعني الشرط المرتبط بالتزام المشروط له بمفاد العقد للمشروط عليه ـ، واحتمال الفرق وارد، فلا يمكن التعدّي إلى مثل المقام.
17

والتحقيق: أنّ نكتة الفرق هي أنّ المانع عن الضمان في الوديعة هو المانع الأوّل، وهو مانع بذاته، فلا يمكن أن يثبت ضمان اليد ولو بالشرط. وأمـّا المانع عنه في مثل العارية فهو المانع الثاني، وهو مانع بإطلاقه، فيقبل التقييد، فيثبت ضمان اليد بالشرط، وكلامنا إنّما هو في ضمان اليد لا في فرض الضمان بذات الشرط بنحو شرط النتيجة.

الحالة الثانية ـ حالة التأثير في الضمان دون التمليك، وذلك كما في حالة كون اليد الثانية عادية، فهنا تؤثّر اليد في الضمان لعدم وجود شيء من المانِعَين عنه، ولا تؤثّر في الملكيّة لوجود المانع عن ذلك، وهو عدم رضا صاحب اليد الاُولى بذلك.

الحالة الثالثة ـ حالة التأثير في التمليك دون الضمان كما هو الحال في الهبة، ففي الهبة لا يثبت الضمان لرضا صاحب اليد الاُولى بحيازة اليد الثانية، وهذا هو المانع الثاني عن الضمان، وتثبت الملكيّة لتحقّق المقتضي لها، وهو اليد وعدم المانع عنها؛ لأنّ المانع هو عدم رضا صاحب اليد الاُولى بذلك، والمفروض في باب الهبة أنّه راض بذلك. هذا بناءً على أنّ حقيقة الهبة عقلائيّاً هي إجازة صاحب اليد الاُولى لليد الثانية بتملّك المال بالحيازة والموهوب له يتملّك المال بسبب اليد والحيازة، وليست حقيقة الهبة التمليك من قبل الواهب للمتّهب مجّاناً، ولعلّه لذا يكون قوام الهبة عقلائيّاً وشرعاً بالقبض.

أمـّا لو كانت الهبة تمليكاً من قبل الواهب لزم أن يكون شرط القبض شرطاً تعبّديّاً بحتاً. فيشهد لكون حقيقة الهبة إجازة التمليك اشتراط القبض عقلائيّاً وعدم تعقّل الهبة عند العقلاء فيما لا يقبل الحيازة، فلا تصحّ هبة العمل ولا هبة شيء في الذمّة مع أنّه يصحّ إيقاع المعاملة عليها بمثل البيع والإجارة؟ فلو كانت الهبة تمليكاً كسائر المعاملات لكانت من المناسب صحّة ذلك عند العقلاء كصحّة سائر المعاملات.

الحالة الرابعة ـ حالة التأثير في الملكيّة والضمان معاً، وذلك يكون في فرضين:

18

الفرض الأوّل: أن يرضى صاحب اليد الاُولى بتملّك صاحب اليد الثانية رضاً مقيّداً ببقاء اليد الثانية على ما تقتضيه من الضمان، وذلك كما في القرض بناءً على أنّ حقيقته عبارة عن إجازة التملّك بقيد الضمان، وليس تمليكاً بضمان، ولذا يكون قوامه عقلائيّاً وشرعاً بالقبض، ولا يصحّ القرض عقلائيّاً وشرعاً في ما لا يقبل الحيازة كالعمل وكشيء في الذمّة.

وذكر بعض: أنّ القرض تمليك للخصوصيّة مع الاستيمان على أصل الماليّة.

ويرد عليه: أنّه هل المقصود الاستيمان على الماليّة الموجودة في ضمن هذا المال، أو على ماليّة مضافة إلى ذمّة المقترض، أو على مطلق الماليّة من دون إضافتها إلى ذمّة أو عين؟ أمـّا الثالث فلا معنى له، فإنّ الماليّة من دون إضافة ليست أمراً معتبراً لدى العقلاء يعقل الاستيمان عليه. وأمـّا الأوّل فيرد عليه: أنّه لو كانت الماليّة الموجودة في ضمن هذا المال أمانة عنده فكيف جاز له إتلافها؟! وأمـّا الثاني، وهو دعوى كون الماليّة الثابتة في ذمّته أمانة عنده، فنقول: هذا معناه الاعتراف في الرتبة السابقة على هذا الاستيمان بتحقّق ماليّة في ذمّته، وهذا هو الذي يكون بحاجة إلى التحليل في مقام فهم حقيقة القرض، ولا يمكن تحليله بما يفترض في مرتبة متأخّرة عنه، وهو الاستيمان على هذه الماليّة وتحليله ما ذكرناه.

الفرض الثاني: أن يرضى صاحب اليد الاُولى بتملّك صاحب اليد الثانية رضاً مقيّداً بالضمان أيضاً كما في الفرض الأوّل، إلّا أنّه يفرض الضمان هنا ضماناً بالمسمّى، وذلك كما في المعاطاة عندما لا تكون بداعي الإنشاء الفعليّ، فلا ترجع إلى البيع، فعندئذ يكون أحدهما مبرزاً لرضاه بتملّك الآخر ماله بالحيازة مضموناً عليه ذلك بثمن معيّن، ويدخل في هذا مثل وضع السقّاء قربة الماء في موضع مّا ليأخذوا منه ويضعوا ثمنه في كوزه، ونحو ذلك ممّا يشبه المعاطاة ولا معاطاة خارجاً، فليس هذا بيعاً حتماً لعدم معاملة عقديّة ولا معاطاتيّة. ومن هنا التجأ السيّد الاُستاذ ـ يعني به السيّد الخوئي (رحمه الله) ـ إلى القول بكون ذلك تمليكاً مع الضمان لا بيعاً.

والصحيح: أنّ ما ذكره غير تام، إذ كيف يفترض أنّ السقّاء يملّك الماء من الشارب بينما قد يكون السقّاء حين مجيء الشارب إلى القربة غافلا محضاً أو نائماً؟ أمـّا افتراض أنّه أبدى رضاه بإيجاد الشارب هذا التمليك بالنيابة عنه فهو الذي يقوم بالإيجاب والقبول الفعليّين معاً فهو خلاف المرتكز العقلائي، إذ ليس من المرتكز عندهم مثل هذه التكلّفات، ولو صار القرار على الالتزام بهذه التكلّفات فلم لا نقول: إنّ هذا بيع، وإنّ المعاطاة والتمليك والتملّك تحصل بفعل الشارب بالنيابة عن السقّاء(1)؟ والصحيح ما ذكرناه من أنّ السقّاء أبدى رضاه بتملّك الشارب للماء بالحيازة مضموناً عليه بمبلغ من المال فيضعه في كوزه.


(1) لا يخفى أنّ مختار السيّد الخوئي (رحمه الله) ـ على ما جاء في مصباح الفقاهة 2: 169، وفي المحاضرات 2: 82 ـ في مثال أخذ المحقّرات كالخضريات والبقولات، ووضع الثمن في المكان المعدّ له، إنّما هو هذا، أعني حصول البيع من قبل الآخذ بالنيابة عن صاحب المال. نعم، اختار في فرض شرب الشارب من فم قربة السقّاء ووضع الثمن في الموضع المعدّ له أنـّه ليس بيعاً، وعلّل ذلك بأنّ المقدار الذي سوف يشربه الشارب لكي يرتوي غير معلوم، فلو حملناه على البيع لزم الغرر، ولذا حمله في المحاضرات على إباحة التصرّف بضمان، وفي مصباح الفقاهة على إباحة التصرّف أو التمليك بضمان.
أقول: إنّ هذا الكلام غريب، فإنّ عدم الغرر ليس من مقوّمات البيع العقلائي، وإنّما هو شرط تعبّدي، فجعله شاهداً على عدم إرادة الناس من مثال الشرب من قربة السقّاء لا معنى له.
والصحيح: أنّ المفهوم عرفاً في الأمثلة الاستهلاكيّة من قبيل الشرب من القربة هو الإباحة بضمان، وفي أمثلة الحيازة ونقل الأموال من قبيل أخذ الخضروات والبقولات هو ما اختاره السيّد الشهيد (رحمه الله) من الإذن في التمليك بضمان.
19

هذا، وممّا يشبه مثال وضع المال في كوز السقّاء مسألة الذهاب إلى الحمّام ووضع الثمن في كوز الحمّامي. وذكر اُستاذنا الشهيد (رحمه الله) لذلك تفاسير ثلاثة:

الأوّل ـ كون الحمّاميّ مبيحاً للاستفادة الخاصّة من الحمّام والماء إباحة مشروطة بإعطاء ثمن معيّن، فالمستفيد لا تشتغل ذمّته بمال لصاحب الحمّام، إلّا أنّه لو لم يعطه المال كشف عن عدم إباحة تصرّفه في الحمّام. قال اُستاذنا الشهيد (رحمه الله): لعلّ هذا أبعد الوجوه بحسب الفهم العقلائيّ.

الثاني ـ أنّ الحمّاميّ يؤجّر حمّامه للمنفعة الخاصّة بثمن معيّن وبشرط أن يكون للمنتفع حقّ استهلاك الماء وإتلافه بالنحو المخصوص.

والثالث ـ كون الحمّاميّ مبيحاً للاستفادة الخاصّة مضموناً عليه بالثمن المعيّن. قال اُستاذنا الشهيد (رحمه الله): لعلّ هذا هو أقرب الوجوه.

وقال الاُستاذ الشهيد (قدس سره): إنـّه توجد في البيع ـ وما أشبهه من المعاملات ـ الملكيّة مع العوض، ويمكن تفسير ذلك بأحد وجوه:

الأوّل: أن يُفترض أنّ كلّ واحد من المتبايعين يعرض ماله للآخر كي يتملّكه الآخر بالحيازة في مقابل أن يعرض الآخر أيضاً ماله ليتملّكه الأوّل بالحيازة.

والصحيح أنّ هذا خلاف المرتكز العقلائي، وإلّا لكان قوام البيع عند العقلاء بالقبض، ولما صحّ عندهم بيع العمل أو بيع شيء في الذمّة.

الثاني: أن يُفرض أنّ كلّ واحد منهما يحوز ما في يده بقاءً من قِبَل الآخر ليصبح ملكاً للآخر في قبال أن يصنع الآخر أيضاً كذلك. وهذا يعالج نقطة الضعف التي كانت في الوجه الأوّل من عدم كون القبض مقوّماً للبيع عند العقلاء، إذ يكفي الوجود البقائي لكلّ من المالين في يد المالك الأوّل لتملّك الآخر بحيازة الأوّل بالنيابة عنه.

20

قال (رحمه الله): والصحيح أنّ هذا أيضاً خلاف المرتكز العقلائي، وإلّا لما صحّت عندهم المعاملة على العمل أو على شيء في الذمّة كما ذكرنا في الفرض الأوّل.

الثالث: أن يُرى عقلائيّاً أنّ من تبعات مالكيّة الإنسان لماله أنّ له أن يملّكه من غيره بعوض، والبيع من هذا القبيل.

قال (رحمه الله): وهذا هو الصحيح.

وقال (قدس سره): هل المرتكز عقلائيّاً تمليك كلّ منهما ماله للآخر بملكيّة اُخرى غير الملكيّة التي كانت له، أو إعطاء ما كانت له من الملكيّة إيّاه؟ الصحيح هو الأوّل، ولذا قد تختلف طبيعة الملكيّتين كما في تمليك العمل، فإنّه كان ملكاً للعامل بالملكيّة الحقيقيّة وصار ملكاً للآخر بالملكيّة الاعتباريّة.

وقال الاُستاذ الشهيد (رحمه الله) أيضاً: كما أنّ لصاحب المال حقّ أن يملّكه بعوض كذلك له حقّ أن يملّكه مجّاناً، وذلك كما في الهبة بناءً على التفسير غير المرضي لها من التفسيرين اللذين مضى ذكرهما، وكما في شرط ملكيّة شيء بنحو شرط النتيجة، وكما في مهر الزواج(1). انتهى ما أردنا نقله عن اُستاذنا الشهيد (رحمه الله) هنا.

مصاديق غامضة من الملكيّة

وعدنا منذ البدء أن ندرج في بحثنا عن الملكيّة البحث عن مصاديق من الملكيّة قد يكتنفها شيء من الغموض كملكيّة الأعمال وملكيّة الذِمم وملكيّة المنافع.

ملكيّة الأعمال:


(1) من تقرير غير مطبوع لنا لبعض أبحاثه (رحمه الله).
21

أمـّا الأعمال: فقد أفاد اُستاذنا الشهيد (رحمه الله): أنّ مالكيّة الإنسان لعمله ليست بمعنى الملكيّة الاعتباريّة التي جعلت بلحاظ الأموال المنفصلة عنه. نعم، الإنسان مالك لأعماله بملكيّة حقيقيّة بمعنى قدرته وسلطنته التكوينيّة عليها بحيث إن شاء فعل وإن شاء ترك. وترتّبت على هذه الملكيّة التكوينيّة ملكيّة اُخرى بمنطق العقل العملي، وهي أيضاً حقيقيّة وليست جعليّة واعتباريّة، وهي كون الإنسان أولى بأعماله من غيره، فالملكيّة بهذا المعنى لا هي أمر اعتباريّ وجعليّ كما في ملكيّة الأموال المنفصلة عن الإنسان، ولا هي أمر تكوينيّ خارجيّ كما في المعنى الأوّل لملكيّة الأعمال، وإنّما هي أمر خلقيّ وراجع إلى حكم العقل العمليّ.

وأولويّة الإنسان بعمله تارةً تكون بلحاظ الفعل والترك، واُخرى بلحاظ التصرّف الوضعي في أعماله كما في الإيجار. والأوّل يكفيه حكم العقل العمليّ بلا حاجة إلى أيّ جعل، والثاني بحاجة إلى صغرى مجعولة، وهي جعل أصل ذاك التصرّف الوضعيّ كجعل قانون الإيجار، فإذا تمّ الجعل صغرويّاً طبّقت عليها الكبرى المعلومة بالعقل العمليّ، وهي أولويّة الإنسان بعمله. فكان له هذا التصرّف لا لغيره.

وأولويّة الإنسان بأعماله إنّما هي أولويّة في مقابل سائر الناس، وليست أولويّة في مقابل الله تعالى، ولا هي مقابل منع العقل العمليّ عن بعض الأعمال، فكذب الإنسان مثلا مملوك للإنسان، بمعنى أنّه أولى بالاستفادة منه من غيره لكنّه ممنوع عليه بحكم العقل العمليّ، كما أنّ الله تبارك وتعالى له أن يمنعه من عمل مّا والله تعالى مالك لمخلوقاته بمعنى أنّه هو الذي خلقهم وكوّنهم بقدرته، وهذا يقابل القدرة والسلطنة الثابتة للإنسان على عمله، ويترتّب على هذا حقّ المولويّة، وهذا الحقّ له مظاهر أربعة:

1 ـ حقّ الطاعة، فلو نهاه عن عمل مّا لم يكن للعبد حقّ المخالفة.

2 ـ حقّ أخذ أعمال الشخص منه قهراً، كأن يجوّز لأحد أن يستوفي منه عمله جبراً، وهذا ما يقابل مالكيّة الشخص لأعماله.

3 ـ حقّ التصرّف الوضعيّ في أعمال الشخص، كأن يجعل عمل زيد مملوكاً لعمرو، وهذا ما يقابل مالكيّة الشخص للتصرّف الوضعيّ في عمله.

22

وهنا تكون الكبرى مندمجة في الصغرى وثابتة بنفس حقّ المولويّة بلا حاجة إلى جعل من قبل جاعل.

4 ـ حقّ القيمومة على شخص، بأن يتصرّف تصرّفاً وضعيّاً في عمله كما في السابق، لكن لنفس العامل بأن يعطي عمله لشخص آخر بعوض لنفس العامل، وبكلمة اُخرى أن يقف تجاه العبد موقف الوليّ تجاه الصبيّ.

أمـّا إذا تجاوزنا حقّ الله تبارك وتعالى وحكم العقل العمليّ وقسنا الإنسان إلى سائر أفراد البشر كان كلّ إنسان أولى بعمله من غيره، وهذه الملكيّة الحقيقيّة للناس لأعمالهم كأنـّها هي التي أوحت إليهم بفكرة جعل الملكيّات.

والملكيّة الاعتباريّة للأعيان المنفصلة عن الإنسان تترتّب على ملكيّته لعمله بحسب الارتكازات العقلائيّة بهمزة وصل وهي الحيازة أو العلاج(1). انتهى ما أردنا نقله عن اُستاذنا الشهيد (رحمه الله).

الأحكام المترتّبة على ملكيّة الأعمال:

وملكيّة الإنسان لأعماله بمعنى كونه أولى بها من غيره، لا يترتّب عليها جميع أحكام الملكيّة الاعتباريّة، وإنّما هذا يتبع سعة دائرة جعل تلك الأحكام وضيقها، فما جعل منها على الأعمّ من الملكيّة الاعتباريّة وهذه الملكيّة يثبت، وما لم يكن كذلك لا يثبت، والأحكام الشرعيّة التعبّديّة وردت عادة على موضوع الملكيّة الاعتباريّة، ولا تثبت في مالكيّة الإنسان لعمل نفسه، وذلك من قبيل وجوب الخمس أو ثبوت الاستطاعة الموجبة لوجوب الحجّ.

وأمـّا الأحكام العقلائيّة فهي مختلفة فيما بينها، فجواز التصرّف الوضعيّ يشمل عقلائيّاً ملكيّة الأعمال، ولذا يجوز للإنسان أن يؤجر نفسه على عمل، وإذا آجر نفسه على عمل أصبح عمله مملوكاً للمستأجر بالملكيّة الاعتباريّة. وضمان الإتلاف لا يشمل الأعمال، فلو أنّ الظالم سجن أحداً لم يضمن عمله بضمان الإتلاف. نعم، لو استوفى عمله ضمنه بضمان الحيازة واليد، فضمان اليد عقلائيّاً يشمل العمل بخلاف ضمان الإتلاف، وحبس الشخص لا يعتبر عرفاً حيازة لعمله، وإنّما يعتبر حيازة لشخصه، أمـّا حيازة عمله فهي بالاستيفاء.


(1) من تقرير غير مطبوع لنا لبعض أبحاثه (رحمه الله).
23

نعم، لو كان الإنسان كسوباً فحبس فقد يقال بضمان الحابس لعمله، إلّا أنّ هذا ليس ضمان اليد أو الإتلاف، بل هذا ضمان بنكتة دفع الضرر، ولذا لا يحسّ بمثل هذا الضمان في غير الكسوب، ولو ثبت هذا الضمان في الكسوب عقلائيّاً ثبت شرعاً بقاعدة نفي الضرر وبعدم الردع. أمـّا لو لم يثبت عقلائيّاً فلا يثبت شرعاً لا بعدم الردع كما هو واضح، ولا بقاعدة نفي الضرر، لما حقّق في محلّه من أنّ مفادها نفي الضرر الناشيء من الإسلام، فلو كان الضمان ثابتاً عرفاً ونفاه الإسلام عدّ هذا النفي ضرراً ناشئاً من الإسلام، فهو منفيّ، وإلّا فلا، و مجرّد نشوء ضرر من قِبل هذا الظالم لا يعني وجوب حكم الإسلام بالضمان عليه.

وبما ذكرناه ظهر الفرق بين منافع الحرّ ومنافع العبد، حيث إنّ منافع الحرّ غير المستوفاة لا تضمن، ومنافع العبد غير المستوفاة قد يقال: إنـّها تضمن. والفرق بينهما: أنّ منافع الحرّ ليست مملوكة له ملكيّة اعتباريّة، فلا تضمن بالإتلاف كما قدّمناه، ولكن منافع العبد مملوكة للمولى ملكيّة اعتباريّة ولو بملكيّة مندكّة في ملكيّة العين، فقد يقال: إنّ مثل هذه الملكيّة المندكّة كافية في ضمان الإتلاف.

وبما ذكرناه ظهر الفرق أيضاً بين منفعة الحرّ غير الأجير ومنفعة الأجير، فغير الأجير لا تضمن منفعته في غير الكسوب أو مطلقاً، لأنّها لم تكن مملوكة بالملك الاعتباريّ، أمـّا الأجير فمنفعته كانت مملوكة بالملك الاعتباريّ للمستأجر، فإن فرضنا أنّ هذا الحبس لا يوجب انفساخ الإيجار فالحابس ضامن للمستأجر، لأنّ عمل الأجير كان ملكاً له ملكيّة اعتباريّة، فقد ضمنه بالإتلاف، فإذا فسخ المستأجر العقد لعدم القبض رجع البدل الذي ضمنه الحابس إلى الأجير، ورجعت الاُجرة إلى المستأجر. وإن فرضنا أنّ هذا الحبس يوجب انفساخ الإيجار ضمن الحابس الاُجرة المسمّـاة للأجير بنكتة دفع الضرر، وعقلائيّة الضمان هنا أوضح من الضمان في الكسوب الذي لم يؤجر نفسه.

وهناك تفسير آخر لما يفهم عقلائيّاً من الفرق بين منفعة الأجير أو الكسوب وغيرهما بالضمان في الأوّل أو في الأوّلين دون غيرهما، وهو أن يقال: إنّ ضمان الإتلاف ثابت عقلائيّاً في باب الأعمال كما هو ثابت في الأعيان، إلّا أنّ إتلاف الأعمال ليس كإتلاف الأعيان بمعنى هدم ما هو موجود وكسره مثلا، وإنّما هو بمعنى الحيلولة بين الشخص وعمله، وهذه إنّما تكون في الأجير والكسوب. أمـّا الذي لا يوجد فيه دافع نفسيّ للعمل فعدم صدور العمل منه لا ينسب عرفاً إلى منع الحابس، بل ينسب إلى عدم المقتضي، فلا إتلاف في المقام.

24

إلّا أنّ هذا التفسير ـ لو تمّ ـ لا يفسّر لنا الفرق بين عمل الحرّ وعمل العبد، فلا بدّ من التفصيل في عمل العبد أيضاً، بينما لو كان المالك مقبلا على استثماره وما إذا كان المالك مُهمِلا له لا ينتفع به حتى لو لم يسجنه الساجن. وكذلك الحال في منفعة الدار غير المستوفاة من قبل الغاصب، فيجب أن يفصّل بين ما إذا كان صاحب الدار يستفيد منها لولا الغصب و ما إذا كان مُهملا لها.

ولعلّه من الواضح أنّ هذه التفاصيل ليست عقلائيّة، فالصحيح أنّ إتلاف الأعمال الذي يترقّب أن يكون موضوعاً للضمان هو بمعنى هدر القابليّة للعمل، وقد حصل ذلك بالسجن سواء كان العامل أجيراً أو كسوباً أوْ لا، فلعلّ الأولى هو التفسير الأوّل الذي ذكرناه بعد فرض تسليم الفرق عقلائيّاً بين الأجير وغيره، والكسوب وغيره، والحرّ والعبد.

ولو قتل شخص حرّاً فلا إشكال في أنّه لا يضمن عقلائيّاً عمله، وإنّما يصار إلى القصاص أو الدية، ولا يكفي في تفسير عدم الضمان هنا ما ذكرناه في حبس الحرّ، إذ لو كان هذا هو التفسير الوحيد لذلك لزم ضمان العمل في الأجير أو الكسوب لدى القتل بناءً على ثبوت الضمان فيهما في الحبس.

وبالإمكان تفسير ذلك بأنّ عدم ضمان عمل الحرّ لدى قتله يكون من قبيل عدم ثبوت ضمان لمنفعة العين في مقابل ضمان العين لدى إتلافها، فكما أنّ ضمان منفعة العين مندكّ في ضمان العين كذلك ضمان عمل الحرّ مندكّ في ضمان الحرّ المتمثّل في القصاص أو الدية، بفرق أنّ ضمان منفعة العين المندكّ في ضمان العين يؤثّر في مقدار الضمان قيميّاً، فالعين المضمونة بالقيمة تكثر وتقلّ قيمتها المضمونة على أثر عوامل أحدها كثرة وقلّة منافعها، لكنّ العقلاء حدّدوا الضمان في قتل الحرّ بمبلغ معيّن من الدية أو القصاص أيّاً كانت منفعته، أو لم تكن له منفعة أصلا، وذلك تغليباً لأصل حرمة الإنسان كإنسان على منافعه التي تعتبر لا شيء بالنسبة إليه.

وقد يقال: إنّ ضمان منافع الحرّ في الحبس أولى من ضمان منافع العين، لأنّ منفعة العين مندكّة قيمةً وملكيّة في العين، فلا يملك صاحب العين ـ إضافة إلى العين ـ شيئاً اسمه المنفعة، وليست للمنفعة قيمة إضافة إلى قيمة العين، وإنّما المنفعة حيثيّة تعليليّة لتقييم العين، وهذا بخلاف عمل الحرّ، فإنّ الحرّ غير مملوك ولا يقيّم، فيقيّم عمله مستقلاًّ عنه، ويملك مستقلاًّ عنه.

25

والجواب: أنّ اندكاك قيمة المنفعة وملكيّتها في العين صحيح، ولذا لا يضمن منفعتها إضافة إلى ضمان العين لدى إتلافها، ولكن هذا لا ينافي ضمانها مستقلاًّ حينما لا يوجد ضمان للعين كما لو حبس العين ولم يتلفها، وكما لو استوفى منفعتها ولم يتلفها. ولهذا أيضاً في باب الإيجار تتصوّر ملكيّة المنفعة رغم عدم ملكيّة العين. وفي الحرّ أيضاً يتبلور اندكاك ضمان المنفعة في العين لدى القتل كما مضى، فإنّ عين الحرّ وإن لم تكن مملوكة بالملكيّة الاعتباريّة لكنّ عمله أيضاً لم يكن مملوكاً بالملكيّة الاعتباريّة، وملكيّة عمله لنفسه من سنخ مالكيّة الإنسان لنفسه، أي أنّه هو أولى من غيره بنفسه وبعمله. وأمـّا في مورد الحبس فقد مضى بيان نكتة الفرق بين الحرّ وغيره.

ملكيّة الذمم:

وأمـّا الذمم: فالذمّة ـ في الحقيقة ـ وعاء اعتباريّ افترضه العقلاء للأموال الرمزيّة التي لا وجود لها في الخارج كي يكون موطناً لتلك الأموال التي تتّخذ كرمز للأموال الخارجيّة، وتطبّق حين التنفيذ والأداء على الخارج تطبيقاً للرمز على ذي الرمز.

وقد كان هذا الاعتبار من قبل العقلاء تسييراً للمعاملات وتكييفاً عقلائيّاً لها، وتسهيلا لتمشية الاُمور. فقد يحتاج الشخص إلى إيقاع المعاملة على شيء لا يمتلكه خارجاً، فيبيع عيناً غير مملوكة له، أو يشتري بثمن لا يمتلكه، فيكون طريق حلّ الإشكال في هذه المعاملة هو البيع في الذمّة أو الشراء بالذمّة. وقد يمتلك المال خارجاً لكنّه لا يريد أن يفقده، وفي نفس الوقت هو بحاجة إلى إيقاع المعاملة على سنخ ما يمتلكه، فيوقع المعاملة على الذمّة. وقد يقتضي القانون تغريم شخص مّا من دون غرض في التحجير على ماله و تحجيم ممتلكاته، وذلك كمن أتلف مال غيره فيفترض تعلّق ملك المغرم له بما في ذمّة هذا الشخص جمعاً بين بقاء الأموال الخارجيّة للمتلف على حرّيّتها وقدرة التصرّف المعامليّ لمن تلف ماله في ما يكون له في ذمّة المتلف، وكذلك في القرض مثلا تصبح عين المال ملكاً للمقترض ولكن تستقرّ ماليّته أو مثليّته في ذمّته، ويمكن إيقاع بعض المعاملات عليها.

26

اختلاف الذمّة عن العهدة:

والذمّة تختلف عن العهدة، ويظهر من الكلمات المنقولة عن المحقّق النائيني (رحمه الله): أنّ الفرق الجوهري بينهما هو أنّ الأموال الخارجيّة أو أداءها تكون في العهدة لا في الذمّة، والذمّة وعاء للأموال الكلّية فحسب(1).

والواقع أنّ كون العهدة وعاءً لأداء الأموال الخارجيّة صحيح فإنـّها وعاءٌ للتكاليف وما يلزم على الإنسان من أعمال ومنها أداء الأموال الخارجيّة. وأمـّا كون الذمّة وعاءً للأموال الكلّية فايضاً صحيح على أن يكون المقصود به ما جاء في تعابير اُستاذنا الشهيد (رحمه الله) من كونها وعاءً للأموال الرمزية.

هذا وربّما يكون في العهدة أداء مال مّا من دون تعيّن خارجيّ لذاك المال، ولا يكون ذاك المال رغم كلّيّته شاغلا للذمّة كما في نفقة الأقارب الواجبة على الإنسان، فعهدة الإنسان مشغولة بنفقة الأقارب بينما ذمّته غير مشغولة بها، ولا ضمان عليه لو ترك، فلو مات مثلا لم تؤخذ النفقة الماضية التي لم يؤدّها من التركة، وربّما يكون المال الكلّي مرتبطاً بالعهدة والذمّة معاً، كما في من أتلف مال غيره فقد انشغلت ذمّته بالمال وانشغلت عهدته بوجوب إفراغ الذمّة وأداء المال، بينما الطفل الصغير الذي أتلف مال غيره مثلا انشغلت ذمّته بالمال لكن ليس على عهدته شيء، ولو استدان مالا من كافر حربيّ انشغلت ذمّته ولكن ليس على عهدته الأداء، وبإمكانه أن يمتلك ما في ذمّته فيسقط عنه وتفرغ ذمّته، وطبيعيّ أنّ المال الخارجيّ لا يشغل الذمّة لأنّ الذمّة وعاء اعتباريّ فرض كمحلٍّ لاستيعاب الأموال التي لم يستوعبها الظرف الخارجيّ. أمـّا المال الموجود في ظرف الخارج فليس بحاجة إلى ظرف اعتباريّ من هذا القبيل.

هذا، والذي يبيع كلّيّاً في ذمّته وإن كان لا يوجد قبل البيع مال في ذمّته يمتلكه كي يبيعه لكن يكفي إشباعاً للقانون العقلائيّ الذي يقول: لا بيع إلّا في ملك، مالكيّة الإنسان لنفس الذمّة التي هي من سنخ مالكيّته لنفسه ولأعماله، فهو أولى بإشغال ذمّته من غيره أو إبقائها على الفراغ.


(1) راجع كتاب المكاسب والبيع للشيخ الآملي 1: 352، وكتاب منية الطالب للشيخ موسى النجفي 1: 141 السطر. و ص 145 س 12 و ص 147 س 15.
27

المفهوم الفقهي للدَين مقارناً للقانون الوضعي:

والدَين في مفهومه الفقهيّ لدينا هو المال الكلّي الاعتباريّ الرمزي الذي أشغل وعاء الذمّة الذي يفترض لصيقاً بالإنسان، ولكنّه في مفاهيم الفقه الغربيّ ليس عدا مجرّد التزام شخص لشخص، فهو أقرب شيء إلى مفهوم انشغال العهدة لدينا، ورابطة بين إنسان وإنسان، لا بين إنسان ومال، وكان هذا هو الفرق عندهم بين ما يسمّونه بالحقّ الشخصيّ وما يسمّونه بالحقّ العينيّ، فالحقّ العينيّ هو الذي يربط الإنسان بعين خارجيّة، والحقّ الشخصيّ هو الذي يربط الإنسان بإنسان آخر. وقال الدكتور عبد الرزاق أحمد السنهوريّ متحدّثاً عن الرابط بين الدائن والمدين:

ولم تثبت هذه الرابطة على حال واحدة، بل إنّها تطوّرت، فكانت في أوّل أمرها سلطة تعطى للدائن على جسم المدين لا على ماله، وكان هذا هو الذي يميّز بين الحقّ العينيّ والحقّ الشخصيّ، فالأوّل سلطة تعطى للشخص على شيء، والثاني سلطة تعطى للشخص على شخص آخر، وكانت سلطة الدائن على المدين سلطة واسعة يدخل فيها حقّ الإعدام وحقّ الاسترقاق وحقّ التصرّف، ثمّ تلطّفت هذه السلطة فصارت مقصورة على التنفيذ البدني بحبس المدين مثلا، ولم يصل الدائن إلى التنفيذ على مال المدين إلّا بعد تطوّر طويل، فأصبح للالتزام منذ عهد الرومان مظهران: مظهر باعتباره رابطة شخصيّة فيما بين الدائن والمدين، ومظهر باعتباره عنصراً ماليّاً يقوم حقّاً لذمّة الدائن ويترتّب دَيناً في ذمّة المدين. ولا يزال الالتزام محتفظاً بهذين المظهرين إلى الوقت الحاضر وإن اختلفت المذاهب فيه، فمذهب يغلّب الناحية الشخصيّة وهو المذهب الفرنسيّ التقليديّ الموروث عن القانون الرومانيّ، ومذهب يغلّب الناحية الماليّة وهو المذهب الألمانيّ الحديث....

وأشهر من قال بالمذهب الشخصيّ من فقهاء الألمان. سافيني. فقد كان يرى الالتزام رابطة شخصيّة تخضع المدين للدائن، وهي صورة مصغّرة من الرقّ، فالسلطة التي تمنح لشخص على شخص آخر قد تستغرق حرّيّة من يخضع لهذه السلطة، وهذا هو الرقّ الكامل والملكيّة التامّة، وقد لا تتناول السلطة إلّا بعض هذه الحرّيّة، ولا تمتدّ إلّا إلى جزء من نشاط المدين، فيترتّب من ذلك حقّ للدائن قريب من حقّ الملكيّة ولكنّه ليس إيّاها، فهو حقّ خاصّ بعمل معيّن من أعمال المدين....

28

هذه النظريّة قام في وجهها فقهاء الألمان وعلى رأسهم. چييريك. وأبوا أن تستقرّ في الفقه الألمانيّ بعد أن عملوا على تحرير قانونهم من النظريّات الرومانيّة وغلّبوا النظريّات الجرمانيّة الأصل عليها، وقد بيّن چييريك أنّ الفكرة الجرمانيّة في الالتزام لا تقف عند الرابطة الشخصيّة كما كان الأمر في القانون الروماني، بل تنظر إلى محلّ الالتزام وهو العنصر الأساسيّ وتجرّده من الرابطة الشخصيّة حتّى يصبح الالتزام عنصراً ماليّاً أكثر منه علاقة شخصيّة، فينفصل الالتزام بذلك عن شخص الدائن وعن شخص المدين، ويختلط بمحلّه فيصبح شيئاً مادّيّاً العبرة فيه بقيمته الماليّة(1).

ومن هنا دخلت فكرة الذمّة في الفقه الغربي، إلّا أنّها اختلفت عن فكرة الذمّة عندنا، فبينما الذمّة عندنا وعاء اعتباريّ لصيق بالإنسان لا علاقة له بأمواله الخارجيّة كانت لديهم عبارة عمّا يسمّى بالثروة أو بالذمّة الماليّة، وهي وعاء تستوعب كلّ أموال الإنسان الخارجيّة وغيرها إيجابيّة وسلبيّة. ففي الذمّة الماليّة عندهم عنصران: عنصر إيجابيّ هو الحقوق، وعنصر سلبيّ هو التكليفات، والذمّة تتكوّن من العنصرين معاً. وحاصل الفرق بين العنصرين يسمّى الصافي، وقد تكون الذمّه خالية ليس فيها حقوق ولا تكليفات كذمّة الوليد الذي ليس له مال(2).

هذا، والتصوير القديم للفقه الغربي لمعنى الدَين وفهمهم لحقيقة الالتزام الشخصيّ أدّى إلى عدم تصويرهم لحوالة المدين إلى شخص آخر في دَينه، وهذه هي الحوالة في فقهنا وهي حوالة الدَين في فقههم، أو تغيير الدائن من شخص إلى آخر، وهذا ما يتصوّر في فقهنا ضمن بيع الدَين أو هبته، ويسمّى في فقههم بحوالة الحقّ. قال الدكتور السنهوري:

قد كانت فكرة الرابطة الشخصيّة هي الفكرة السائدة في القانون الرومانيّ، ثمّ سادت بعد ذلك عصوراً طويلة في القوانين اللاتينيّة، فلم يكن يمكن معها تصوّر انتقال الالتزام لا من دائن إلى دائن آخر، ولا من مدين إلى مدين آخر، على أنّ استعصاء الالتزام على الانتقال لم يثبت في هذه القوانين القديمة إلّا في انتقاله فيما بين الأحياء. أمـّا انتقال الالتزام إلى الوارث بسبب الموت فإنّ هذه القوانين لم تلبث أن استساغته منذ عهد طويل... فينتقل الالتزام من الدائن عند موته إلى ورثته من بعده، ويصبح هؤلاء هم الدائنون مكانه، وكذلك ينتقل الالتزام من المدين عند موته إلى ورثته من بعده، ويصبح هؤلاء هم المدينون مكانه... وتعتبر شخصيّة الوارث إنّما هي استمرار لشخصيّة المورّث، فكأنّ الالتزام لم ينتقل إلى شخص جديد بموت صاحبه، بل بقي عند صاحبه ممثّلا في شخص الوارث...


(1) الوسيط 1: 118. 120 الفقرة. -. بحسب الطبعة الثانية.
(2) راجع الفقه الإسلامي في ثوبه الجديد للاُستاذ مصطفى أحمد الزرقاء 3: 233 الفقرة 128 بحسب الطبعة الخامسة.
29

وقد يبدو أنّ الالتزام يتحوّر في الشرائع الغربيّة إذا هو انتقل من المدين إلى وارثه وقَبِل الوارث الميراث محتفظاً بحقّ التجريد، فيفصل أموال التركة عن أمواله الشخصيّة ولا يكون مسؤولا عن ديون التركة إلّا في المال الذي ورثه، فيصبح الالتزام بعد أن انتقل إلى الوارث لا يمكن التنفيذ به إلّا على أموال التركة التي انتقلت إلى هذا الوارث، ولكن هذا التحوير ليس تحويراً حقيقيّاً، فالواقع من الأمر أنّ الالتزام بقي ـ من ناحية المال الذي يجوز التنفيذ عليه ـ كما كان في حياة المورّث، فقد كان عندئذ لا يمكن التنفيذ به إلّا على ماله فبقي كما كان....

وإذا كان قد أمكن في انتقال الالتزام بسبب الموت جعل الوارث خلفاً عامّاً للمورّث، وتصوير هذه الخلافة العامّة كأنـّها استمرار لشخصيّة المورّث، ففي انتقال الالتزام ما بين الأحياء حيث الخلافة خاصّة لا يمكن تصوير هذه الخلافة الخاصّة حال الحياة كما أمكن تصوير الخلافة العامّة بعد الموت استمراراً لشخصيّة السلف، ذلك أنّه إذا أمكن القول بأنّ المورّث ـ وقد زالت شخصيّته بالموت ـ يتصوّر استمرارها في شخص الوارث فإنـّه يتعذّر القول بأنّ السلف وهو لا يزال حيّاً تستمرّ شخصيّته في شخصيّة خلفه الخاصّ.

من أجل ذلك لم يكن ممكناً أن ينتقل الالتزام حال الحياة في القانون الروماني من دائن إلى دائن آخر، أو من مدين إلى مدين آخر عن طريق حوالة الحقّ أو عن طريق حوالة الدَين، ولم يكن ممكناً إذا اُريد تغيير شخص الدائن إلّا تجديد الالتزام بتغيير الدائن، أو اُريد تغيير شخص المدين إلّا بتجديد الالتزام بتغيير المدين، وفي الحالتين لم يكن الالتزام ذاته بمقوّماته وخصائصه هو الذي ينتقل من شخص إلى شخص آخر، بل كان الالتزام الأصليّ ينقضي بالتجديد، وينشأ مكانه التزام جديد بمقوّمات وخصائص غير المقوّمات والخصائص التي كانت للالتزام الأصليّ، وفي هذا الالتزام الجديد كان يتغيّر شخص الدائن، أو يتغيّر شخص المدين.

على أنّ الرومان كانوا يلجأون إلى طريقة اُخرى لتحويل الالتزام من دائن إلى دائن آخر دون تدخّل من المدين، فكان الدائن الأصليّ يوكّل من يريد تحويل الالتزام إليه في قبض الدَين باسمه من المدين، وكان هذا التوكيل وسيلة يستطيع بها الوكيل أن يقبض الدَين من المدين دون حاجة إلى رضائه بتحويل الدَين، ولكن هذه الطريقة لم تكن مأمونة، فإنّ الدائن الأصليّ كان يستطيع أن يعزل الوكيل قبل أن يقبض الدَين.

30

وبقي القانون الرومانيّ على هذه الحال دون أن يعرف لا حوالة الحقّ ولا حوالة الدَين، وبقيت الحوالة مجهولة مدةً طويلة في القانون الفرنسيّ القديم يتحايلون عليها عن طريق التوكيل بقبض الدَين الذي كان القانون الروماني يلجأ إليه حتى أصبح هذا الطريق مألوفاً، ومنه دخلت حوالة الحقّ في القانون الفرنسيّ القديم، وأصبح مسلّماً في هذا القانون أنّه يجوز للدائن أن يحوّل حقّه إلى دائن آخر دون حاجة إلى الحصول على رضاء المدين بالحوالة، على غرار التوكيل بالقبض الذي أصبح مفترضاً دون نصّ. وهذا بالرغم من أنّ التحليل القانونيّ الدقيق... يستعصي على أن ينتقل الالتزام وهو رابطة شخصيّة من دائن إلى دائن آخر.

وساعد على إمكان انتقال الالتزام من دائن إلى دائن آخر أنّ فكرة الالتزام باعتباره رابطة شخصية أخذت تتطوّر، وأخذ العنصر المادّيّ في الالتزام يبرز شيئاً فشيئاً، فأصبح من السهل أن نتصوّر أنّ الالتزام باعتباره قيمة ماليّة لا باعتباره رابطة شخصيّة، وبالنسبة إلى موضوعه لا بالنسبة إلى أطرافه ينتقل من دائن إلى دائن آخر.

ولكنّ التطوّر في القوانين اللاتينيّة وقف عند هذا الحدّ، ولم يصل القانون الفرنسيّ حتى اليوم إلى تنظيم حوالة الدَين، أي انتقال الالتزام من مدين إلى مدين آخر، وليس هناك سبيل إلى تغيير المدين في الالتزام إلّا عن طريق التجديد أو الإنابة في الوفاء، ذلك أنّ شخصيّة المدين في الالتزام أكبر خطراً من شخصيّة الدائن، فعلى شخصيّة المدين ومقدار يساره وحُسن استعداده للوفاء بدَينه تتوقّف قيمة الدَين، فلم يكن من السهل التسليم بتحويل الالتزام من مدين إلى مدين آخر دون أن يكون الدائن طرفاً في هذا التحويل عن طريق التجديد، لأنّ الدائن يأبى أن يتغيّر عليه المدين من دون رضائه، ويعنيه من تغيير مدينه ما لا يعني المدين من تغيير دائنه، فبقيت القوانين اللاتينيّة عند هذه المرحلة من التطوّر لم تستكمله إلى غايته، وذلك مع استثناء التقنين المدني الإيطالي الجديد، فقد أقرّ حوالة الدَين عند الكلام في الإنابة في الوفاء....

أمـّا التقنينات الجرمانيّة فقد سارت في التطوّر إلى نهاية الطريق، وما دامت فكرة الالتزام قد تطوّرت فأصبح الالتزام قيمة مادّيّة أكثر منه رابطة شخصيّة، وما دام قد أمكن تصوّر انتقال الالتزام من دائن إلى دائن آخر فما الذي يحول دون التسليم بانتقاله من مدين إلى مدين آخر ومن ثمّ يعرف كلّ من التقنين المدنيّ الألمانيّ. م 1414. 1419. وتقنين الالتزامات السويسريّ. م 175. 183. إلى جانب حوالة الحقّ حوالة الدَين(1). هذا ما أردنا نقله هنا من مقاطع من عبائر السنهوريّ بنصّها.


(1) الوسيط 3: 414. 419 الفقرة 237 ـ 239.
31

حوالة الدَين مقارناً للقانون الوضعي:

وفي فقهنا الإسلاميّ يوجد باب باسم باب الحوالة، ويقصدون بالحوالة حوالة الدَين. أمـّا اصطلاح حوالة الحقّ فلم يرد في فقهنا، فقد يتراءى في النظر ـ على هذا الأساسـ أنّ الفقه الإسلاميّ عرف حوالة الدين بين الأحياء ولم يعرف حوالة الحقّ خاصّة إذا نظرنا إلى الفقه السنّي الذي لا يعترف ـ في غالب مذاهبه ـ ببيع الدَين أو هبته، إلّا في المذهب المالكيّ في الجملة(1).

وهذا شيء غير ممكن أن يقع في فقه مّا على رأي الدكتور السنهوريّ، وإلّا كان هذا بدعاً في تطوّر القانون ـ على حدّ تعبيره ـ وذلك لأمرين:

أحدهما: أنّه من غير الطبيعي أن يعرف نظام قانونيّ حوالة الدَين قبل أن يعرف حوالة الحقّ، لما مضى من أنّ رابطة الالتزام بالمدين أشدّ وأقوى منها بالدائن، وشخصيّة المدين أخطر في هذه الرابطة من شخصيّة الدائن.

وثانيهما: أنّه من غير الطبيعي أن يسلّم نظام قانونيّ بانتقال الدَين بين الأحياء من مدين إلى آخر وهو لم يعترف بانتقاله بسبب الموت، لأنّ تصوّر قيام الوارث مقام الميّت أسهل من تصوّر قيام شخص مقام من هو حيّ يرزق ـ كما مضى ـ والإسلام لا يعترف بانتقال ديون الميّت إلى الوارث.

وهنا يواجه الدكتور السنهوري فتاوى الفقهاء الاسلاميّين الذين أفتوا بحوالة الدَين فيما بين الأحياء، بينما لم يفتوا بانتقال الدَين بالموت إلى الوارث، ولا بحوالة الحقّ إلّا في المذهب المالكيّ الذي اعترف به في الجملة ـ على حدّ تعبيره ـ وطبعاً هو ينظر إلى فتاوى فقهاء العامّة وليس على اطّلاع من فتاوى فقهاء الشيعة.


(1) راجع الوسيط 3: 421 و 434 ـ 437 الفقرة 240.
32

ويتصدّى لتوجيه هذه الفتاوى وتفسيرها بالنحو الذي لا يعارض ما ذكره من عدم إمكان معرفة حوالة الدَين قبل معرفة حوالة الحقّ، وعدم إمكان معرفة انتقال الدَين بين الأحياء قبل معرفة انتقاله بالموت، ويقيم بعض الشواهد على تفسيره، وهو يأخذ الرأي الإسلاميّ من كتب السنّة كما قلنا، ويستخلص من كلامه حول الموضوع ما يلي:

إنّ حوالة الحقّ بين الأحياء لم يعترف بها أحد من المذاهب الأربعة عدا المذهب المالكيّ،حيث أقرّهافيمايسمّيه بهبة الدَين وببيع الدَين ضمن بعض الشروط. أمـّا المذاهب الثلاثة الاُخرى فلا تجيز بيع الدَين أو هبته من غير من هو عليه.

وأمـّا حوالة الدَين فإن فرضت حوالة على البريء فهي ممّا لا تعترف به المذاهب الثلاثة، أي غير المذهب الحنفي، فالذي يبقى مورداً للبحث عن أنّه هل يخالف سلّم التطوّر المفروض في الفقه أوْ لا؟ إنّما هي الحوالة على البريء في الفقه الحنفيّ، والحوالة على المدين في كلّ المذاهب الأربعة.

على أنّ المعترفين بالحوالة منهم من يُرجع ـ في الحقيقة ـ الحوالة إلى باب الضمان(1) كزفر من الحنفيّين، حيث يفسّرها بضمّ ذمّة المحال عليه إلى ذمّة المدين في المطالبة، فهذا أيضاً يخرج من موضوع البحث، لأنّ الدَين لم ينتقل في الحقيقة إلى المحال عليه، وغاية الأمر أنّ الدائن له حقّ مطالبة المحال عليه كما له حقّ مطالبة المدين كما هو الحال في باب الضمان(2).

ومنهم من يفسّر الحوالة بمعنى انتقال المطالبة وحدها دون الدَين من المدين إلى المحال عليه، كما قال به محمّد من الحنفيّين، وهذا أيضاً خروج عن موضع البحث، لأنّ الدَين لم ينتقل، فلو أراد المدين أن يقضي الدَين لا يكون متبرّعاً، لأنّه لا زال مديناً وليس من حقّ الدائن الامتناع من الاستيفاء. ولو أبرأ الدائن المحال عليه لا يسقط بهذا دَينه، ولا يرجع المحال عليه على المدين ولو كانت الحوالة بأمره، لأنّ الدائن لم يبرئ المحال عليه من الدَين، بل من مجرّد المطالبة ولو توى الدَين عند المحال عليه بمثل الموت أو الفلس أو الإنكار مع عدم البيّنة عادت المطالبة إلى المدين، فيرجع عليه الدائن بالدَين نفسه لا بالضمان، بينما لو كان الدَين قد انتقل إلى المحال عليه لما كان للدائن الرجوع بنفس الدَين، وإنّما كان يرجع عليه بعنوان ضمان الدَين التالف.


(1) عبّر السنهوري هنا بالكفالة، ومقصوده هو ما نسمّيه بالضمان.
(2) هذا جريٌ على ما هو المنسوب إلى المشهور في فقه السنّة من أنّ الضمان ضمّ ذمّة إلى ذمّة، خلافاً لما عند الشيعة من أنـّه نقل من الذمّة إلى ذمّة اُخرى.
وأظنّ أنّ واقع مقصودهم هو ضمّ عهدة إلى عهدة لا الذمّة بمعناها الدقيق الذي شرحناها في ما سبق، فلا يرد عليهم ما جاء في الجواهر من الاستشكال في تصوّر شغل ذمّتين فصاعداً بمال واحد. راجع الجواهر 26: 113، أوّل كتاب الضمان.
33

والخلاصة: أنّ الحوالة على هذا المسلك راجعة أيضاً إلى الضمان(1)، إلّا أنّه ضمان محوّر يختلف عن الضمان العادي، لأنّ الضمان العادي يكون الدائن فيه بالخيار إن شاء طالب المدين الأصليّ، وإن شاء طالب الضامن، بينما في المقام يطالب أوّلا المحال عليه، فإن توى الدين عنده طالب المدين.

فالذي يبقى مورداً للبحث إنّما هو ما جاء في مثل رأي أبي حنيفة وأبي يوسف من تفسير الحوالة بانتقال الدَين من ذمّة المدين إلى ذمّة المحال عليه، وهذا أيضاً يجب صرفه عن معنى الحوالة. بمحتواها الدقيق إلى طريقة التجديد، ولا يصحّ حمله على حوالة الدَين كما يشهد لذلك أمران ـ والاستشهاد بثاني الأمرين على المطلوب هو صريح كلام السنهوري، والاستشهاد بالأمر الأوّل يظهر من بعض عبائره ـ وهما ما يلي:

1 ـ في غير المذهب الحنفيّ لم يعترف بالحوالة على البريء، وإنّما الموجود فيها بالنسبة للبريء هو الضمان(2). أفلا يعني هذا أنّ ما اعترفوا به من الحوالة على المدين إنّما قصدوا بذلك أنّ المدين يوفي عن طريق ما يسمّى بالحوالة الدَين الذي عليه للدائن بالحقّ الذي له في ذمّة المحال عليه؟ فهو بدلا من أن يستوفي حقّه من المحال عليه ثمّ يوفي بهذا الحقّ الذي استوفاه الدَين الذي عليه للدائن يختصر هاتين العمليّتين في عمليّة واحدة، فيقضي الدَين الذي عليه بالحقّ الذي له دون أن يستوفي شيئاً من مدينه أو يوفي شيئاً لدائنه، بل يقتصر على أن يحيل دائنه على مدينه، وذلك لا يعني الاعتراف بفكرة الحوالة بمعناها الدقيق، وإلّا لاعترفوا بها في الحوالة على البريء، ففيها تتجلّى الحوالة بالمعنى الدقيق لا في الحوالة على دَين المدين الراجعة إلى لون من الوفاء يفسّر على أساس التجديد بتغيير المدين.

2 ـ أنّه سواء تكلّمنا على المذهب الحنفي أو غيره فالتأمينات التي كانت على الدَين المحال به من قِبل المدين المحيل تنقضي، بينما لو كان هذا انتقالا للدَين نفسه لا تجديداً بتغيير المدين لانتقل مع الاحتفاظ بما لَه من تأمينات(3).

ويستبعد أيضاً السنهوري إرجاع الحوالة على المدين إلى حوالة الحقّ بأن يفترض أنّ المحيل ـ في الحقيقة ـ قد نقل الحقّ الذي كان له على المحال عليه إلى دائنه، ويستشهد لهذا الاستبعاد بوجوه، وبحثه في هذا الجانب وإن كان في فرض المذاهب الثلاثة الاُخرى غير المذهب الحنفي ولكن بعض تلك الشواهد ـ على الأقلّ ـ مشترك في الحقيقة بين المذاهب الأربعة، وهي كما يلي:


(1) عبّر السنهوري بالكفالة.
(2) عبّر السنهوري بالكفالة.
(3) راجع الوسيط 3: 421. 433 الفقرة 240.
34

1 ـ أنّ تأمينات دَين المحال عليه التي كانت للمحيل لا تنتقل إلى دائن المحيل.

2 ـ لو كان للمحال عليه عذر به يمتنع عن أداء الدَين إلى المحيل ولم يكن ذاك العذر راجعاً إلى مجرّد علاقة الدائنيّة والمديونيّة لم ينتقل في صريح بعض الفتاوى العذر مع انتقال الدَين إلى المحال. وجاء في الوسيط في التعليق الموجود تحت الخطّ مثال ذلك كما يلي:

جاء في كتاب المهذّب: وإن أحال البائع رجلا على المشتري بالألف ثمّ ردّ المشتري المبيع بعيب لم تبطل الحوالة وجهاً واحداً، لأنّه تعلّق بالحوالة حقّ غير المتعاقدين وهو الاجنبيّ المحتال، فلم يجز إبطالها.

3 ـ لو كان هذا الحقّ قد انتقل إلى الدائن المحال وكان المحال عليه معسراً وقت الحوالة أو أعسر بعد ذلك فقد كان ينبغي أن يضمن المدين المحيل الدَين لدائنه، بينما الذي يظهر من الفتاوى أنّ المدين لا يضمن إعسار المحال عليه.

4 ـ ولو كان مقدّراً لهذا الحقّ أن ينتقل إلى الدائن ولكن لم يتمكّن المدين من نقله كأن كان الحقّ ثمناً لمبيع استحقّ أو كان وديعة فهلكت فقد كان ينبغي أن يعتبر الدائن غير مستوف لدينه، أو أنّ الحقّ لم ينتقل إليه، فيبقي الدائن دَينه في ذمّة المدين، ولكن هذا الحكم لا يظهر في وضوح من النصوص(1).

أقول: الشاهد الرابع نقلته بنصّه، وكأنّ مقصوده بكون الحقّ ثمناً لمبيع استحقّ هو أنّ المحال عليه كان قد اشترى من المحيل شيئاً بثمن ولم يكن قد أدّى الثمن فحوّل البائع دائنه على هذا الثمن ولكن تبيّن أنّ الثمن قد استحقّه المحال عليه بسبب من أسباب انفساخ البيع كالتلف قبل القبض مثلا، فلو كان هذا عبارة عن حوالة الحقّ بالمعنى الدقيق للكلمة للزم أن تكون الحوالة باطلة، إذ ظهر أنّها حوالة على ثمن خياليّ لا واقع له، أفلا يعني فرض عدم بطلانها أنّه لم يحوّل في المقام نفس الحقّ وإنّما اُحدث حقّ جديد بين الدائن والمحال عليه.

أمـّا مثال الحوالة على الوديعة التي تلفت فخروج عن المقام، لأنّها حوالة على عين خارجيّة لا على إنسان كي نبحث عن أنّ هذا هل هو حوالة حقّ بالمعنى الدقيق للكلمة أو إنهاءٌ لحقّ وتجديد لحقّ آخر؟ فواقع الأمر ليس هذا ولا ذاك، بل هو محاولة لأداء الدَين بعين خارجيّة انكشف تلفها، فالمفروض كون الأداء باطلا على كلّ تقدير.


(1) راجع الوسيط 3: 430. 431 الفقرة 240.
35

بل أنّ مسألة عدم اعتبار الدائن غير مستوف لدَينه في مثال حوالته على ثمن المبيع أيضاً لا تصلح شاهداً على عدم حوالة الحقّ، فإنّه حتّى لو لم يفرض إرجاع الثمن إلى الشخص الثالث حوالة للحقّ بالمعنى الدقيق للكلمة وفرض أنّ واقع المطلب إنهاء دَين المحيل ودَين المحال عليه وإيجاد دَين جديد لصالح المحال فلا شك في أنّ إنهاء دَين المحيل كان مشروطاً بإيجاد الدَين الجديد في صالح المحال المشروط بدوره بثبوت الثمن على المحال عليه، فعدم إمكان نقل ذلك إلى المحال يؤدّي ـ لا محالة ـ إلى رجوع المحال إلى المحيل. إذن فالإفتاء بعدم رجوعه اليه ـ لو تمّ ـ يكون ذلك حياديّاً تجاه مسألتنا، وهي كون المقام من حوالة الحقّ وعدمه.

وبهذا يظهر أنّ الشاهد الثالث أيضاً حياديّ تجاه بحثنا، فإنّ المفروض أن يضمن المحيل الدَين لدائنه عند إعسار المحال عليه على كلّ حال، أي سواء تصوّرنا في المقام حوالة الحقّ أو لا فإنّ الرضا بسقوط دَين المحيل ـ على أيّ حال ـ كان مشروطاً بعدم إعسار المحال عليه. أمـّا إذا لم يكن مشروطاً بذلك فالمفروض سقوط دَينه وعدم الضمان على كلّ حال، فهذه المسألة حياديّة تجاه مسألتنا.

والشاهد الثاني أيضاً لا يكفي في نفي حوالة الحقّ في المقام، لأنّ العذر المانع عن أداء الدَين ليس ارتباطه بالدَين فقط بل له نسبة إلى الدائن أيضاً، إذ قد صار عذراً عن أداء الدَين لهذا الدائن، وعندئذ يجب أن يرى أن نسبته إلى كلا الدائنَين هل هي على حدّ سواء أو أنّ هناك فرقاً بين الدائنَين جعله عذراً تجاه أحدهما دون الآخر؟ فلو أفتى أحد بأنّ المشتري لو ردّ المبيع بعيب لم تبطل الحوالة فلعلّه يعتقد أنّ العيب إنّما يؤثّر في الامتناع تجاه البائع، ولا يؤثّر في الامتناع تجاه إنسان أجنبيّ تعلّق حقّه بسبب الحوالة بالثمن.

ومن هنا يظهر أنّ الشاهد الأوّل أيضاً لا أثر له في المقام، فإنّ التأمينات لها علاقة بالدائن كما لها علاقة بالدَين، فقد يقال: إنّ التأمينات إنّما وضعت لدَين مّا تجاه دائن مّا، فإذا تبدّل الدائن لم يكن من الضروري تحوّل التأمينات إلى الدائن الجديد.

وأمـّا ما استدلّ به على نفي كون ما تعارف ذكره في الفقه الإسلاميّ من الحوالة عبارة عن حوالة الدَين بدقيق معنى الكلمة وهو أيضاً عبارة عن التأمينات بدعوى أنّ التأمينات لا تبقى على حالها لدى تبدّل المدين، وهذا يعني أنّ الدَين السابق انتفى ووجد دَين جديد، إذ لو كان نفس الدَين السابق قد انتقل إلى شخص آخر لكان يحتفظ الدَين بتأميناته.

36

فالجواب على ذلك: ما أفاده اُستاذنا الشهيد (رحمه الله) من أنّ التأمينات تجعل عادةً على دَين مّا وبلحاظ مدين مّا. أمـّا لو تبدّل المدين إلى شخص آخر فقد لا يرى الدائن حاجة إلى فرض تأمينات بالقياس له. نعم، لا مانع من افتراض النصّ منذ البدء على أنّ هذه التأمينات هي تأمينات على ذات هذا الدَين أينما حلّ، ومع هذا النصّ لا نتحاشى من ثبوت التأمينات على حالها، ولا يشترط في الرهن مثلا أن يكون ملكاً للمدين.

وأمـّا ما يظهر من بعض عبائر الوسيط كشاهد آخر على نفي كون ما سمّي بالحوالة في الفقه الإسلامي حوالة للدَين بالمعنى الدقيق للكلمة، وذلك في غير الفقه الحنفي من أنّهم لم يعترفوا بالحوالة على البريء، وخصّوا الحوالة بالحوالة على المدين، وهذا يعني أنّهم يقصدون بالحوالة الوفاء، وبما أنّه لا معنى للوفاء في البريء ولذا خصّت الحوالة بالحوالة على المدين، والحوالة بالمعنى الحقيقي لا تكون إلّا في الحوالة المطلقة، أي غير المقيّدة بالدَين، وتخريج الحوالة التي ذكروها إنّما هو تجديد الدَين لا المعنى الدقيق لحوالة الدَين، فهذا كلام لا محصّل له، فإنّ فرض كون الحوالة على المدين وفاءً حياديّ تجاه تفسيرها بالمعنى الدقيق للحوالة وتفسيرها بمعنى تجديد الدين، ولئن كان تفسيرها بمعنى الحوالة يؤدّي إلى الاستفهام عن أنّها لماذا تخصّ بالمدين؟ كذلك تفسيرها بتجديد الدَين يؤدّي إلى نفس الاستفهام، وهو أنّه لماذا تخصّ بالمدين؟

نعم، لو كان عنوان الوفاء عنواناً مستقلاًّ بنفسه لا يفسّر على أساس الحوالة ولا على أساس تجديد الدَين لكان لاختصاص ذلك بالمدين دون البريء وجـه بأن يقال: إنّ المدين إنّما يوفي دَينه بما يملكه لا بمال إنسان بريء مثلا، ولكن السنهوري نفسه لم يفترض أنّ عنوان الوفاء بنفسه عنوان مستقلّ غير محتاج إلى تكييف، بل فرضه محتاجاً إلى تكييف، وذكر أنّ تكييفه يكون بمعنى تجديد الدَين لا الحوالة بمعناها الدقيق، وإذا كان عنوان الوفاء ليس هو التفسير والتكييف الكافيين للمسألة فلا أدري لماذا تكون الحوالة بمعناها الدقيق غير متصوّرة إلّا في الحوالة المطلقة دون الحوالة على الدَين؟!

37

الحوالة على البريء في الفقه الشيعي:

وعلى أيّة حال، فلئن كان أغلب مذاهب السنّة غير معترف بالحوالة على البريء فالمشهور لدى الشيعة ـ على ما جاء في الجواهر(1) ـ هو الاعتراف بها.

وذكر اُستاذنا الشهيد (رحمه الله) بالنسبة لمن ينكر منهم الحوالة على البريء: أنّ هذا الإنكار ليس لأجل الصعوبة في تصوير أصل الحوالة، بل لدعوى أنّ الحوالة على البريء ترجع إلى الضمان، فباب الضمان يختلف عن باب الحوالة بأنّ الحوالة تصدر من المدين إلى من يقع عليه الدَين بعد الحوالة، والضمان بالعكس، فهو شيء يصدر من نفس من يقع عليه الدَين، ويقال: إنّ الحوالة على البريء يرجع روحها إلى الضمان، فإنـّه ـ في الحقيقة ـ يصدر من الذي يقع عليه الدَين بهذه المعاملة التقبّل للدَين، وهذا عبارة عن الضمان، فلا تتصوّر الحوالة على البريء بنحو يفترق عن الضمان، هذا ما يذكر في المقام. وهذا ـ كما ترى ـ غير مربوط بصعوبة أصل تصوير الحوالة. والحقّ: أنّ الحوالة على البريء أيضاً صحيحة ولا ترجع إلى باب الضمان على تحقيق موكول إلى محلّه(2). انتهى ما أردنا نقله من اُستاذنا الشهيد (رحمه الله).

ولعلّه ينظر (رحمه الله) في تصحيحه للحوالة على البريء من دون رجوع إلى باب الضمان إلى ما ذكره في الجواهر من أنّ إنشاء الضمان يكون في باب الضمان من الضامن، وفي باب الحوالة من المحيل، غاية الأمر أنّه يفرض اشتراط رضا المحال عليه بما أنشأ المحيل من الحوالة، وهذا غير إنشاء الضمان منه مباشرة.

اختلاط التصوّرات عند. السنهوري. في باب الحوالة:

وأمّا أصل ما ذكره السنهوري من كون تصوير حوالة الدَين أصعب من تصوير حوالة الحقّ وتحميله لهذا الأمر على الفقه الإسلامي وأنّه لا يمكن للفقه الإسلامي معرفة حوالة الدَين قبل معرفة حوالة الحقّ فهذا ـ كما ذكره اُستاذنا الشهيد (رحمه الله) ـ خلط بين تصوّرات الفقه الغربي وتصوّرات الفقه الإسلامي فلئن واجه الفقه الغربي مشكلة من هذا القبيل على أساس أنّه يرى الدَين عبارة عن الالتزام ـ وهو خيط بين الدائن والمدين ـ لا مالا موجوداً في ذمّة المدين وعندئذ يصعب عليه تصوّر تبديل أحد طرفي الالتزام لأنّ الالتزام متقوّم بطرفيه فالفقه الإسلامي من أساسه لا يواجه مشكلة كهذه، لأنّه يرى أنّ الدَين مالٌ موجود في ذمّة المدين يتصوّر النقل والانتقال فيه على حدّ تصوّرهما في المال الخارجيّ.


(1) راجع الجواهر 26: 165.
(2) من تقرير غير مطبوع لنا لبعض أبحاثه (رحمه الله).
38

فحوالة الدَين عبارة عن نقل المال من مكان إلى مكان، أي من ذمّة إلى ذمّة. وحوالة الحقّ عبارة عن تبديل مالك هذا المال الموجود في الذمّة. وهذان أمران لا يرتبط أحدهما بالآخر، ويجوز للفقه أن يتصوّر أحدهما دون الآخر، سواء كان ما تصوّره عبارة عن حوالة الحقّ دون حوالة الدَين، أو بالعكس.

أمّا عدم اعتراف الإسلام بانتقال الدَين في باب الموت إلى الورثة مع اعترافه بانتقال الحقّ إليهم فليس بسبب ما يقوله السنهوري من أنّ تصوّر انتقال الدَين أصعب من تصوّر انتقال الحقّ، وإنّما هو بسبب ما قاله اُستاذنا الشهيد (رحمه الله) وهو:

أنّ الإسلام يرى أنّ الدَين عبارة عن مال موجود في الذمّة، وليس عبارة عن الالتزام كما جاء في الفقه الغربي، ويرى أنّ ذمّة الشخص لا تموت بموت الشخص، فإنـّها وعاء اعتباري قابل للبقاء حتّى بعد الموت، ولذا لا حاجة إلى قيام المورّث مقام الوارث في الدَين، فإنّ الوارث إنّما يقوم مقام المورّث في ما يكون المورّث ميّتاً بلحاظه، وهذا هو الحال بلحاظ أمواله الخارجيّة وبلحاظ ما كان يطلبه من غيره، ولذا عرف الفقه الإسلامي انتقال الحقّ في باب الإرث.

وأمّا بلحاظ الديون الثابتة على الميّت فذمّة الميّت باقية على حالها ما لم يوفّ دينه، ولا مجال لقيام الوارث مقامه، ويوفّى دينه من تركته ثمّ يورّث المال كما قال تعالى: ﴿ من بعد وصيّة يوصى بها أو دين ﴾ (1)، وعلى هذا الأساس لا يقول الإسلام بما جاء في الفقه الغربي من انتقال ديون الميّت إلى الورثة وأدائهم إيّاها بمقدار ما ورثوه من التركة، بل يقول: إنّ دَين الميّت لا علاقة له بالورثة.

والصحيح أنّ التركة تبقى ملكاً للميّت، ويوفّى دينه الثابت في ذمّته بها لا أنّ الدَين يتعلّق بالتركة، وإن لم تفِ تركته بمقدار دَينه بقيت ذمّته مشغولة إلى أن يتبرع عنه متبرع. انتهى كلام اُستاذنا الشهيد (رحمه الله).

مع مصطفى الزرقاء:

هذا، وذكر الاُستاذ مصطفى الزرقاء أنّ حوالة الحقّ وحوالة الدَين ثابتتان معاً في الفقه الإسلامي في حوالة المدين دائنه على دَين مدين له، لأنّه تتحقّق بهذه حوالة الدائن وحوالة المدين في وقت واحد، فلو حوّل زيد دائنه وهو عمرو على مدين له وهو بكر فقد حوّل زيد المدين لعمرو دَينه على بكر، وهذه هي حوالة الدَين. وفي نفس الوقت قد حوّل زيد الدائن لبكر حقّه إلى عمرو فأصبح عمرو هو الدائن لبكر بدلا عن زيد، وهذه هي حوالة الحقّ(2).


(1) النساء: 12.
(2) راجع كتاب الفقه الإسلامي في ثوبه الجديد 3: 75. 78 الفقرة 32. 33.
39

وأورد على ذلك اُستاذنا الشهيد (رحمه الله) بأنّ هذه الحوالة لا يمكن أن تكون حوالة دَين وحوالة حقّ في وقت واحد، بل يجب إمّا أن تكون حوالة دين فقط أو تكون حوالة حقّ فقط. فزيد إمـّا أن يحوّل الدَين الذي في ذمّته لعمرو على بكر استيفاءً لحقّه الذي له على بكر، وهذه هي حوالة الدَين الموجود في ذمّة زيد على بكر، أمـّا الدَين الذي يطلبه زيد من بكر فقد سقط. وإمـّا أن يحوّل الحقّ الذي له في ذمّة بكر إلى عمرو وفاءً لدَينه، وهذه هي حوالة الحقّ، وبهذا سقط الدَين الذي كان في ذمّته لعمرو.

وأمـّا إذا افترضنا أنّ هذه حوالة دَين وحوالة حقّ في وقت واحد فهذا يعني أن يكون كلا الدَينين ثابتين لعمرو على بكر، لأنّ الدَين الذي كان له على بكر حوّله لعمرو فملكه عمرو بحوالة الحقّ، والدَين الذي كان عليه لعمرو حوّله على بكر، فهو ما زال ملكاً لعمرو يستوفيه من بكر، وهذا يعني أن يأخذ عمرو المال من بكر مرّتين، وهو واضح البطلان(1).

ملكيّة المنافع:

وأمّا ملكيّة المنافع: فلا ينبغي الإشكال عقلائيّاً في اعتبار الملكيّة لها كما تعتبر للأعيان.

وقد نقل المحقّق الإصفهانيّ (رحمه الله) في كتاب الإجارة إشكالين على ملكيّة المنفعة:

الإشكال الأوّل: أنّ منفعة الدار المستقبليّة حين إيجارها مثلا معدومة، والمعدوم لا يملك.

والإشكال الثاني: أنّ منفعة الدار مثلا سكناها، وهي من أعراض الساكن لا من أعراض الدار، وعرض الساكن لو كان مملوكاً فهو ملك لموضوعه وهو المستأجر مثلا الذي يسكن الدار لا مالك الدار الذي لا يسكنها.

وأجاب (رحمه الله) على الإشكال الأوّل بأنّ الملكيّة ليست من الأعراض المقوليّة كي تحتاج إلى محلّ موجود، بل من الاعتباريّات.


(1) من تقرير غير مطبوع لنا لبعض أبحاثه (رحمه الله).
40

وعلى الإشكال الثاني:. أوّلا. بأنّ سكنى الدار كما هو مبدأ لعنوان الساكنيّة المنتزع من ذات الساكن كذلك هو مبدأ لعنوان المسكونيّة المنتزع من الدار كما في كلّ عنوانين متضايفين(1)، وما هو شأن من شؤون الدار وحيثيّاتها الموجودة بوجودها هي حيثيّة المسكونيّة لا حيثيّة الساكنيّة التي هي من أعراض المستأجر، غاية الأمر أنّ حيثيّة المسكونيّة وجودها بوجود الدار على حدّ وجود المقبول بوجود القابل وفعليّتها بفعليّة مضائفها القائم بالمستأجر في مقام الاستيفاء، وشؤون العين قابلة لعروض الملكيّة لها كنفس العين.

( وثانياً. أنّ السكنى التي هي من أعراض الساكن في الدار ـ وهو المستأجر ـ رغم كونها عرضاً للساكن جعل زمام أمرها بيد مالك الدار باعتبار ما لها من نسبة إلى الدار، ولا نعني بالملكيّة إلّا ذلك(2).

أقول: لو كنّا نحن وكلام المحقّق الإصفهاني (رحمه الله) في كتاب الإجارة لعلّه كان يمكننا أن نحمل الجواب الأوّل من جوابيه على أنّ المنفعة المملوكة عبارة عن قابليّة العين للانتفاع وهي قائمة بالعين لا بالمستأجر.

ولكنّه صرّح في رسالته المكتوبة في الحقّ المطبوعة ضمن تعليقته على المكاسب بأنّ المقصود في الجواب الأوّل أنّ منفعة الدار المملوكة هي المسكونيّة الفعليّة المضايفة للساكنيّة وهي المنفعة التدريجيّة، وإلّا فصلاحيّة الدار وقابليّتها للسكنى أمر قارّ ثابت وغير مستوفاة أصلا، بل هي على حالها مادامت الدار باقية على حالها.

ثمّ اختار في تلك الرسالة من هذين الجوابين الجواب الثاني، وأبطل الجواب الأوّل ببيان أنّ الساكن ينتفع بسكناها التي هي عرضٌ قائمٌ بالساكن ولها نسبة إلى الدار، لا بعنوان المسكونيّة المضائف لعنوان الساكن المتأخّر رتبة عن السكنى التي لها نسبة إلى الدار.


(1) هذا تعبيره (رحمه الله) في كتاب الإجارة. أمّا ما ذكره في رسالته في الحقّ المطبوعة ضمن تعليقته على المكاسب ففرض فيه تشابه مبدأي المتضايفَين. ولعلّ هذا هو حاقّ مقصوده أيضاً ممّا جاء في كتاب الإجارة من فرض السكنى مبدأً لهما.
(2) راجع كتاب الإجارة للمحقّق الإصفهانيّ (رحمه الله): 14 و 15، وراجع تعليقته على المكاسب:. و. ( فائدة في تحقيق حقيقة الحقّ ).
41

التخريج العقلائي لملكيّة المنافع:

أقول: إنّ المفهوم عرفاً وعقلائيّاً في المنفعة المملوكة من الدار ليست هي المسكونيّة أو الساكنيّة أو السكنى ونحوها، بل هي قابليّة العين للانتفاع، وهي قائمة بالعين لا بالمنتفع سواء انتفع أحد بها فعلا أو لا، وهذه القابليّة تقدّر عرفاً بالزمان، فتقبل التمليك في حصّة زمانيّة، ولا دليل على ضرورة تدريجيّة المنفعة بمعنىً آخر، ولا نعني باستيفاء هذه القابليّة عدا استثمارها عملا.

نعم، هناك إشكال آخر يمكن إيراده في المقام غير الإشكالين المذكورين اللذين أجاب عليهما المحقّق الإصفهاني (رحمه الله) وهو أن يقال: إنّ قابليّة العين للانتفاع ليست إلّا كسائر شؤون العين وأوصافها من اللون والشكل، وغيرها لا تتحمّل عقلائيّاً ملكيّة اُخرى غير نفس ملكيّة العين. نعم، هي حيثيّة تعليليّة لماليّة العين وتقييمها ورغبة العقلاء في امتلاكها.

والجواب: أنّ قابليّة العين للانتفاع حالها حال سائر أوصاف العين ملكيّتها مندكّة ضمن ملكيّة العين، ولا تعتبر لها ملكيّة مستقلّة، ولكن نفس الملكيّة المندكّة لها تبرّر عقلائيّاً إمكان نقلها إلى الغير بمثل الإيجار، وتفكيكها في عالم الملكيّة عن العين لعدم اللغويّة الموجودة في نقل سائر الصفات، ولدى تفكيكها عن العين في عالم الملكية وإرجاعها إلى مالك آخر تبرز عقلائيّاً ملكيّتها وتنتفي نكتة اندكاكها في ملكيّة العين، ويصبح مالكها غير مالك العين، فالإيجار مثلا سبب عقلائيّ لانفكاك المنفعة عن العين في عالم الملكيّة، كما أنّ مثل استيفائها غصباً أو الحيلولة بينها وبين المالك بمثل حبس العين سبب لانفكاكها عقلائيّاً عن العين في عالم الضمان. هذا حال ملكيّة المنفعة وتمليكها.

وأمّا ملكيّة الانتفاع وتمليكه فالظاهر أنّها عين ملكيّة المنفعة وتمليكها وليسا شيئين، غاية ما هناك أنّه تارةً تملّك المنفعة ـ أو قل الانتفاع ـ بجميع أنحائها المتبادلة من سكنى فلان، أو إسكانه المجانيّ، أو الإسكان بالإيجار وغير ذلك مثلا، واُخرى يملّك نحو واحد من أنحائها وهو سكناه مثلا من دون أن يحقّ له إسكان غيره، ولا بأس بتسمية الأوّل بتمليك المنفعة، والثاني بتمليك الانتفاع، فإنـّه لا مشاحّة في الاصطلاح.

42

تفاسير للمنفعة والانتفاع:

وذكر المحقّق الإصفهانيّ (رحمه الله) (1) عدّة تفسيرات للمنفعة والانتفاع:

التفسير الأوّل: ما فرّعه على الجواب الأوّل من جوابيه اللذين أجاب بهما على إشكال كون سكنى الدار قائمة بالساكن فكيف يملكها مالك الدار؟! وهو الجواب بأنّ المملوك لمالك الدار هي مسكونيّة الدار لا سكنى الساكن، وهذا التفسير هو أنّ منفعة الدار مثلا عبارة عن مسكونيّة الدار وهي الحيثيّة القائمة بالدار، والانتفاع عبارة عن سكنى الساكن التي هي حيثيّة قائمة بالمنتفع. ورأى (رحمه الله) أنّ هذا يوجب إشكالا في العارية التي هي تمليك للانتفاع، لأنّ الانتفاع ـ بناءً على هذا ـ حيثيّة قائمة بالمنتفع وليس ملكاً لمالك العين كي يملّكه بالعارية، وليس حلّ ذلك ـ في نظره (رضوان الله تعالى عليه. ـ أن تفسّر العارية بإباحة الانتفاع إباحة مالكيّة تتبعها الإباحة الشرعيّة؛ لأنّ صيرورة الانتفاع مباحة بالإباحة المالكيّة لا تتوقّف على العارية التي تشتمل على إيجاب وقبول قوليّ أو فعليّ من المنتفع، بل الانتفاع يباح بمجرّد إذن المالك، سواء قبله المستعير أوْ لا، وسواء انتفع بالعين فعلا أوْ لا، وإنّما حلّ ذلك ـ في نظره قدّس سرّه ـ هو فرض العارية عبارة عن اعتبار التسليط، أي التسليط الوضعيّ دون التكليفيّ الذي ليس إلّا إباحة مالكيّة أو شرعيّة، فمن شؤون ملك العين أن يصحّ له تسليط غيره على عينه للانتفاع بها.

هذا بناءً على ما اختاره (رحمه الله) من أنّ الملك ليس عبارة عن اعتبار التسليط بل هو عبارة عن اعتبار الإحاطة والاحتواء. وعلى أيّ حال فقد قال (رحمه الله): «حيث إنّ المعير سلّط المستعير على عينه لا أنّه أعطاه ملكه أو سلطانه فليس له نقل الملك أو السلطنة». وكيف ما كان فهذا التفسير ليس هو مختاراً له (قدس سره) لابتنائه على الجواب الأوّل من الإشكال الماضي على ملكيّة المنفعة.


(1) راجع تعليقته على المكاسب. فائدة في تحقيق حقيقة الحقّ ):. - 9.
43

التفسير الثاني: هو التفسير المختار له، وقد بناه على الجواب الثاني من جوابيه على إشكال ملكيّة المنفعة، وهو أنّ سكنى الدار وإن كانت من أعراض الساكن ولكن بما أنّ لها نسبة إلى الدار ومساساً بها جعلت ملكاً لصاحب الدار، وذاك التفسير هو أنّ منفعة الدار هي طبيعيّ سكناها من دون لحاظ قيامها بزيد أو عمرو، فإذا ملّكها المؤجر للمستأجر فقد ملك طبيعيّ السكنى وهي قابلة للتمليك لآخر لتحقّق هذا الطبيعيّ في مقام الاستيفاء من كلّ أحد، بخلاف العارية الموجبة لملك الانتفاع، فإنـّها تمليك سكنى زيد لزيد مثلا، ولا يعقل استيفاؤها إلّا من زيد، فلذا لا يعقل نقلها من المستعير، قال: وحصول هذه النتيجة بعقد الإجارة مع شرط الاستيفاء بنفسه لا يوجب نفي الفرق بين الإجارة والعارية من هذه الناحية، ولا عدم الفرق بين ملك المنفعة وملك الانتفاع، فإنّ اختلاف الحقيقة بالنظر إلى نفس الذات ومقتضياتها محفوظ كما لا يخفى.

التفسير الثالث: ما نقله عن بعض من أنّ ملك العين وملك المنفعة وملك الانتفاع كلّها تقع على العين وإن اختلفت في الشدّة والضعف، فملك العين أقوى مرتبة من ملك المنفعة، وملك المنفعة أقوى مرتبة من ملك الانتفاع، فإنّ ملك العين عبارة عن ملكها بجميع جهاتها، وملك المنفعة عبارة عن ملك العين من جهة تلك المنفعة ملكيّة مستقلّة، وملك الانتفاع أيضاً عبارة عن ملك المنفعة الراجع إلى ملك العين من تلك الجهة ولكن لا بالاستقلال، ولهذا جاز للمستأجر نقل المنفعة لأنّ ملكه للعين في تلك الجهة كان مستقلاًّ، ولم يجز للمستعير نقل المنفعة، لأنّ ملكه للعين في تلك الجهة ليس مستقلاًّ.

وذكر المحقّق الإصفهاني (رحمه الله): أنّ بعض من عاصره دفع بهذا الوجه إشكال معدوميّة المنفعة وعدم تعلّق الملك بالمعدوم، وإشكال كون المنفعة عرضاً من أعراض المستأجر ولا يملكه المؤجر، حيث قد عرفت أنّ المنفعة ليست هي المملوكة حتى يرد هذان الإشكالان، بل العين هي المملوكة في مدّة خاصّة لجهة مخصوصة.

44

وأورد المحقّق الإصفهاني (رحمه الله) على هذا الوجه بإيرادين:

أحدهما: أنّ الملك ليس عرضاً قابلا للشدّة والضعف، أو اعتبار عرض كذلك، وإنّما المملوك يقبل السعة والضيق من دون أن يوجب الضيق والسعة في المملوك للضعف والشدّة في الملك، وكذلك كون المعير مسلّطاً على ردّ ملكه لا يوجب ضعفاً في ملكيّة المستعير كما لوثبت للمالك الأوّل حقّ ردّ العين أو المنفعة من مالكها الثاني شرعاً أو بجعل منهما، فإنّ هذا لا يوجب ضعفاً في ملكيّة المالك الثاني.

وثانيهما: أنّه حتى لو فرض قبول الملك للشدّة والضعف فهذا لا يصحّح اجتماع ملكين على مملوك واحد، فإن فرض المستأجر مالكاً للعين من جهة المنفعة والمؤجر مالكاً للعين من باقي الجهات وقصد بذلك حقّاً مالكيّة المستأجر لتلك الجهة لا للعين حقيقة بحيث كانت نسبة الملك إلى العين من باب الوصف بحال المتعلّق، فهذا رجوع مرة اُخرى إلى افتراض ملكيّة للمنفعة التي هي غير ملكيّة العين، ولم يندفع به شيء من المحاذير.

وإن قصد بذلك حقّاً أنّ كلا الملكين متعلّقان بذات العين وإن اختلفا في الجهة لزم اجتماع ملكيّتين على عين واحدة، فإن كان الملك عرضاً لزم قيام عرضين متماثلين بموضوع واحد، وقوّة العرض وضعفه لا يخرجه عن التماثل المانع عن الاجتماع، وإن كان اعتباريّاً فالعقلاء لا يعتبرون ملكيّتين على عين واحدة، هذا بالنسبة لملك العين وملك المنفعة.

أمـّا بالنسبة للاستقلال وعدمه في ملك المنفعة وملك الانتفاع، فإن كان المقصود بذلك الفرق بين الإجارة والعارية بأنّ مالك العين في باب الإجارة يقتصر ملكه للعين على باقي الجهات غير الجهة التي أجّرها لتلك الجهة وملك المستأجر للعين يكون من تلك الجهة بينما في باب العارية يكون ملك المالك للعين ثابتاً لها من كلّ الجهات بما فيها تلك الجهة التي ملّك العين للمستعير من تلك الجهة فملك المستعير للانتفاع ملك غير مستقلّ لزم من ذلك ما قلناه من اجتماع ملكين على عين واحدة، وهما ملك المعير وملك المستعير، وهو غير مقبول عقلا إن كان الملك عرضاً، وعقلائيّاً إن كان الملك اعتباراً لعرض كما مضى.

45

وإن كان المقصود أنّ الملك من الجهة المعار لأجلها منسوب إلى مجموع المعير والمستعير بأن يكونا معاً طرفاً واحداً للملكيّة فهما بمنزلة مالك واحد لئلاّ يلزم ورود ملكين على عين واحدة، فهذا وإن كان معقولا في الاعتبارات فيعقل بناءً على كون الملك اعتباراً لا عرضاً مقوليّاً، إلّا أنّه هنا غير معقول، لأنّ المفروض أنّ المعير مالك للعين بباقي جهاتها من دون شريك في طرفيّته للملكيّة، وإنّما له الشريك في الطرفيّة لملك العين في هذه الجهة الخاصّة، فلزم أيضاً ورود ملكين على عين واحدة، وهو غير صحيح عقلائيّاً.

أقول: لو سلّمنا أنّ العارية عقد مملّك وليس إباحة تصرّف فبالإمكان افتراض كون المعير والمستعير مالكَين للعين من تلك الجهة ملكيّتين طوليّتين، أو مالكَين للمنفعة ملكيّتين طوليّتين، واجتماع ملكين طوليّين على مملوك واحد ليس باطلا عقلائيّاً كما هو في ملك المولى لأموال العبد ـ بناءً على الإيمان بمالكيّة العبد لأمواله ـ.

ولو لم نسلّم أنّ العارية عقد مملّك فبالإمكان أن نمثّل لتمليك الانتفاع بدلا عن التمثيل بالعارية بافتراض إعطاء حقّ الانتفاع لشخص في مقابل ثمن، فهذا عقد مملّك بلا إشكال، وهو يختلف عن إيجار العين بالشكل المتعارف، وهنا لا تتصوّر الملكيّتان الطوليّتان؛ لأنّ جهة الانتفاع خرجت من اختيار مالك العين.

وعلى أيّ حال فالصحيح ما ذكرناه من أنّ منفعة العين المملوكة لمالك العين عرفاً وعقلائيّاً هي قابليّة العين للاستفادة، والانتفاع عبارة عن نفس تلك الاستفادة، وملك المنفعة وملك الانتفاع شيء واحد مع الفرق في سعة وضيق دائرة المملّك.

وأمّا إذا آجر العين واشترط على المستأجر عدم النقل إلى غيره وعدم إسكان الغير فهذا الشرط إن قصد به تضييق دائرة المملّك رجع الأمر إلى تمليك منفعة خاصّة وهي خصوص قابليّتها لسكن زيد مثلا، أو سمّه بتمليك الانتفاع. وإن لم يقصد به تضييق دائرة المملّك بل قصد به مجرّد الشرط بمعنى أنّه لو خالف لم تكن مخالفته غصباً وإن حصل للمؤجر خيار الفسخ، لم يرجع ذلك إلى ما قد يسمّى بتمليك الانتفاع، هذا لو أمكن تصوّر هذين القسمين، وعليه، ينبني ما مضى من المحقّق الإصفهاني من أنّ شرط الاستيفاء بنفسه لا يعدم الفرق بين ملك المنفعة وملك الانتفاع، ولكن الظاهر أنّ تصوّر هذين القسمين مشكل، وأنّ هكذا شرط يعود في واقعه إلى التضييق.

هذا تمام كلامنا في بحث ملك المنفعة.