٥۷۹

صلاته، وعليه أن يؤدّيه بعد الفراغ من الصلاة مع سجدتي سهو (۱)، على ما يأتي توضيحه في باب الخلل.

وإذا نسي التشهّد في الركعة الثانية ونهض للركعة الثالثة ثمّ تذكّر فماذا يصنع؟

الجواب: إذا تفطّن قبل أن يركع ركوع الركعة الثالثة رجع إلى التشهّد وجلس؛ وتشهّد وقام للركعة الثالثة، وألغى ما كان قد أتى به من واجباتها قبل أن يتفطّن. وإذا لم يتفطّن إلّا بعد أن ركع مضى في صلاته وأدّى بعد إكمالها ما نسيه من التشهّد(۲) مع سجدتي سهو.

الشكّ:

(۱۳۷) إذا وجد المصلّي نفسه جالساً بعد السجدة الثانية؛ وشكّ أنّه هل تشهّد أو بعد لم يتشّهد؟ فعليه أن يتشهّد، وإذا نهض للركعة الثالثة وفي حالة النهوض شكّ في أنّه تشهّد أوْ لا، فعليه أن يرجع ويتشهّد، وإذا حصل له هذا الشكّ بعد أن


(۱) هذا الحكم مبنيّ على الاحتياط، والاكتفاء بالقضاء في التشهّد الثاني محتمل احتمالاً قويّاً.
هذا فيما إذا تذكّر فوت التشهّد بعد صدور المنافي الذي ينافي الصلاة حتّى لدى صدوره سهواً، كمحو صورة الصلاة أو استدبار القبلة. أمّا إذا تذكّر الفوت بعد السلام وقبل صدور شيء من هذا القبيل منه ففي الواقع لم يفته التشهّد وإنّما وقع منه السلام في غير محلّه، فيتشهّد ويسلّم ويسجد سجدتي السهو للسلام الذي وقع في غير محلّه.
وكذلك الحال فيما لو نسي السجدة أو السجدتين من الركعة الأخيرة وتذكّر بعد السلام وقبل الإتيان بالمنافي الذي ينافي الصلاة حتّى في حالة السهو فعليه أن يرجع إلى ما نسيه من السجدة، ويتمّ الصلاة ثمّ يسجد سجدتي السهو للسلام الأوّل الواقع في غير محلّه.
(۲) قضاء التشهّد الأوّل للصلاة المشتملة على تشهدين مبنيّ على الاحتياط.
٥۸٠

وقف قائماً مضى. وكذلك إذا بدأ بالتسليم الواجب في الركعة الأخيرة وشكّ في أنّه هل تشهّد، أوْ لا؟

وإذا تشهّد وشكّ بعد الفراغ من التشهّد أو من جزء منه في أنّه هل أتى به صحيحاً أو لا فليس عليه أن يعيده.

الآداب:

(۱۳۸) يستحبّ للمتشهّد أن يقول قبل البدء بالتشهد: « الحمد لله »، أو يقول: « بسم الله وبالله، والحمد لله، وخير الأسماء لله »، أو يقول: « الأسماء الحسنى كلّها لله ». ويستحبّ له بعد الصلاة على النبي أن يقول: « وتقبّل شفاعته وارفع درجته »، والأفضل أن يضع يديه على فخذيه منضمّة الأصابع خلال التشهّد.

التسليم:

(۱۳۹) وهو آخر واجبات الصلاة، وموضعه بعد التشهّد من الركعة الأخيرة في كلّ صلاة، وبه يخرج المصلّي من الصلاة، ويحلّ له ما كان محرّماً عليه من كلام وضحك، وغير ذلك ممّا سيأتي استعراضه في مبطلات الصلاة من فصل الأحكام العامّة للصلاة.

فإذا كانت الصلاة ذات ركعتين تشهّد وسلّم في الثانية، وإن كانت ثلاثيةً تشهّد وسلّم في الثالثة، وإن كانت رباعيةً تشهّد وسلّم في الرابعة.

وللتسليم صيغتان: إحداهما: « السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين ». والاُخرى: « السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ». ويُخيّر المصلّي بين الصيغتين؛ فأيّتهما قرأ فقد أدّى ماوجب عليه وخرج من الصلاة.

والأفضل استحباباً الجمع بين الصيغتين معاً، على أن يقدّم الاُولى على

٥۸۱

الثانية ويقول هكذا: « السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ».

وفي حالة الجمع تقع الصيغة الاُولى واجبة، والصيغة الثانية مستحبة. وإذا قرأ أوّل ما قرأ الصيغة الثانية تكون هي الواجبة، ولا يُطلَب منه بعدها أن يأتي بالصيغة الاُولى.

ولو اكتفى المصلّي في التسليم بقول: « السلام عليكم » من الصيغة الثانية ولم يقل التتمّة ولا الصيغة الاُولى صحّت صلاته أيضاً.

وكلّ شرط لازم في التشهّد فهو كذلك في التسليم، جلوساً واطمئناناً، وعربيةً، وترتيباً، وموالاةً. وأيضاً يجري على الجاهل والعاجز هنا ما يجري عليه هناك. ويجوز الجهر بالتسليم كما يجوز الإخفات به.

الخلل:

(۱٤٠) إذا نسي التسليم ثمّ تفطّن إليه ففي ذلك حالات:

الاُولى: أن لا يكون قد صدر منه قبل تفطّنه إلى نسيانه أيّ شيء ممّا يبطل الصلاة، وفي هذه الحالة يأتي بالتسليم؛ وتصحّ صلاته بذلك إذا لم تكن قد مضت فترة طويلة من الزمن قبل انتباهه، وإلّا فلا حاجة به إلى تسليم؛ وتصحّ صلاته.

الثانية: أن يكون قد صدر منه ما يبطل الصلاة من القسم الأول، وهو ما لا يبطلها إلّا في حالة العمد والالتفات، لاحظ الفقرة (۱۳۱)، وعليه في هذه الحالة أن يأتي بالتسليم؛ وتصحّ صلاته إذا لم تمضِ فترة طويلة تمنع عن الاتّصال، وإلّا صحّت صلاته ولا شيء عليه، فالحكم في الحالة الاُولى والحالة الثانية واحد.

الثالثة: أن يكون قد صدر منه مبطل من القسم الثاني، وهو ما يبطلها على

٥۸۲

أيّ حال، لاحظ الفقرة (۱۳۱).

والأجدر به في هذه الحالة وجوباً واحتياطاً أن يستأنف الصلاة من جديد.

الشكّ:

(۱٤۱) إذا شكّ المصلّي في أنّه هل سلّم أوْ لا؟ فلا يجب عليه أن يسلّم إذا حصل له هذا الشكّ بعد فترة طويلة من الانصراف عن الصلاة تقطع الاتصال، وكذلك إذا كان قد صدر منه شيء ممّا يبطل الصلاة علي أيّ حال، أي القسم الثاني من المبطلات الذي تقدّم معناه في الفقرة (۱۳۱)، وفي غير هاتين الحالتين يجب عليه أن يأتي بالتسليم، فإذا أتى به صحّت صلاته. ويدخل في نطاق ذلك ما إذا شكّ في أنّه سلّم أوْ لا، وكان قد بدأ بالتعقيب منذ لحظة فإنّه يعود ويسلّم.

وإذا سلّم وبعد الفراغ من صيغة التسليم شكّ في أنّه هل أدّاها بصورةصحيحة أوْ لا؟ مضى ولم يلتفت إلى شكّه.

الآداب:

(۱٤۲) ذكرنا أنّه يستحبّ للمصلّي أن يجمع بين الصيغتين، والأفضل من ذلك أن يقول قبل الصيغتين: « السلام عليك أيّها النبي ورحمة الله وبركاته ».

كما يستحّب للمصلّي حال التسليم وضع اليدين على الفخذين، كما تقدّم في التشهّد.

 

ما يُقرأ في الركعتين الأخيرتين

 

(۱٤۳) إذا كانت الصلاة مكوّنةً من ثلاث ركعات أو أربع ركعات وجب على

٥۸۳

المصلّي ـ بعد أن يتشهّد في آخر الركعة الثانية ـ القيام للركعة الثالثة في الصلاة الثلاثية، وللركعة الثالثة ثمّ الرابعة في الصلاة الرباعية.

ونتحدّث الآن عمّا يجب على المصلّي أن يقوله إذا قام وانتصب واطمأنّ للركعة الثالثة والرابعة.

المصلّي مخيّر، فله أن يقرأ فيها الفاتحة ويقتصر عليها، وله بدلا عنها أن يقرأ مكرّراً ثلاث مرّات هذا التسبيح « سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلّا الله، والله أكبر »، ولا يكفي التسبيح مرّةً واحدة (۱).

ويستثنى من هذا التخيير المأموم؛ فإنّ الأجدر به وجوباً واحتياطاً أن يسبّح ولا يكتفي بالفاتحة.

(۱٤٤) ويجب الإخفات في الركعة الثالثة والرابعة، سواء اختار المصلّي التسبيح أم قراءة الفاتحة. أجل، له أن يجهر ببسملة الفاتحة، كما يجب الحفاظ على النصّ العربّي وإعرابه وبنائه، وكذلك يجب أن يكون المصلّي خلال القراءة أو التسبيح قائماً مستقرّاً مطمئنّاً، كما تقدم في القراءة في الركعتين الاُولَيَين.

(۱٤٥) وإذا نوى المصلّي أن يقرأ الفاتحة فسبق لسانه إلى التسبيح أو بالعكس لم يعتَن بما نطق لسانه به بدون قصد، واستأنف من جديد أحد الأمرين من الفاتحة أو التسبيح. وإذا بدأ بأحدهما عن قصد والتفات ثّم رغب في العدول عنه إلى الآخر جاز له ذلك.

وإذا خُيّل للمصلّي أنّه في الركعة الاُولى أو الثانية فقرأ الفاتحة، وبعد الفراغ منها تفطّن إلى أنّه في الثالثة أو الرابعة اكتفى بما قرأ.



(۱) الأقوى كفاية التسبيحات الأربع مرّةً واحدة، والأحوط ثلاث مرّات.

٥۸٤

الخلل:

(۱٤٦) إذا ترك الفاتحة والتسبيح معاً وركع عامداً ملتفتاً إلى أنّه لا يجوز بطلت صلاته، وإذا ترك ذلك ناسياً أو غير ملتفت إلى الحكم الشرعّي وتفطّن بعد أن ركع صحّت صلاته ولا شيء عليه، وإذا تذكّر قبل الوصول إلى مستوى الراكع وجب عليه أن يؤدّي ما نسيه؛ حتّى ولو كان في حالة الهوي إلى الركوع فإنّ عليه أن ينتصب قائماً ويؤدّي ما عليه ثمّ يركع.

وإذا قرأ أو سبّح جهراً نسياناً، أو لعدم علمه بالحكم الشرعّي صحّت قراءته وتسبيحه، ولا يعيد حتّى إذا تفطّن قبل الركوع.

الشكّ:

(۱٤۷) إذا شكّ المصلّي وهو واقف في الركعة الثالثة أو الرابعة ولم يدرِ هل قرأ أو سبّح أو لا؟ وجب عليه أن يقرأ أو يسبّح، وإذا شكّ في ذلك حالة الهوي إلى الركوع وجب عليه أن يعود معتدلا؛ فيقرأ أو يسبّح، وإذا شكّ في ذلك بعد أنوصل إلى مستوى الراكع مضى ولم يعتنِ بشكّه.

وإذا قرأ أو سبّح وبعد الفراغ من ذلك شكّ ولم يدرِ هل أدّى ذلك على الوجه المطلوب، أو لا؟ مضى ولم يلتفت إلى شكّه.

وإذا سبّح وشكّ في العدد هل أتى بتسبيحتين أو بثلاث مثلا؟ افترض الأقلّ، وأتى بما يكمله ثلاثاً (۱).

 


(۱) مضى كفاية التسبيحات الأربع مرّةً واحدة.
٥۸٥

الآداب:

(۱٤۸) يستحبّ للمصلّي إذا فرغ من التسبيحات الثلاث أن يعقّبها بالاستغفار، قائلا: « استغفر الله ربّي وأتوب إليه » أو: « اللهمّ اغفر لي ».

والأفضل للمصلّي منفرداً أن يختار التسبيح، وأمّا المأموم فقد عرفت أنّ هذا هو الأجدر به احتياطاً ووجوباً.

 

القنوت

 

(۱٤۹) من الأجزاء المستحبّة في الصلاة ـ كلّ صلاة ـ القنوت، فيثاب المصلّي إذا قنت، ولا يضرّه إذا تركه.

والقنوت في اللغة: الطاعة والخضوع، وعند الفقهاء: الدعاء والثناء على الله تعالى في موضع خاصٍّ من الصلاة. وهو مستحبّ في الفرائض والنوافل.

وموضعه في الصلاة الركعة الثانية بعد القراءة وقبل الركوع، وإنّما أخّرنا الحديث عنه عن الركوع والسجود وغيرهما من الواجبات لأنّه مستحبّ، وليس بواجب.

ويستثنى من ذلك صلاة الوتر، فإنّها ركعة واحدة، وقنوتها قبل ركوعها. كما يستثنى صلاة الجمعة؛ فإنّ فيها قنوتين، كما تقدّم في فصل أنواع الصلاة الفقرة (٤٤). وكذلك يستثنى صلاة العيدين، على ما تقدم في الفقرة (۲٠۲) من فصل أنواع الصلاة.

ولا يشترط في القنوت قول مخصوص، بل يكفي فيه ما يتيسّر من دعاء أو ذكر أو حمد وثناء، ويغتفر فيه اللحن مادةً وإعراباً مع صدق اسم الدعاء أو الذكر

٥۸٦

عليه عرفاً.

ومن نسيه قبل الركوع أتى به بعده، وإذا هوى إلى الركوع ناسياً للقنوت وتفطّن قبل أن يصل إلى مستوى الراكع عاد قائماً فقنت.

ويستحبّ التكبير قبل القنوت، وأن يقنت وهو رافع يديه إلى حيال وجهه (۱).

 

الصلاة قائِماً أو جالِساً

 

(۱٥٠) على ضوء ما تقدم في أجزاء الصلاة يتّضح أنّ خمسة أنحاء من القيام واجبة في الصلاة:

الأول: القيام حال تكبيرة الإحرام.

الثاني: القيام حال القراءة أو التسبيح.

الثالث: القيام الذي يركع عنه المصلّي.

الرابع: القيام حالة الركوع، بمعنى أن يكون ركوعه ركوع القائم، لا ركوع الجالس.

الخامس: القيام بعد رفع الرأس من الركوع.

وترك أىّ واحد من هذه الأنحاء يبطل الصلاة إذا كان عن عمد والتفات إلى الحكم الشرعي.

وأمّا إذا كان سهواً ونسياناً، أو بدون التفات إلى الحكم الشرعيّ فالصلاة تبطل إذا كان المتروك هو الأول؛ بأن كبّر تكبيرة الإحرام وهو جالس. أو الثالث؛


(۱) بل يحتمل تقوّم القنوت الشرعي في الصلاة برفع اليدين.
٥۸۷

بأن ركع ناهضاً من جلوسه لا هاوياً من قيامه. أو الرابع، بأن ركع ركوع الجالس.

ولا تبطل الصلاة إذا كان المتروك الثاني، بأن قرأ أو سبّح جالساً، أو الخامس بأن هوى بعد الركوع بدون قيام وسجد.

والصلاة تنقسم: إلى صلاة من قيام، وصلاة من جلوس، فالصلاة من قيام بصورتها الكاملة ما كان المصلّي فيها محافظاً على الأنحاء الخمسة من القيام جميعاً.

والصلاة من جلوس بصورتها الشاملة ما كان المصلّي فيها جالساً منذ تكبيرة الإحرام إلى النهاية.

ولا يسوغ الانتقال من الصلاة من قيام إلى الصلاة من جلوس في صلوات الفريضة، إلّا في حالات الضرورة، كما سيأتي.

(۱٥۱) ويشترط في القيام الصلاتيّ بأنحائه مع القدرة والإمكان شروط:

الأول: الاعتدال في القيام والانتصاب، فلا يسوغ الانحناء ولا التمايل يمنةً أو يسرة، ولا التباعد بين الرجلين وتفريج الفخذين الذي يخرج القيام عن الانتصاب والاعتدال.

ويستثنى من ذلك: القيام الرابع، وهو القيام حالة الركوع، فإنّ قيام الراكع لا معنى فيه للاعتدال والانتصاب، وإنّما نريد بقيام الراكع أن يكون ركوعه وهو واقف، لا جالس.

الثاني: الوقوف، فلا يسوغ له أن يكبّر أو يقرأ ـ مثلا ـ وهو يمشي.

الثالث: الطمأنينة، بمعنى أن لا يكون في قيامه مضطرباً يتحرّك ويتمايل يمنةً ويسرة، ويستثنى القيام الثالث، وهو القيام الذي يركع عنه المصلّي فإنّه لا تجب فيه الطمأنينة.

ولا يشترط في القيام الوقوف على القدمين معاً، فلو كان واقفاً على

٥۸۸

إحداهما مع مراعاة الشروط المتقدّمة كفى.

ولا يشترط أيضاً أن يكون مستقلاًّ ومعتمداً على نفسه في القيام، فلو اعتمد على حائط ونحوه كفاه أيضاً.

حالات العجز:

(۱٥۲) إذا كان المكلّف عاجزاً عن الصلاة من قيام بصورتها الكاملة وجب عليه أن يحافظ على القيام بالقدر الممكن، وذلك كما يلي:

أ ـ إذا كان قادراً على القيام ولكنّه غير قادر على ركوع القائم ولا على الانحناء له بجسمه فالأجدر به احتياطاً ووجوباً أن يصلّي مرّتين، فمرّةً يصلّي من قيام ويستبدل الركوع بالإيماء برأسه، ومرّةً اُخرى يصلّي من قيام ويركع ركوع الجالس (۱).

ب ـ إذا كان قادراً على القيام ولكنّه غير قادر على ركوع القائم أو الانحناء له بجسمه، وإذا بدأ صلاته قائماً فلا يتمكّن أن يركع ركوع الجالس فهو بين أمرين: إمّا أن يصلّي من قيام ويومئ للركوع برأسه، وإمّا أن يصلّي من جلوس بصورته الشاملة، ففي هذه الحالة يجب عليه أن يختار الأمر الأول.

ج ـ إذا كان قادراً على القيام ولكن بدون ما تقدم له من شروط وجب عليه أن يقوم بالصورة الممكنة له، ولا يسوغ له الجلوس.

د ـ إذا كان قادراً على القيام ولكنّه لا يُتاح له أن يواصل القيام طيلة مدة الصلاة وجب عليه أن يقوم في الركعات الاُولى إلى أن يعجز ويضطرّ إلى الجلوس، فيصلّي جالساً، فإذا استعاد قوّته بعد ذلك وتمكّن من استئناف القيام قام، وهكذا


(۱) الظاهر كفاية الركوع الإيمائي.
٥۸۹

يتوجّب عليه أن يقوم كلّما وجد نفسه قادراً على القيام.

هـ ـ إذا لم يكن قادراً على القيام إطلاقاً انتقل إلى الصلاة من جلوس، ولكن إذا صلّى من جلوس وبعد ذلك نشط وتمكّن من الصلاة قائماً قبل مضي الوقت وجبت عليه إعادة الصلاة، وكذلك الأمر في الحالتين (أ) و (ب). وأما في الحالة (ج) فإن كان المصلّي واثقاً حين صلّى بأنّه سيتمكّن من الصلاة بالقيام المطلوب شرعاً وجبت عليه الإعادة، وإلّا فلا (۱).

وفي الحالة (د) إذا كان واثقاً حين صلّى بأنّه سيتمكّن أن يصلّي من قيام في آخر الوقت أعاد (۲)، وإلّا لوحظ ما فاته من القيام، فإن كان قد فاته النحو الأول أو الثالث أو الرابع من القيام وجبت الإعادة، وإلّا فلا.

(۱٥۳) ومتى صلّى المكلّف جالساً وجب في جلوسه نفس ما يجب في القيام: من انتصاب واعتدال وطمأنينة.

وإذا تعذّر الجلوس على المصلّي بكلّ أشكاله صلّى مضطجعاً على جانبه الأيمن مستقبلا القبلة بوجهه والجانب الأمامي من بدنه، كالمقبور في لحده. وإن عجز عن هذا فعلى جانبه الأيسر كذلك.

وإن تعذّرت عليه الصلاة على أحد جانبيه صلّى مستلقياً على ظهره وباطن قدميه إلى القبلة، كالمحتضر.

وكلّ من المضطجع والمستلقي يومئ برأسه للركوع والسجود؛ جاعلا


(۱) بل حتّى لو كان شاكّاً في ذلك تجب عليه الإعادة، نعم لو كان واثقاً بأنّه سوف لا يتمكّن من الصلاة بالقيام المطلوب شرعاً في داخل الوقت ثمّ صادف أن تمكّن من ذلك لم تجب عليه الإعادة.
(۲) بل وكذلك في فرض شكّه، كما مضى في التعليق السابق.
٥۹٠

الإيماء للسجود أخفض وأشدّ من الإيماء للركوع (۱)، وإن لم يتيسّر له الإيماء برأسه أومأ بعينيه.

 

 

كيف تؤدّى الأجزاء؟

الترتيب بين الأجزاء:

(۱٥٤) يجب أن تؤدّى الأجزاء السابقة بترتيبها الشرعي المتقدم؛ لأنّ لكلٍّ منها موضعه ومكانه الخاصّ، فلا يجوز تقديم المؤخّر أو تأخير المقدّم، ومن عاكس وخالف عن قصد وإرادة بطلت صلاته، من قبيل من سجد قبل أن يركع، أو تشهّد قبل أن يسجد؛ عامداً ملتفتاً إلى أنّ ذلك لا يسوغ.

وإن حدث ذلك منه سهواً ونسياناً، أو لعدم التفاته إلى الحكم الشرعي بعدم جوازه ينظر: هل كان قد أتى بسجدتين كاملتين لركعة قبل أن يركع ركوعها، أو أتى بركوع ركعة جديدة قبل أن يسجد للركعة السابقة إطلاقاً، أو أتى بركوع الاُولى قبل تكبيرة إحرامها، أو خالف الترتيب على وجه آخر؟

فإن كان قد خالف الترتيب على الأوجه الثلاثة الاُولى بطلت صلاته، وإلّا فصلاته غير باطلة، ويأتي في الخلل من الأحكام العامّة علاج السهو حينئذ.

الموالاة بين الأجزاء:

(۱٥٥) ويلاحظ أنّ أجزاء الصلاة: تارةً تؤدّى بصورة متتابعة الواحد تلو الآخر بدون مهلة، واُخرى تؤدّى بصورة متقطّعة، أيّ يتخلل بين جزء وجزء فواصل زمنية قصيرة، كما إذا ركع ورفع رأسه من الركوع وبقي واقفاً دقيقةً ريثما


(۱) هذا هو الأحوط وجوباً.
٥۹۱

يحصل على تربة ـ مثلا ـ لكي يسجد عليها، وثالثةً تؤدّى بفواصل زمنية أطول بدرجة لا تعود معها الصلاة عملا واحداً في نظر العرف ويعتبر بعضه مستقلاًّ عن بعض ومنفصلا عنه، وهذا النحو الثالث لا يسوغ، وإذا أدّى المصلّي صلاته على هذا النحو بطلت، سواء كان عامداً أو ساهياً، ويسوغ له أن يؤدّيها على النحو الأول أو الثاني، وإن كان النحو الأول هو الأفضل (۱).

لا تجوز الزيادة في الصلاة:

(۱٥٦) لا يسوغ للمصلّي أن يزيد في صلاته على ما هو مقرّر ومطلوب، والزيادة تتحقّق في الحالات التالية:

أوّلا: إذا أتى بركوعين أو أكثر في الركعة الواحدة، أو بثلاث سجدات أو أكثر في الركعة الواحدة، سواء قصد بذلك أن يجعل هذا الركوع الإضافّي أوالسجدة الإضافية جزءً من صلاته، أو قصد بذلك شيئاً آخر؛ كمن قصد بالسجدة الثالثة إتيان سجدة الشكر مثلا.

ثانياً: إذا كرّر غير الركوع والسجود من أفعال الصلاة، من قبيل مَن قرأ الفاتحة في الركعة الاُولى مرّتين، أو تشهّد في الركعة الثانية مرّتين وكان قاصداً بالتكرار أن يجعل هذا الشيء الإضافيّ جزءً من الصلاة، فإنّه يعتبر حينئذ زيادة. وأمّا إذا قرأ الفاتحة مرّةً ثانيةً كمجرّد قرآن، أو تشهّد مرّةً ثانيةً كذكر لله ورسوله ودعاء فليس ذلك زيادة (۲).

 


(۱) يعني أنّ الإخلال بالموالاة العرفيّة لا إلى حدّ انمحاء صورة الصلاة لا دليل على مبطليّته، ولكنّ الأحوط استحباباً تركه.
(۲) الأحوط وجوباً التحرّز عن القِران بين سورتين بعد الفاتحة الاُولى، والمقصود بالقِران:

٥۹۲

ثالثاً: إذا أتى بشيء لا يشبه أفعال الصلاة وأقوالها وقصد به أن يكون جزءاً من صلاته فإنّه يعتبر حينئذ زيادة.

ومثاله: أن يتكتّف، أو يفرقع أصابعه، أو يغمض عينيه قاصداً أن يكون ذلك جزءاً من الصلاة، وأمّا إذا عمل شيئاً من ذلك لا بهذا القصد، بل لغرض شخصيّ، أو لأيّ سبب آخر فليس زيادة، ولا تبطل به الصلاة، إلّا إذا محا صورتها.

وكلّ من زاد في صلاته على النحو المتقدّم، عامداً في ذلك وملتفتاً إلى أنّه لا يجوز فصلاته باطلة، وكلّ من زاد فيها سهواً، أو لعدم الالتفات إلى الحكم الشرعي بأنّه لا يجوز فلا تبطل صلاته، إلّا إذا كان قد زاد ركوعاً أو سجدتين في ركعة واحدة.

الطريقة الفضلى في أداء الصلاة:

(۱٥۷) قال الله تعالى: ﴿قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ * الّذِينَ هُمْ في صَلاتِهِمْ خَاشِعُوْنَ﴾(۱).

وقال النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) والأئمّة (عليهم السلام) على ما في الروايات العديدة(۲): إنّه لا يحسب للعبد من صلاته إلّا ما يقبل عليه منها، وإنّه لا يقدِمَنّ أحدكم على الصلاة متكاسلا، ولا ناعساً، ولا يُفكّرَنّ في نفسه، ويقبل بقلبه على ربّه ولا يشغله بأمر



قراءة سورة كاملة أو بعضها بعد قراءة أوّل سورة بعد الحمد، كما مضى ذلك منّا في بحث القراءة.
(۱) المؤمنون: ۱ ـ ۲.
(۲) وسائل الشيعة ٤: ٦۸٤ و ٦۸۷، الباب ۲ و ۳ من أبواب أفعال الصلاة.
٥۹۳

الدنيا، وإنّ الصلاة وفادة على الله تعالى، وإنّ العبد قائم فيها بين يدي الله تعالى. فمن الجدير به أن يكون قائماً مقام العبد الذليل، الراغب الراهب، الراجي الخائف، المسكين المتضرّع.

وكان علي بن الحسين (عليهما السلام) إذا قام في الصلاة كأنّه ساق شجرة لا يتحرّك منه إلّا ما حرّكت الريح منه(۱).

وكان الباقر والصادق (عليهما السلام) إذا قاما إلى الصلاة تغيّرت ألوانهما، مرّةً حمرة، ومرّةً صفرة؛ وكأنّهما يناجيان شيئاً يريانه(۲).

ويحسن بالمصلّي حين يبدأ صلاته فيقول: « الله أكبر » أن يملأ ذهنه بمعطيات هذه الكلمة، فيتضاءل في نفسه كلّ ما تمثّله الدنيا من آمال وأمجاد وقوى. وينبغي له حين يقول: « إيّاك نعبد وإيّاك نستعين » أن يكون صادقاً مع ربّه، فلا يعبد هواه، ولا يستعين بغير مولاه.

 


(۱) وسائل الشيعة ٤: ٦۸٥، الباب ۲ من أبواب أفعال الصلاة، الحديث ۳.
(۲) اُنظر بحار الأنوار ۸۱: ۲٤۸، ذيل الحديث ۳۹ عن فلاح السائل.
٥۹٥

الصلاة

٤

الأحكام العامّة

 

 

○   مبطلات الصلاة.

○   قضاء الصلاة.

○   الخلل.

○   الشكّ.

○   صلاة الجماعة.

○   الفوارق بين الفريضة والنافلة.

 

 

٥۹۷

توجد أحكام للصلاة تخصّ الصلوات اليومية ولا تشمل صلاةً اُخرى، كوجوب القصر في الصلاة للمسافر فإنّه يختصّ بالفرائض والنوافل اليومية.

وهناك أحكام اُخرى لا تختصّ بالصلوات اليومية، بل تشمل صلوات اُخرى أيضاً، كالحكم بأنّ الصلاة تبطل بالحدث، وكذلك الحكم بوجوب القضاء، فإنّه قد يثبت لبعض الصلوات غير اليومية، كصلاة الآيات أحياناً، وكأحكام صلاة الجماعة، فإنّ الجماعة كما هي مشروعة في فرائض الصلوات اليومية كذلك في غير الصلوات اليومية: من صلاة العيدين وصلاة الآيات وصلاة الاستسقاء. والقسم الأول من الأحكام تقدم ذكره في فصل الصلوات اليومية، ونذكر هنا القسم الثاني منها على النحو التالي:

۱ ـ مبطلات الصلاة.

۲ ـ القضاء.

۳ ـ الخلل.

٤ ـ الشكّ.

٥ ـ صلاة الجماعة.

٦ ـ الفوارق بين الفريضة والنافلة.

٥۹۹

الأحكام العامّة

۱

مبطلات الصلاة

 

 

○   ۱ ـ صدور ما يوجب الوضوء أو الغسل.

○   ۲ ـ الانحراف عن القبلة.

○   ۳ ـ ما يمحي صورة الصلاة.

○   القهقهة.

○   البكاء.

○   الأكل والشرب.

○   التكلّم.

 

 

٦٠۱

تبطل الصلاة بمختلف أنواعها(۱) باُمور:

منها: ما يبطل الصلاة بصورة مؤكّدة.

ومنها: ما يفرض على المصلّي وجوباً واحتياطاً أن يعيد صلاته. وهذه الاُمور كما يلي:

(۱) أوّلا: إذا وقع منه ما يوجب الوضوء عليه أو الغسل في أثناء الصلاة. ولا فرق في بطلان الصلاة بذلك بين أن يخرج عن عمد أو بلا قصد وبين أن يقع في أوّل الصلاة أو في آخرها، حتّى ولو وقع في أثناء التسليم؛ فإنّ على المصلّي حينئذ أن يعيد صلاته.

(۲) ثانياً: إذا التفت في الصلاة ببدنه أو بوجهه على نحو لم يعدّ مستقبلا للقبلة وكان متعمّداً في ذلك فإنّ صلاته تبطل، حتّى ولو أسرع إلى تدارك الموقف وأعاد وجهه وبدنه إلى القبلة. وأمّا إذا لم يكن متعمّداً، بل كان ناسياً وذاهلا فلا تعتبر صلاته باطلة، إلّا إذا توفّر أمران:

 


(۱) الصلاة على الميّت لا تبطل ببعض ما يأتي، وهي ليست صلاةً إلّا بالاسم، كما تقدم.(منه (رحمه الله)).
٦٠۲

أحدهما: أن يتفطّن لذلك قبل انتهاء الوقت المضروب للصلاة، فلو تفطّن بعد ذلك لم يكن عليه شيء.

والآخر: أن يكون قد التفت بكلّ بدنه التفاتاً شديداً جعل القبلة وراء ظهره أو عن يمينه أو يساره، فلو مال عن القبلة على نحو كانت القبلة أقرب من ذلك إلى وجهه صحّت صلاته، أي أن يكون انحرافه عن القبلة بأقلّ من تسعين درجة، أقلّ من زاوية قائمة.

(۳) ثالثاً: إذا صدرت من المصلّي أفعال وتصرّفات لا يبقى معها للصلاة اسم ولا صورة فإنّ ذلك يبطل الصلاة، سواء صدر منه ذلك عن عمد واختيار، أم عن سهو وذهول، أم عن اضطرار والتجاء، ومن أمثلة ذلك: الرقص والتصفيق (۱)، وممارسة الخيّاط لخياطة الثوب، وممارسة الطبيب لفحص المريض والكشف عليه، ونحو ذلك.

ولا تضرّ الحركة الخفيفة أثناء الصلاة مع بقاء اسمها وشكلها، كالإشارة باليد إلى شيء، أو رفع ما على الرأس أو وضعه، أو استعمال المروحة، أو الانحناء لتناول شيء من الأرض، أو المشي قليلا إلى إحدى الجهات مع الحفاظ على الاستقبال.

كما يجوز أيضاً للمرأة المصلّية حمل الصبي وإرضاعه (۲)، كما يسوغ للمصلّي قتل الحية والعقرب مثلا.

(٤) رابعاً: القهقهة، وهي شدّة الضحك والترجيع به، وتبطل الصلاة بذلك، سواء كان المصلّي مختاراً أو مضطراً، وأمّا إذا صدر منه ذلك بسبب نسيانه وذهوله


(۱) إذا كان ماحياً لصورة الصلاة.
(۲) يعني ما لم يُؤدِّ إلى محو صورة الصلاة.
٦٠۳

عن الصلاة فلا شيء عليه وكانت صلاته صحيحة.

ولا تبطل الصلاة بالتبسّم ولو كان عن عمد، ولا بامتلاء الجوف بالضحك واحمرار الوجه مع سيطرة المصلّي على نفسه وحبسه لصوته.

(٥) خامساً: البكاء، فإنّه يُبطل الصلاة إذا توفّرت فيه الاُمور التالية:

أوّلا: أن يكون مشتملا على صوت، فلا تبطل الصلاة إذا دمعت عينا المصلّي بدون صوت.

ثانياً: أن يكون الدافع إلى البكاء دافعاً شخصياً، كالبكاء على قريب له، أو لأمر من اُمور الدنيا. وأمّا إذا كان الدافع دينياً فلا تبطل به الصلاة، كالبكاء خوفاً من الله تعالى، أو شوقاً إلى رضوانه، أو تضرّعاً إليه لقضاء حاجة ماسّة، أو البكاء على سيّد الشهداء (عليه السلام) أو لمصيبة اُخرى من مصائب الإسلام.

ثالثاً: أن يبكي المصلّي وهو ملتفت إلى أنّه يصلّي، فإذا بكى ذاهلا عن الصلاة صحّت صلاته.

فمتى توفّرت هذه الاُمور الثلاثة كان البكاء مبطلا (۱)، حتّى ولو صدر من المصلّي اضطراراً وبدون قدرة على إمساكه.

(٦) سادساً: الأكل والشرب، سواء مَحيا صورة الصلاة وذهبا باسمها أوْ لا، هذا إذا أكل أو شرب وهو ملتفت إلى أنّه في الصلاة، وأمّا إذا كان ناسياً وذاهلا عن الصلاة فلا تبطل بذلك؛ إلّا إذا أكل وشرب على نحو محا صورة الصلاة وذهب باسمها.

ويسوغ ـ بصورة استثنائية ـ للمصلّي في صلاة الوتر ـ إذا كان عطشاناً وقد نوى الصوم؛ وكان الفجر قريباً يخشى مفاجأته ـ أن يشرب الماء إذا كان أمامه أو


(۱) هذا حكمٌ احتياطي.