1

بحث في التقليد(1)


بسم الله الرحمن الرحیم

المتعارف فقهياً أنّه: يجب على كلّ مكلّف في عباداته ومعاملاته أن يكون مجتهداً أو مقلّداً أو محتاطاً(2).

وهذا الوجوب منحلّ في واقعه إلى مجموع أمرين:

الأول: التنجّز الفعلي الثابت سابقاً للأحكام، وعدم كون مجرّد البراءة العقلية معذّرة عن كلّ حكم قبل الفحص عنه، أو قل: عدم جريان البراءة العقلية قبل الفحص.

الثاني: كفاية التعذير عمّا تنجّز بالعمل بالاجتهاد، أو التقليد، أو الاحتياط.

أمّا الأمر الأوّل:

فدليله: إمّا هو العلم الإجمالي بالتكليف، أو إنكار البراءة العقلية في ذاتها إمّا مطلقاً، أو قبل الفحص، أو أخبار وجوب التعلّم.

أمّا المكلّف العامي فهو إمّا أن يدرك هذا الوجوب العقلي ولو ببعض وجوهه، أو يأخذه من العلماء ثقة واعتماداً لا تقليداً بمعنى التعبّد بكلامهم من دون أن يورث له كلامهم الاطمئنان والوثوق، أو أنّه يبقى حائراً ولا يدرك الوجوب العقلي، وينحصر واقعه العملي في دفع العقاب المحتمل. وهذا غير الوجوب العقلي بمعنى الكلمة.

وأمّا الأمر الثاني:

وهو كفاية الاجتهاد أو التقليد أو الاحتياط في التعذير عمّا تنجّز. فكفاية الاحتياط أمر واضح، باعتبار اشتماله على الامتثال القطعي، اللهم إلا بلحاظ شبهة عدم إمكان الاحتياط، باعتبار فقدان قصد الوجه أو التمييز، وهذا ما نقّح بطلانه في بعض الأبحاث الاُصولية.

وكفاية الاجتهاد أيضاً أمر مفروغ منه؛ لأنّ المقصود بالاجتهاد هنا هو الوصول إلى ما يقطع بمعذّرية العمل به من العلم بالحكم الواقعي، أو العلم بحكم ظاهري معذّر عن الواقع، اللهم إلا حديث وقع حول كفاية إجتهاد المتجّزئ، وحديث آخر وقع حول كفاية اجتهاد غير الأعلم، ونتعرّض لهما إن شاء الله تعالى ضمن بحث كفاية التقليد. والمهم في المقام، هو البحث عن كفاية التقليد، ويقع البحث في ذلك في عدّة محاور:

الأوّل: أدلّة جواز التقليد.

الثاني: هل يشمل دليل التقليد من له ملكة الاستنباط، لكنّه لا يستنبط فعلاً بل يلتجئ في عمله إلى التقليد ؟

الثالث: هل المتجزّئ يرجع في التقليد إلى المجتهد المطلق أو يحتاط أو يجوز له العمل برأي نفسه ؟

الرابع: هل غير الأعلم يرجع في التقليد إلى الأعلم أو يحتاط أو يجوز له العمل برأي نفسه ؟

الخامس: في تحليل وفلسفة عملية الإفتاء والتقليد.

السادس: لو تبّدل المرجع بموت أو الحصول على من هو أعلم منه أو نحو ذلك، أو تبّدل رأيه بعد عمل المقلِّد بفتواه، أو أصبح المقلِّد فقيهاً ورأى بطلان رأي من كان يقلّده، فهل ذاك العمل مجزٍ له باعتباره مطابقاً لما كان حجة له في وقت العمل، أو ليس مجزياً له عن الواقع ولابدّ له من الإعادة وفق الفتوى الجديدة؛ لأنّ التقليد لم يكن إلا طريقاً محضاً للوصول إلى الواقع، وقد انكشف الخلاف؟ وكذلك نفس الفقيه هل يجزيه عمله السابق بعد أن يفترض تبدّل رأيه أولا ؟

وإليك تفصيل هذه المحاور:

المحور الأوّل: أدلة التقليد

أ ـ أدلّة جواز التقليد:

والعمدة في ذلك دليلان:

الدليل الأول: السيرة و الارتكاز العقلائيان و المتشرّعيان على الرجوع إلى أهل الخبرة، أو رجوع الجاهل إلى العالم.

والارتكاز العقلائي تارة يفسّر بما تعارف بينهم في قضاياهم المعاشية والحياتية.

واُخرى يفسّر بأنّه لو تقمّص أحدهم قميص المولوية لجعل كلام أهل الخبرة حجّة على رعيته في الاُمور الراجعة بينه وبينهم بما هو مولى وبما هم عبيد.

مناقشة:

وقد يورد على التفسير الأوّل: أنّ العقلاء في الاُمور الهامة الحياتية والمصيرية ـ كدوران الأمر بين موت ولده بالدواء الذي أعطاه الطبيب أو شفائه ـ لا يلتجئون لدى الإمكان إلى التقليد. والأحكام الشرعية تكون من الاُمور التي هي فوق القضايا الحياتية والمصيرية؛ لأنه تتبعها الجنّة والنار، والاهتمام بهما أشدّ من الاهتمام بحياة الولد وموته.

و الجواب:

إنّ الجنّة والنار نتيجة التنجيز والتعذير الثابتين على جواز التقليد وعدمه، فهما لا يؤثّران على جواز التقليد وعدمه، والعقلاء بطبعهم يتعاملون مع أهداف الشارع ـ وهي الملاكات لا الجنّة والنار ـ كتعاملهم مع أهدافهم الاعتيادية في حياتهم، أي يفترضون صحة التقليد فيها مثلاً، فلو لم يرض الشارع بذلك كان عليه الردع. وسيرة المتشرّعة تكشف في المقام عن طريق، أنّه لولا سيرتهم على التقليد في الاُمور الشرعية ـ ولو نابعة عن الارتكاز العقلائي ـ لكان لديهم طريق آخر للعمل بالأحكام، من التزامهم جميعاً بالاحتياط أو مراجعة الإمام مباشرة أو الارتكاز أو غير ذلك، ولو كان كذلك لبان.

الدليل الثاني: الروايات الدالّة على ذلك من قبيل:

1 ـ ما في مرسلة الاحتجاج، وفي التفسير المنسوب إلى الإمام العسكري (عليه السلام): «فأمّا من كان من الفقهاء صائناً لنفسه. حافظاً لدينه. مخالفاً لهواه. مطيعاً لأمر مولاه فللعوام أن يقلّدوه. وذلك لا يكون إلا بعض فقهاء الشيعة لا كلّهم»(1).

2 ـ صحيحة أحمد بن إسحاق عن أبي الحسن (عليه السلام) قال: سألته، وقلت: من أعامل وعمّن آخذ وقول من أقبل؟ فقال: «العمري ثقتي، فما أدى إليك عنّي فعنيّ يؤدّي، وما قال لك عنّي، فعنّي يقول، فاسمع له وأطع؛ فإنه الثقة المأمون، قال: وسألت أبا محمد (عليه السلام) عن مثل ذلك فقال: «العمري وابنه ثقتان، فما أديّا إليك عنّي فعنّي يؤدّيان، وما قالا لك عنّي فعنّي يقولان، فاسمع لهما وأطعهما؛ فإنّهما الثقتان المأمونان»(2).

3 ـ رواية إسحاق بن يعقوب التي تنقل التوقيع عن الإمام صاحب الزمان. وفيها: «وأمّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا؛ فإنّهم حجّتي عليكم، وأنا حجّة الله»(1). والرواية تامة سنداً.

وفي السند إسحاق بين يعقوب، وقد تحدثنا عنه في كتاب أساس الحكومة الإسلامية وكتاب ولاية الأمر في عصر الغيبة.

4 ـ صحيحة عبد الله بن يعفور قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): إنّه ليس كلّ ساعة ألقاك ولا يمكن القدوم، ويجيء الرجل من أصحابنا فيسألني وليس عندي كلّ ما يسألني، فقال: «ما يمنعك من محمد بن مسلم الثقفي؛ فإنّه سمع من أبي وكان عنده وجيهاً»(2).

5 ـ صحيحة يونس بن يعقوب قال: كنّا عند أبي عبد الله (عليه السلام) فقال: «أما لكم من مفزع؟ أما لكم من مستراح تستريحون إليه؟ ما يمنعكم من الحارث بن المغيرة النضري؟»(3).

6 ـ رواية عليّ بن المسيب الهمداني قال: قلت للرضا (عليه السلام): شقتي بعيدة ولست أصل إليك في كلّ وقت فممّن آخذ معالم ديني؟ قال: من زكريا بن آدم القمي المأمون على الدين والدنيا. قال علي بن المسيب: فلما انصرفت قدمنا على زكريا بن آدم فسألته عمّا احتجت إليه،(4). وفي السند أحمد بن الوليد.

7 ـ ما عن عبد العزيز بن المهتدي والحسن بن علي بن يقطين جميعاً عن الرضا (عليه السلام) قال: قلت لا أكاد أصل إليك أسألك عن كلّ ما أحتاج إليه من معالم ديني، أفيونس بن عبد الرحمن ثقة آخذ عنه معالم ديني؟ فقال: «نعم»(5). والسند تام بغضّ النظر عن وجود محمد بن نصير فيه(6).

8 ـ ما عن عبد العزيز بن المهتدي قال: قلت للرضا (عليه السلام): إنّ شقتي بعيدة فلست أصل إليك في كلّ وقت، فآخذ معالم ديني عن يونس مولى آل يقطين؟ قال: «نعم»(7). وفي السند جبرئيل بن أحمد الذي روى الكشي هذه الرواية عنه.

9 ـ ما عن أحمد بن حاتم بن ماهويه قال: كتبت إليه ـ يعني أبا الحسن الثالث (عليه السلام) ـ أسأله عمّن آخذ معالم ديني؟ وكتب أخوه أيضاً بذلك، فكتب إليهما: «فهمت ما ذكرتما، فاصمدا في دينكما على كلّ مسنّ في حبّنا، وكلّ كثير القدم في أمرنا؛ فإنّهما كافوكما إن شاء الله تعالى»(8). والسند غير تام.

10 ـ ما عن الفضل بن شاذان عن عبد العزيز بن المهتدي ـ وكان خير قمي رأيته وكان وكيل الرضا (عليه السلام) وخاصّته ـ قال: سألت الرضا (عليه السلام) فقلت: إنّي لا ألقاك في كلّ وقت، فعمن آخذ معالم ديني؟ فقال: «خذ عن يونس بن عبد الرحمن»(1). وفي السند عليّ بن محمد القتيبي الذي روى الكشي هذه الرواية عنه.

11 ـ ما عن شعيب العقرقوفي قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) ربّما احتجنا أن نسأل عن الشيء فمن نسأل؟ قال: «عليك بالأسدي»، يعني أبا بصير(2). وسند الحديث تام.

النسبة بين الارتكاز والروايات:

ثمّ إنّ نسبة الارتكاز إلى الروايات قد تختلف من مورد لآخر، وتكفينا في كلّ مورد تمامية الإطلاق في أحدهما.

ولو تمّ إطلاق الارتكاز في مورد ولم يتمّ إطلاق الروايات في ذاتها فقد يقال: إنّ إطلاق الارتكاز يحقّق إطلاقاً للروايات؛ لأنّها بعد أن كانت منصرفة إلى إمضاء الارتكاز لا التعبّد البحت يتكوّن لها ظهور في إمضاء الارتكاز بعرضه العريض.

أمّا لو انعكس الأمر في مورد ما، بأن تمّ إطلاق الروايات في ذاتها ولم يتمّ إطلاق الارتكاز، فإن كان للارتكاز جانب سلبي بأن كان يرى أنّه لا ينبغي للمتقمّص قميص المولوية تشريع التقليد في المورد الفلاني فلا محالة يؤثّر على إطلاق اللفظ ويصرفه عن ذاك المورد. أمّا لو كان العقلاء يرون أنّه من المعقول أن يشرّع المتقمّص قميص المولوية التقليد في المورد الفلاني مثلاً وإن لم يكن لديهم ارتكاز جواز التقليد في ذاك المورد فهذا لا يبطل إطلاق اللفظ.

ب ـ أدلة عدم وجوب التقليد:

ثمّ إنّ هناك طائفتين من الأدلّة اللفظية قد تعارض بها الروايات الدالّة على جواز التقليد أو تجعل رادعة عن السيرة والارتكاز العقلائيين، وهي:

الدليل الأوّل: ما ورد عن النهي عن العمل بالظنّ أو بغير العلم من قبيل الآيتين المباركتين:. ﴿وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾.(3)،. ﴿إِنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنْ الْحَقِّ شَيْئاً﴾.(4).

وقد يجاب عليها بأخصية روايات التقليد عنها، وبعدم كفاية الإطلاق للردع عن تلك السيرة أو الارتكاز المحكمين.

والواقع أنّ مفاد تلك الأدلّة هو النهي عن كون المعتمد ورأس الخيط الذي يكون بيد الإنسان غير العلم، وهذا أمر بديهي لا يشك فيه عاقل، ومن يدّعي جواز التقليد يدّعي اعتماده على العلم بجوازه، فهذا لا يردع عنه بأدلّة النهي عن العلم بغير العلم.

الدليل الثاني: ما دلّ على النهي عن التقليد من قبيل قوله تعالى:. ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ﴾.(1)، وقوله تعالى:. ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ﴾.(2).

مناقشة وردّ:

وأجيب على ذلك بكونها واردة في اُصول الدين(3).

ولكن بالإمكان أن يقال: إنّ التعليل في الآيتين علامة الإطلاق.

والواقع أنّ هذه الآيات قد وضّحت عدم تمامية موضوع التقليد المرتكز، الذي هو عبارة عن رجوع الجاهل إلى العالم؛ لأنّ آباءهم لا يعلمون شيئاً أو لا يعقلون شيئاً ولا يهتدون.

ثمّ إنّ العامي الذي يلتجأ إلى التقليد: إمّا أن يعتمد على بعض المطالب الماضية، كالارتكاز العقلائي ممّا يورث له العلم، ولو لأجل الغفلة عن المناقشات التي يمكن أن تكون فيها أو عن احتمال الردع.

أو يعتمد على كلمات الفقهاء الذين أفتوا بجواز التقليد من باب إيراثها للعلم والاطمئنان له، لا من باب التعبّد.

المحور الثاني: تقليد من له ملكة الاستنباط:

إنّ من له ملكة الاستنباط هل يجوز له ترك الاستنباط واستبدال ذلك بتقليد من استنبط فعلاً، أو لا ؟

لو لاحظنا الروايات مع غضّ النظر عن فرض تأثير الارتكاز عليها سلباً أو إيجاباً فثبوت الإطلاق في أكثرها لفرض تقليد من له ملكة الاستنباط وعدم محاولته الاستنباط بالفعل مشكل، أو منتفٍ، ما عدا التوقيع: «فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا»، وهذا التوقيع بغضّ النظر عن فرض تأثير الارتكاز لا بأس بفرض إطلاقه لمن له ملكة الاستنباط.

أمّا لو لاحظنا الارتكاز فقد يقال: إن الارتكاز إنّما وقع على رجوع الجاهل إلى العالم، وواجد الملكة ليس جاهلاً، بل هو عالم لدى العرف، فكيف يرجع إلى عالم آخر بالتقليد ؟. فلو فرضنا شخصاً مستنبطاً بالفعل قد كتب رسالته العملية وكان بالفعل ناسياً لبعض فتاواه أفهل يقال: إنّ هذا الرجل جاهل، وأنّه يجوز له التقليد فيما نسيه مع ترك مراجعة رسالته العملية بلا عذر ؟. أوليس ما نحن فيه شبيهاً بهذا؟!

والواقع أنّنا لسنا أمام نص عبّر بتعبير رجوع الجاهل إلى العالم حتى نبحث عن أنّ واجد الملكة غير المستنبط بالفعل هل يسمّى جاهلاً أو عالماً؟ وإنّما نحن أمام الارتكاز، فالمهم أن نرى ـ بغضّ النظر عن التسميات ـ أنّ الارتكاز هل يساعد على رجوع من له ملكة الاستنباط إلى من هو مستنبط بالفعل أو لا؟ ولو فرض أنّ علينا معرفة أنّ صاحب الملكة هل هو عالم أو جاهل؟ فلعلّه من الواضح أنّ العالم اسم لمن له العلم الفعلي، وصاحب الملكة الذي لم يستنبط الحكم لا يزال يكون جاهلاً بالحكم، فلا يمكن أن نثبت عن هذا الطريق عدم جواز التقليد له، وإنّما المهم كما قلنا: إنّ الارتكاز القائل بالرجوع إلى أهل الخبرة هل يشمل هذا الشخص أو لا يشمله ؟

ولعلّه من نافلة القول أنّ البحث ينبغي أن يكون على مستوى الارتكاز العقلائي دون سيرة المتشرّعة؛ إذ لا دليل يكشف لنا تفاصيل سيرة المتشرّعة المعاصرة للمعصوم.

وعلى أيّة حال فقد يقال بثبوت الارتكاز على جواز التقليد له مادام غير مستنبط بالفعل؛ لأنّه يكون بالفعل جاهلاً، فهو داخل في مصاديق كبرى رجوع الجاهل إلى العالم.

كما قد يقال العكس: أي إنّ هذا الرجل خارج عن تحت هذه القاعدة قياساً له بالناسي يمكنه أن يراجع رسالته العملية الموضوعة في الرف كي يتذكر ما استنبطه لكنّه لا يراجع الرسالة ويصرّ على التقليد، أفليس هذه خلاف الارتكاز ؟. أوليس هذا مع ما نحن فيه سواء؟!

ويمكن أن يذكر في المقام أحد تفصيلين:

التفصيل الأوّل: أنّ المقلّد يكون له عادة مستوى من الركون إلى قول الفقيه، كركون المريض إلى قول الطبيب، وغير ذلك من موارد الرجوع إلى أهل الخبرة.

وهذا الذي حصلت له ملكة الاستنباط قد يفترض أنّه زال عنه نتيجة لهذا المقام العلمي ذاك الركون إلى قول غيره من الذين استنبطوا بالفعل، فعندئذٍ لا يساعد الارتكاز على تقليده لغيره، بل عليه أن يستنبط أو يحتاط.

وقد يفترض أنّه لم يزل عنه ذاك الركون، فيساعد الارتكاز على تقليده.

أمّا ما شبّهنا به مورد البحث من المستنبط الفعلي، الذي يجعل رسالته العملية في الرف ولا يراجعها في ما ينساه ويكتفي بالتقليد في مورد نسيانه، فمن الواضح أنّ هذا الشخص أقرب إلى عدم الركون ممنّ هو واجد لمجرّد ملكة الاستنباط.

التفصيل الثاني: أنّ واجد الملكة قد يترك الاستنباط كسلاً، واُخرى يتركه لانشغاله باُمور اُخرى معاشية مثلاً، فقد يقال: إنّ الثاني واجد لنفس النكتة العقلائية الكامنة من وراء قاعدة الرجوع إلى أهل الخبرة، وتلك النكتة عبارة عن تقسيم كلّ التخصصات تسييراً للحياة؛ إذ لو فرض أنه كان على كلّ أحد أن يشتمل على كلّ التخصصات المحتاج إليها لشلّت عجلة الحياة عن السير، فهذا الثاني يجوز له التقليد بخلاف الأوّل.

والقدر المتيقن: أنّ الجامع لكلا العنوانين ـ أعني أوّلاً بقاء حالة الركون في نفسه إلى قول المستنبط، وثانياً حاجته إلى التقليد لانشغاله بسائر الاُمور الحياتية لا لأجل الكسل وحده ـ يساعد الارتكاز على تقليده للمستنبطين، وفاقد العنوانين لا يساعد الارتكاز على تقليده، وما بينهما متوسّطات.

ولو وسوس أحد في مساعدة الارتكاز على تقليد واجد العنوانين فلا أقلّ من وضوح أنّ العقلاء لا يمانعون من تقمّص قميص المولوية عن جعله لحجّية كلام أهل الخبرة بالنسبة لهذا الشخص، وعندئذٍ لا مانع من التمسك بإطلاق قوله: «فإنهم حجّتي عليكما» بل لعلّ أحد الأمرين ـ أعني الركون أو الحاجة الحياتية ـ كافٍ في عدم الممانعة هذه، وبالتالي في الرجوع إلى الإطلاق.

المحور الثالث: بحث حول المتجزئ:

هل إنّ المتجزّي يعمل بما استنبطه أو عليه أن يقلّد أو يحتاط ؟

إنّ حديثنا عن ذلك يتألّف من بحثين:

البحث الأوّل: إنّ الاستنباط أو الإفتاء يكون بمجموع شيئين:

أحدهما: استفراغ الوسع على مستوى القدرات العلمية في الوقت الحاضر للاستنباط، فلو أحيي اليوم الشيخ الطوسي أو السيد المرتضى أو العلامة وأضرابهم من الأعاظم قد يرجعون اليوم مقلِّدين إلى أن يصلوا إلى مستوى الاستنباط مرّة اُخرى؛ وذلك لأنّهم قد لا يكونون منذ البدء قادرين على استفراغ الوسع بمستوى القدرات العلمية في الوقت الحاضر لتجدّد كثير من التدقيقات العلمية الدخيلة في الاستنباط.

وثانيهما: حصول اليقين أو الاطمئنان بما ينتهي إليه من النتيجة العملية من حكم واقعي أو ظاهري أو وظيفة عملية، وإلا كان إفتائه داخلاً في كبرى الإفتاء بغير علم، وكان مشمولاً للنهي الوارد في مثل قوله تعالى:. ﴿وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾.(1).

والمتجزّئ لو طوى هاتين المرحلتين فلا معنى لعدم حجية فتواه لنفسه؛ فإنّها فتوى بالعلم.

البحث الثاني: إنّ هناك عقبتين عظيمتين أمام إفتاء المتجزّئ لا تجعلان وصوله إلى الفتوى مستحيلاً، ولكن توجبان لنا التحفّظ الكبير في الإيمان بحصولهما، فنحن لا نقبل بحصول المتجزّئ إلا باحتياطٍ وتحفّظٍ كبيرين:

العقبة الاُولى: التشابك العجيب الموجود في المدارك والأدّلة والروايات والدقائق العلمية فيما بين الأبواب المختلفة، فقد تجد رواية أو مدركاً أو نكتة علمية في باب تنبّهك على أمر في باب آخر لم يكن لها بالحسبان دخل في ذلك الباب؛ وذلك إمّا بأن تكون تلك الرواية أو النكتة مؤثّرة في حكم الباب الآخر أو يتّفق لها مجرّد لفت نظرك ولو صدفة على ما يؤثّر في الباب الآخر؛ ولذلك ينبغي للمفتي أن تكون له نحو إحاطة بالأبواب المختلفة والتي لا تكون عادة إلا لمن هو مطلق في ملكة الاستنباط إطلاقاً عرفياً.

العقبة الثانية: إنّ الشيء الثاني من الشيئين اللذين ذكرناهما كشرط للوصول إلى الفتوى و هو حصول اليقين أو الاطمئنان النفسي يكون أبعد تحقّقاً في نفس المتجزّئ منه في نفس الفقيه المطلق؛ وذلك:

أوّلاً: لأنّ مقدار التمرين له دخل كبير في القدرة على الاستنباط، وتمرين المتجزّئ يكون عادة أقلّ من تمرين الفقيه المطلق.

وثانياً: لأنّ ما مضت الإشارة إليه من التشابك بين الأبواب في المدارك والنكات تجعل وصول المتجزّئ إلى اليقين أو الاطمئنان النفسي أصعب من الفقيه المطلق، وكلّما ضاقت دائرة التجزّئ برزت هاتان العقبتان بشكل واضح.

وعلى أيّة حال فمهما استطاع المتجزّئ أن يجتاز هاتين العقبتين صحّ له أن يعمل بفتوى نفسه، ومهما عجز عن اجتيازهما لم تكن له فتوى، ولكن عدم ثبوت الفتوى له لا يعني حتماً جواز التقليد له؛ وذلك لأنّه قد يتّفق أنّ استنباطه الذي استنبطه ـ ولكنه لم يستطع تحصيل ركون النفس إليه ـ يمنعه عن الركون إلى فتوى من خالفه بحيث يفقد التقليد ما ينبغي أن تكون له من الطريقية و المرآتية، فإذا صار الأمر كذلك اضطر إلى الاحتياط.

كما أنّ المشكلتين اللتين أبرزناهما أمام فتوى المتجزّئ تجعلان فكرة التجزّي فكرة مرنة قد تصحّ وقد لا تصحّ، لا كما قد يقال من استحالة التجزّي؛ لأنّ الملكة بسيطة لا تتجزّأ، ولا كما قد يقال من ضرورة التجزّي لاستحالة الطفرة.

وقد اُجيب على الأوّل: بأنّ الملكة والقدرة وإن كانت بسيطة، ولكن مصبّها وهو استنباط الأحكام متعدّد ومختلف باختلاف الموارد في السهولة والصعوبة، أو في مقدار المراس الذي يمتلكه صاحب الملكة في ذلك الحقل.

كما علّق على الثاني: بأنّ هذه الاستحالة استحالة عادية لا عقلية؛ إذ لا مانع من حصول ملكة الاجتهاد المطلق دفعة واحدة ولو بالإعجاز والإفاضة من الله تعالى(1).

أقول: إنّ حالة الركون التي تحصل للفقيه بفتواه قد لا تحصل للشخص إلا في الأخير، أي حينما يصبح فقيهاً مطلقاً؛ لما يحصل عنده وقتئذٍ من سعة الإطلاع وكثرة المراس.

ثمّ إنّ الحديث في التجزّي والإطلاق منصبّ عادة على الملكة؛ أمّا بلحاظ الفعلية فعادة يكون الإطلاق مسبوقاً بالتجزّي، ويكون رأي المتجزّئ حجّة لنفسه لا محالة، ولكن البيان الذي شرحناه ليس خالياً عن التأثير نهائياً في جانب الفعلية أيضاً.

ثمّ إنّ المشكلة تبرز بشكل أقوى لدى من يحاول تقليد المتجزّئ منها لدى نفس المتجزّئ، فيصعب في كثير من الأحيان للمقلِّد الملتفت الوثوق بالإحاطة الكافية للمتجزّئ على ما له دخل في استنباط ما استنبطه أو المران الكافي في الاعتماد على ما استنبطه.

والمشكلتان ذاتهما تبرزان كثيراً في قضائه أيضاً. وهناك روايتان في باب القضاء قد يستفاد من أحديهما أنّ المنصوب من قبل الإمام (عليه السلام) للقضاء هو الفقيه المطلق، وقد يستفاد من الاُخرى أنّ المنصوب من قبله يشمل المتجزّئ.

فالاُولى: مقبولة عمر بن حنظلة التي ورد فيها «ينظران من كان منكم ممن قد روى حديثنا ونظر في حلالنا وحرامنا وعرف أحكامنا فليرضوا به حكماً؛ فإنّي قد جعلته عليكم حاكماً...»(1).

والثانية: رواية أبي خديجة التامة سنداً عن الصادق (عليه السلام) «إياكم أن يحاكم بعضكم بعضاً إلى أهل الجور، ولكن انظروا إلى رجل منكم يعلم شيئاً من قضايانا فاجعلوه بينكم؛ فإنّي قد جعلته قاضياً فتحاكموا إليه»(2).

ولوثبت شرط الإطلاق بالحديث الأول فظاهره إطلاق الفعلية لا الملكة.

والصحيح أنّ الحديثين معاً ينظران إلى النكتة الارتكازية، وهي المعرفة بالأحكام بالقدر الذي يركن إليه في مورد المرافعة. على أنّ رواية أبي خديجة وردت بصياغة تشبه المقبولة، وهي ما ورد في الوسائل عن محمد بن الحسن بإسناده عن محمد بن علي بن محبوب عن أحمد بن محمد عن الحسين بن سعيد عن أبي الجهم عن أبي خديجة قال: بعثني أبو عبد الله (عليه السلام) إلى أصحابنا فقال: «قل لهم: إياكم إذا وقعت بينكم خصومة أو تدارى في شيء من الأخذ والعطاء أن تحاكموا إلى أحد من هؤلاء الفساق، إجعلوا بينكم رجلاً قد عرف حلالنا وحرامنا؛ فإنّي قد جعلته عليكم قاضياً، وإيّاكم أن يخاصم بعضكم بعضاً إلى السلطان الجائر»(3).

وأمّا الرواية من حيث السند فإنّ في الراوي عن أبي خديجة وهو أبو الجهم بحثاً(1).

المحور الرابع: في وظيفة غير الأعلم

وقد بحثنا ذلك مفصّلاً في كتاب مباحث الاُصول الجزء الأول من القسم الثاني عن الشهيد الصدر. مع بعض التعليقات عليه، فنرجّح هنا إحالة الأمر إلى هناك(2) والاقتصار هنا على ذكر نكتتين:

النكتة الاُولى: إنّه لو كانت مخالفة الأعلم لغير الأعلم أوجبت فقد ركون غير الأعلم إلى رأيه وامتناعه عن العمل بفتوى نفسه فهذا لا يعني بالضرورة جواز تقليده للأعلم؛ فإنّه في غير ما لو فرض الفرق بينهما عظيماً جداً لا يعتبر رجوعه إلى الأعلم من رجوع غير أهل الخبرة إلى أهل الخبرة بالنحو المسموح به في الارتكاز أو المشمول للإطلاقات، فعندئذٍ لابدّ له من الاحتياط أو التباحث مع العالم كي يتبيّن له الحال.

النكتة الثانية: إنّ الشبهة في إتكاء غير الأعلم على فتوى نفسه لها تقريبان:

التقريب الأول: أنّ غير الأعلم لا يستطيع أن يثق بصحة ما وصل إليه من حكم واقعي أو ظاهري أو وظيفة عملية مادام يحتمل أنّه إن تباحث مع الأعلم عدله عن رأيه.

وهذا ما يرد عليه أكثر النقوض المذكورة في كتابنا. مباحث الاُصول. مع حلّ حاصله: أنّ تعديل الأعلم لغير الأعلم عن رأيه فيما يتصور فيه التفاضل لا يكون إلا بتبديل موضوع الحجية له بإبراز أمر أو نكتة له لم يكن واصلاً إليه في فحصه، فلا يبقى مجال عندئذٍ لهذا الإشكال إلا بإرجاعه إلى التقريب الثاني.

التقريب الثاني: هو أنّ العمل بالحجية اللفظية أو العملية أو الأمن العقلي متوقّف على الفحص، ومن الفحص الرجوع إلى الأعلم بالتباحث معه إذا احتمل أنّه سيعدله عن رأيه، فيجب عليه ذلك، بل إذا احتمل الأعلم أيضاً تبدّل رأيه صدفة لو تباحث مع غير الأعلم وجب عليه ذلك؛ لأنّه نوع من الفحص.

وحاصل الجواب ـ الذي يستفاد ممّا أسلفناه في كتاب مباحث الاُصول ـ هو: أنّ أدلّة الفحص لم توجب الفحص إلا بمقدار فحص ذي الخبرة عن مصادر الأحكام من الكتاب والسنّة بالنحو المتعارف من الفحص، وليس من ذلك التباحث مع الأعلم.

إلا أنّ الإنصاف أنّ هذا يرجع إلى مدى احتمال التراجع عن الرأي لو تباحث مع غيره سواء الأعلم أو غيره. فلوكان الاحتمال كبيراً معتداً به دخل التباحث معه لدى الإمكان في الفحص المستفاد عرفاً وجوبه من أدلّة وجوب الفحص.

المحور الخامس: في تحليل وفلسفة عملية الإفتاء والتقليد

لا شك إنّ التقليد في الفهم الارتكازي العقلائي الذي جوّزه عبارة عن رجوع غير أهل الخبرة إلى أهل الخبرة، وهذا ينطبق بوضوح حينما يخبر الفقيه عن الحكم الواقعي حيث يقال: إنّ الفقيه كان من أهل خبرة الأحكام، فجاز لغير الفقيه تقليده من باب رجوع غير أهل الخبرة إلى أهل الخبرة.

ولكن الإشكال يقع في كثير من موارد إفتاء الفقيه التي يفتي فيها بالحكم الظاهري لا الواقعي حيث يقال: إنّ تلك الأحكام الظاهرية إنّما هي أحكام ظاهرية لنفس الفقيه لا للمقلِّد؛ وذلك لا لأجل أنّ جعل الحكم كان مختصاً بالفقيه دون العامي بل و دون الحكم الظاهري المجعول مشروط بشرائط غير فعلية بشأن العامي من قبيل الفحص أو اليقين السابق أو العلم الإجمالي ونحو ذلك، وعندئذٍ فهل يقلِّد العامي الفقيه في الحكم الواقعي أو في الحكم الظاهري الذي يكون للفقيه أو الحكم الظاهري الذي يكون لنفس العامي؟!

فإن فرض الأول فالفقيه لايعلم بالحكم الواقعي حسب الفرض، فكيف يقلِّد في مالا يعلمه؟!

وإن فرض الثاني فلا معنى لأخذ المقلِّد حكم المقلَّد؛ فإن المقلِّد يريد حكم نفسه لا حكم مقلَّده.

وإن فرض الثالث فهذا الفقيه ليس من أهل خبرة الأحكام الظاهرية لهذا العامي، بل هو من أهل خبرة أحكام نفسه الظاهرية، فكيف يرجع إليه العامي ؟. في حين أنّ ظاهر الأدلّة اللفظية هو إمضاء نفس ماهو المرتكز عقلائياً، خصوصاً مثل قوله: «أما لكم من مفزع، أما لكم من مستراح تستريحون إليه»(1) فالمفهوم عرفاً من مثل هذا اللسان هو أنّ الأحكام سواء الواقعية منها أو الظاهرية مشتركة بين الفقهاء والعوام في المرتبة السابقة على جواز التقليد، وأنّ التقليد إنّما جاز لأنّه المقلَّد من ذوي الخبرة بتلك الأحكام، وهذا هو المرتكز متشرّعياً أيضاً، وهذا هو التطبيق للمرتكز العقلائي عن التقليد، وبما أنّ البحث هنا ليس في أصل جواز التقليد، بل المفروض هو الفراغ عن جوازه، إمّا للأدلة اللفظية أو للارتكاز المتشرّعي أو للارتكاز العقلائي الذي لولا ردع الشارع لسرى ولو خطأ إلى الشرعيات، فعدم ردع الشارع يكون دليلاً للإمضاء، فبعد ذلك لا تبقى حجية لهذا الظهور، أعني ظهور الروايات في نفس ما عليه الارتكاز من كون التقليد رجوعاً إلى أهل الخبرة، وكون الأحكام مشتركة بين العالم والعامي في لمرتبة السابقة على جواز التقليد؛ لأنّ حجية الظهور إنّما تكون على تقدير أثر عملي لذلك في حين أنّه لا أثر عملي بعد فرض أصل جواز التقليد في الشرعيات في التكليف العقلائي لذلك وأنّه هل هو بملاك الرجوع إلى أهل الخبرة أولا، فليكن اشتراك العامي والعالم في الحكم بعد جواز التقليد أو بعد التقليد، وأيّ ضير في ذلك؟!

وقد يقال: إنّه يكفي أثراً لذلك جواز إفتاء العامي بحكمه حتى لو لم يحز له تقليد هذا الشخص أو قل الإفتاء بحكم الله المشترك في المرتبة السابقة على جواز التقليد.

لكن هذا الأثر غير كافٍ بناء على قيام الظهور أو مطلق الأمارات مقام العلم الموضوعي الصفتي؛ أمّا بناء على إنكار ذلك لعدم الاعتراف بالعلم الاعتباري الذي يقوله الشيخ النائيني. وعدم شمول أدلّة الحجية لأثر الأخبار لأنه من آثار القطع الموئوعي الصفتي، وليس من قبيل الاستصحاب مثلاً الذي هو كان أثراً لليقين السابق فالمستظهر كونه أثراً لليقين الطريقي فلا دليل على حجية ظهور الدليل في كون التقليد في الشرعيات في تكييفه كالتقليد الثابت لدى العقلاء.

وقد يذكر لذلك في المقام بعض الآثار من قبيل:

1 ـ لو كان الإمام يصلّي تماماً مثلاً وهو فقيه وفتواه في وضعه الخاص هو القصر؛ لأنّ عمله في السفر مثلاً، وليس التمام إلا أنه رغب في الاحتياط بالجمع بين القصر والتمام دركاً للواقع، فأراد المأموم أن يقتدي به في الوقت الذي كان مشغولاً بالتمام وكان مرجعه يفتي في من عمله في السفر بالتمام، فبناء على التكييف العقلائي للتقليد يصح إقتداؤه بهذا الإمام؛ لأنّ صلاة الإمام التامة صحيحة حسب فتوى مرجع المأموم وإن لم تطابق فتوى الإمام، أمّا بناءً على أنّ الاشتراك في الحكم الظاهري إنّما يكون في طول جواز التقليد فبما أنّ الإمام هوفقيه ولا يجوز له تقليد هذا المرجع لا تثبت صحة صلاته لا بحكم واقعي لعدم إفتاء المرجع بالواقع، ولا بحكم ظاهري؛ لأنّ ما يفتي به المرجع ليس حكماً ظاهرياً للإمام، فلا يجوز الاقتداء به.

إلا أنّ هذه الثمرة غير صحيحة؛ فإنّ موضوع جواز الاقتداء ليست هي صحة صلاة الإمام وفق الحكم الذي يجوز للإمام إتباعه ولو ظاهراً، بل موضوعه هو الصحة الواقعية إلا أنّه يجوز للمأموم ترتيب آثار الصلاة الواقعية ظاهراً على صلاة الإمام متى ما كانت صلاة الإمام ظاهراً صحيحة بشأن المأموم، وفي المقام تكون صلاة الإمام ظاهراً صحيحة بشأن المأموم ولو في طول جواز تقليده لذاك المرجع.

2 ـ لو قلنا في الاستنابة عن الميت مثلاً إنّ ظاهر عقد الإجارة هو العمل بحكم الميت؛ وكان مرجع النائب غير جائز التقليد للميت؛ لأنّ الميت كان فقيهاً أو لأنّ ذاك المرجع في زمان حياة المنوب عنه لم يكن فقيهاً أو لأيّ سبب آخر، فلو قلنا باشتراك الأحكام الظاهرية بين العالم والجاهل في الرتبة السابقة على جواز التقليد فللمقلّد أن يعمل في عمله النيابي وفق فتاوى مرجعه؛ لأنّها تمثّل أحكام الكلّ حتى الميت، أمّا لو قلنا بأنّ الاشتراك فيها إنّما يكون على أثر جواز التقليد فبما أنّ مرجع النائب لم يكن يجوَّز للميت تقليده فلا تمثّل فتاواه حكم الميت فلا يجوز للنائب أن يعمل في عمله النيابي وفق فتاوى مرجعه.

إلا أنّ هذا الأثر نظري أكثر من كونه عملياً؛ لأنّه لو صّح انصراف عقد الإجارة فإنّما ينصرف إلى ما كانت الوظيفة الفعلية للمنوب عنه، أي العمل وفق فتاوى من كان يرى المنوب عنه العمل بها مجزياً له من غير تأثير لطريقة تكييف التقليد على الانصراف سلباً أو إيجاباً.

3 ـ لو قلنا في باب العلم الإجمالي بالالتزام بأنّ قيام الأمارة في بعض الأطراف وفق المعلوم بالإجمال تحلّ العلم الإجمالي ولكن قيام الاصل المثبت للتكليف في بعض الأطراف لا يحلّه فقد يقال في المقام: إنّه بناء على اشتراك الحكم بين العالم والعامي في الحكم لو أفتى العالم في طرف من أطراف العلم الإجمالي وفق الحكم المعلوم بالإجمال على أثر أمارة دلّت عليه ففتواه أمارة للعامي على الحكم وينحلّ علمه الإجمالي، إمّا بناء على كون هذا الاشتراك في طول جواز التقليد فقد يقال: إنّ فتوى الفقيه عندئذٍ لا تكون إلا بحكم الأصل، فلا تحلّ العلم الإجمالي.

إلا أنّ هذه الثمرة أيضاً علمية أكثر منها عملية فإنّه لو سلّمنا التفصيل بين الأمارة والأصل في كون الاُولى تحلّ العلم الإجمالي دون الثانية فغاية ما نكتشف بذلك بعد فرض مسلّمية إمضاء ما يفهمه العرف من التقليد في مقام العمل هي أنّ فتوى الفقيه حتى ولو كانت في طول جواز التقليد جعلت أمارة وعلماً مثلاً لا أصلاً عملياً بحتاً، ولا تصل النوبة إلى اكتشاف اشتراك كلّ الأحكام الظاهرية بوجه من الوجوه بين العالم والعامي قبل التقليد وقبل جواز التقليد.

وعلى أيّة حال فلتكييف عملية التقليد في مورد الأحكام الظاهرية بنحو يرجع إلى قانون الرجوع إلى أهل الخبرة المرتكز لدى العقلاء وجوه:

الوجه الأول: ما قد يناسب مباني الشيخ النائيني رحمه الله من أنّ الفقيه يفتي بالواقع لا بالحكم الظاهري فحسب؛ وذلك على أساس العلم الإعتباري بالواقع. ولا إشكال في اشتراك الواقع بين الكلّ.

وهذا الوجه لا يتم مبنىً ولا بناءً؛ فإنّنا لا نؤمن بأصل مبنى جعل العلم اعتباراً، ولو كان فقد اختص الجواب بمورد الإفتاء بالأمارات دون الإفتاء بالاُصول، على أنّ العلم الاعتباري ليس خبرة كي يجعل التقليد رجوعاً إلى أهل الخبرة، فتقليد العالم بهذا العلم يشبه تقليد من حصل له العلم بالرمل أو الإسطرلاب أو الاستخارة ممّا لاعلاقة له بتقليد أهل الخبرة وإن كان تقليداً للعالم.

الوجه الثاني: أنّنا نستكشف من جواز التقليد والذي فرغنا عنه تمامية موضوع الحكم الظاهري بشأن العامي بتنزيل حالات الفقيه منزلة ثبوتها للعامي؛ فكأنّ فحص الفقيه فحص للعامي، وعلمه الإجمالي علم له ويقينه يقيناً له،

وهكذا.

إلا أنّ هذا الوجه لا ينفع في تطبيق ما ثبت جوازه في الشرع من التقليد على ما هو المرتكز عقلائياً من حقيقة التقليد؛ لأنّ التنزيل المفروض إنّما ثبت بجواز التقليد، ففي الرتبة السابقة على جواز التقليد ليست الأحكام الظاهرية مشتركة بين العالم والعامي؛ لعدم تحقق شروطها في العامي، فليس الرجوع إليه رجوعاً ناتجاً من كونه خبرة، فجواز هذا التقليد أمر تعبّدي بحت، وقد فرضنا أنّ ظاهر روايات التقليد هو الإشارة إلى نفس الأمر المرتكز لدى العقلاء.

الوجه الثالث: أن يقال: إنّنا نكتشف من دليل جواز التقليد بعد ظهوره في الإشارة إلى الأمر العقلائي إطلاق الأحكام الظاهرية للعالم والعامي على حدّ سواء حتى بلحاظ ما قبل جواز التقليد، أي إنّ الحكم الظاهري الذي يكتشفه الاستنباط الصحيح المشتمل على الشروط ـ من الفحص والعلم الإجمالي واليقين السابق وما شابه ـ جعله الله حكماً ظاهرياً عاماً للناس ولوكان الحكم عقلياً وشروطه منتفية في العامي فقد جعل الله الحكم المماثل له بشأن العامي، وبما أنّ كلّ فقيه يعتقد أنّ استنباطه هو الاستنباط الصحيح فهو يعتقد أنّ الحكم الذي اكتشف مطلق يشمل العامي، فيفتي بذلك، فاكتشاف إطلاق الأحكام للعامي وإن كان في طول دليل أصل جواز التقليد في الجملة، ولكنه ليس في طول نفس جواز التقليد، فحتى الذي لا يكون مستجمعاً لشروط جواز التقليد كما لو كان فاسقاً أو يكون مؤهلاً للتقليد، ولكن صاحبه فقيه لا يجوَّز له التقليد يكون من حقه أن يفتي صاحبه بمااستنبطه من الأحكام.

وهذا الوجه وكذلك الوجه السابق لولا الإشكال الماضي يتوقّف:

أولاً: على فرض ثمرة عملية لظهور دليل التقليد في كونه إمضاء لنفس الارتكاز العقلائي حتى يكون حجة تعبّداً، أو كون هذا الظهور من الظهورات المورثة للقطع.

وثانياً: على فرض عدم وجود حلّ آخر تام بمقتضى القواعد من دون حاجة إلى استكشاف مؤونة زائدة كمؤونة هذا الوجه أو مؤونة الوجه السابق.

الوجه الرابع: ـ وهذا الوجه يكون تاماً بمقتضى القواعد، وبلا حاجة إلى أيّة مؤونة زائدة تعبدية ـ هو أنّ شروط الحكم الظاهري كلّها متوفّرة بشأن العامي؛ فإنّ تلك الشروط عبارة عن الفحص والعلم الإجمالي واليقين السابق والشك، أمّا الفحص فليس هو في واقعه مشروطاً، وإنّما الشرط هو عدم المقيّد أو المخصّص أو الحاكم أو الملزم في معرض الوصول ومَن هو من أهل الخبرة هو الذي يشخّص تحقق ذلك.

وأمّا العلم الإجمالي فبشأن العامي يحلّ محلّه مجرّد احتمال التكليف قبل الفحص أو يقال بأنّ منشأ العلم الإجمالي التعبّدي الحاصل للفقيه وهو خبر الثقة مثلاً والذي هو في معرض الوصول ـ ولذا وصل إلى الفقيه ـ يكون هو المنجّز للأطراف، وأمّا اليقين السابق فقد نقّحنا في محلّه عدم اشتراطه في الاستصحاب وكفاية ذات المتيقّن السابق، والفقيه هو الذي يكون خبرة تشخيص ذلك، وأمّا الشك فهو موجود لدى العامي بلا إشكال.

الوجه الخامس: ـ وهو أيضاً يكون تاماً على مقتضى القواعد وبلا حاجة إلى مؤونة تعبّدية ـ إنّنا لو لم نسلّم بكفاية عدم المخصّص والمقيّد والحاكم والملزم والمتيّقن السابق والمنشأ التعبّدي للعلم الإجمالي كخبر الثقة لم تصل النوبة إلى مثل شرط الفحص، بل يكون الشرط إحراز تلك الاُمور ولو تعبّداً.

والوجه في قولنا: ولو تعبّداً هو إيماننا بأنّ التعبّد يقوم مقام العلم الطريقي والموضوعي الطريقي.

وعندئذٍ نقول: إنّ تقليد العامي في الحكم النهائي يرجع بنظرة تحليلية إلى تقليده أولاً في عدم المقيّد والمخصّص والحاكم والملزم وفي ثبوت المتيقن ومنشأ العلم الإجمالي الذي هو بنفسه منجّز أو يكون نفس إفتائه بالحكم المعلوم للمقلِّد ثم تقليده في بالنتيجة وحجية الفتوى الأولى في التقليد الأول بتحقق شرط التقليد الثاني والتقليد الأول قد يكون تقليداً في أمر واقعي لا يختلف الأمر فيه بين العامي والعالم، وقد يكون أيضاً تقليداً في حكم ظاهري كما إذا كان المتيقّن السابق ثابتاً عند الفقيه ظاهراً لا واقعاً فيحلل ذاك التقليد أيضاً إلى تقليدين وهكذا إلى أن ننتهي إلى التقليد في أمر واقعي.

وهذا الوجه وإن كان تاماً أيضاً في إشباعه لتخريج التقليد على مبدأ الرجوع إلى أهل الخبرة فيما هو خبرة فيه قبل التقليد وقبل جواز التقليد؛ لأنه يكفي إشباعاً لذلك الخبر وية المسبقة بالنسبة لكلّ تقليد ولو بسبب تقليد مسبق.

ولكن الوجه الرابع أقرب إلى الذوق المتشرّعي الذي يرى أنّ الاشتراك في الأحكام بين العامي والعالم ثابت قبل كلّ تقليد وقبل جواز التقليد.

على أنّه لا داعي للتسليم بشرطية إحراز تلك الاُمور.

المحور السادس: في إجزاء العمل بالفتوى السابقة عن القضاء والإعادة

قد نقّحنا في علم الاُصول: أنّ الأصل في الأمر الظاهري هو عدم الإجزاء.

ولكنّنا نقول هنا بأنّ قوله (عليه السلام) في صحيحة يونس: «أما لكم من مفزع؟ أما لكم من مستراح تستريحون إليه؟...» يدلّ بإطلاقه على الاستراحة الكاملة والاعتماد الكامل، وهذا لا يكون إلا بفراغ البال عن عدم وجوب الإعادة والقضاء في المستقبل فهذا لا محالة يدلّ على الإجزاء، والارتكاز وإن كان غير مقتضٍ للإجزاء ولكن لا يوجد في الارتكاز ما يمنع عن جعل الإجزاء بالنسبة لمن يتقمّص قميص المولوية حتى يكون كاسراً للإطلاق.

وبكلمة اُخرى: إنّ الارتكاز العقلائي إن لاحظناه في الحياة الإعتيادية كمراجعة الطبيب والمهندس وما إلى ذلك فلا معنى للإجزاء فيها بمعنى الأمن من العقاب وسقوط الاحتجاج وعدم التنجيز، وإنّما ذلك يتصور له معنى في التقريب الثاني للارتكاز، وهو انّ من يتقمّص من العقلاء قميص المولوية يجعل التقليد لأهل الخبرة في الوصول إلى ما يريده المولى حجة على رعيته، وهذا نسبته إلى جعل الإجزاء وعدمه حيادية، فالارتكاز وإن لم يكن يقتضي ضرورة جعل الإجزاء عن القضاء والإعادة بعد انكشاف الخلاف، ولكنّه لا يمنع أيضاً عن جعل ذلك، بل يرى جعله أمراً مناسباً ما دام أنّ خطأ العبد نشأ من خطأ الحجة، إذن فالارتكاز لا يكسر هنا الإطلاق الثابت في الدليل اللفظي.

مناقشة وردّ:

وقد تقول: إنّ الدليل اللفظي للتقليد لو كان نظره إلى الارتكاز محرز من محض معرفتنا بأنّ التقليد أمر ارتكازي لصح ما ذكرتم من أنّ ضيق الارتكاز لا يبطل إطلاق اللفظ مادام أنّ الارتكاز ليس له مفاد سلبي ضدّ الإطلاق، ولكن رواية «أما لكم من مفزع؟ أما لكم من مستراح تستريحون إليه؟» فيها إشارة لفظية واضحة إلى الارتكاز؛ لأنّها جاءت بلسان التأنيب والاستفهام الإنكاري، وهذا لا يناسب إلا مع فرض النظر إلى ما هو ثابت مسبقاً من الارتكاز، وعندئذٍ فضيق الارتكاز نفسه يكسر الإطلاق اللفظي؛ لأنّ اللفظ لم يقصد به إلا إمضاء الارتكاز، ولا يتوقف انكسار الإطلاق على دلالة سلبية في الارتكاز.

الجواب: إنّ اللفظ لو كان بمدلوله المباشر ناظراً إلى أنّ المقصود هو إمضاء الارتكاز صح ما مضى من أنّ ضيق الارتكاز كاسر للإطلاق ولكن اللفظ ليس مدلوله المباشر هوذلك، وإنّما نحن نستفيد من لغة التأنيب أو الإستفهام الإنكاري النظر إلى ارتكاز من هذا القبيل، وتكفي عرفاً في تصحيح هذه اللغة ارتكازية أصل هذا المطلب ولو فرض أن شعاع الارتكاز لا يشمل كلّ أشعة الإطلاق اللفظي فما دام أن الارتكاز لا يشمل كل أشعة الإطلاق اللفظي فما دام أن الارتكاز ليس له مدلول سلبي يكسر الإطلاق يبقى الإطلاق سليماً.

بقي في المقام اُمور:

الأمر الأول: أنّ صحيحة يونس: «أما لكم من مفزع...» كما تدلّ على حجية الفتوى، كذلك تدلّ على حجية خبر الواحد، إذن فكما تدلّ على إجزاء التقليد بالنسبة لما بعد انكشاف الخلاف فيما إذا كان الخطأ في الفتوى لا في طريقة استيعاب العامي للفتوى، كذلك تدلّ على إجزاء الأخذ بخبر الواحد للفقيه نفسه فيما إذا ثبت خطأ المخبر الثقة لا في استنباط الفقيه، فلو أخطأ الفقيه في الاستنباط فعمله لا يجزيه في سقوط القضاء والإعادة بعد انكشاف الخلاف ولكن فتواه تجزي العامي في سقوطهما بعد انكشاف الخلاف، ولكن لو كان تورّط الفقيه في الخطأ نتيجة أنّ الراوي أخبره مثلاً بأنّه كان خاطئاً في النقل فهنا يتم الإجزاء حتى بالنسبة للفقيه.

الأمر الثاني: ما ذكرناه من بحث الإجزاء عن القضاء والإعادة لسنا بحاجة إليه في موردين:

أحدهما: ما لو كان الخطأ الواقع مشمولاً لحديث «لا تعاد» أو نحوه، بناء على عدم اختصاص حديث «لا تعاد» بالنسيان، فعندئذٍ يتم الإجزاء بلا حاجة إلى هذا البحث، كما هو واضح.

ثانيهما: ما لو كان الرأي الجديد للفقيه هو الاحتياط، وكان احتياطه ناشئاً من العلم الإجمالي إمّا بوجوب ما كان يفتي به سابقاً أو بوجوب شيئ آخر، كما لوكان يفتي بالقصر مثلاً ثم تردّد بين القصر والتمام أو كان يفتي بالجمعة ثم تردّد بين الظهر والجمعة، ففي هذا الفرض يتم الإجزاء بلا حاجة إلى البحث الذي عرفت؛ وذلك لأنّ العلم الإجمالي يكون بلحاظ العامي علماً إجمالياً مردّداً بين ما خرج عن محلّ الابتلاء وهو العمل الذي فعله وما هو داخل في محل الابتلاء وهو العمل الذي لم يفعله أو قضاؤه.

الأمر الثالث: في حدود الإجزاء الذي حققناه، وذلك من جهتين:

الجهة الاُولى: أنّ الرأي المتبدّل قد يفترض رأياً قطعياً واُخرى يفترض رأياً تعبّدياً، كما أنّ تبّدل الرأي قد يفترض عبارة عن العلم بخلاف الرأي الماضي وقد يفترض تعبّداً ضد التعبّد السابق. فهل الإجزاء ثابت في كلّ هذه الفروض أو في بعضها ؟

وهذا التقسيم يختص بفرض القول بالإجزاء لنفس الفقيه كما قلنا به فيما لو كان خطأ الفقيه راجعاً إلى خطأ الراوي في النقل.

أمّا المقلِّد فكلا الرأيين يكونان عادة ثابتين له بالتعبّد، وهو التعبّد بفتوى الفقيه. وعلى أيّة حال فقد يقال: لو كان الرأي الأول ثابتاً بالقطع لا بالتعبّد لم يكن مجزياً بعد انكشاف الخلاف؛ لأنّه لم يكن حكماً ظاهرياً حتى نقول فيه بالإجزاء، ومن هذا القبيل لو نفى جزء مثلاً بالبراءة العقلية ثم انكشف الخلاف أو كان الرأي الأول ثابتاً بالظن الانسدادي على الحكومة فإنّه لا دليل على إجزاء حكم العقل لدى انكشاف الخلاف.

ونحن نقول وفق ما عرفته من تمسكنا براوية يونس: «أما لكم من مفزع...»: إنّه متى ما كان المفزع وهو الراوي أو المفتي هو المخطئ ثبت الإجزاء سواء أورث كلامه القطع أو لا، ومهما كان الخطأ في نفس العامل المقلِّد أو الفقيه فلا إجزاء له بعد انكشاف الخطأ.

مناقشة وردّ:

وقد يقال: لو ثبت خطأ الرأي الأول بالقطع فلا إجزاء له؛ لأنّه لا شك في أنّه كان باطلاً، أمّا لو ثبت خطأه بالتعبّد فليس من المعلوم أنّ أيّ التعبّدين هو الصحيح؟ فالتعبّد الأول ينفذ في إجزاء ما وقع في زمانه كما أنّ التعبّد الثاني ينفذ في إجزاء ما وقع في زمانه.

وهذا الكلام غير صحيح؛ لأنّ التعبّد الأول بعد أن زال في الزمان الثاني، فكما لا ينفع للعمل الجديد في الزمان الثاني كذلك لا ينفع لنفي الإعادة و القضاء في الزمان الثاني، وإنّما ينفع للإجزاء بالعمل الأول مادام ذلك التعبّد موجوداً، لا بعد زواله إلا إذا ثبت بدليل تعبّدي إجزاؤه عن القضاء والإعادة.

ونحن أثبتنا إجزاءه بدليل تعبّدي، وهو إطلاق رواية يونس: «أما لكم من مفزع...»، فالمهم أن نرى أنّ هذا النص الدالّ على الإجزاء هل يوجد لدلالته إطلاق لما إذا ثبت خطأ الرأي الأول بالقطع أو لا ؟

ولعلّ مقتضى التحقيق في ذلك أن يقال: لو كان المستفاد من هذا النص هو الإجزاء الواقعي إذن يثبت له الإطلاق لما إذا ثبت الخطأ بالقطع، كما أنّ حديث «لا تعاد» الدالّ على الإجزاء الواقعي ثابت لفرض انكشاف الخطأ بالقطع واليقين.

ولكن لو ادّعى القول بأنّ المستفاد عرفاً من ذلك ليس بأكثر من الإجزاء الظاهري؛ وذلك بمناسبة أنّ أصل حجية الفتوى لم تكن إلا حكماً ظاهرياً، والإجزاء إذا كان ظاهرياً فبقاؤه بعد الانكشاف القطعي للخلاف غير معقول، لأنّ كلّ حكم ظاهري ينتهي بالانكشاف القطعي لخلافه.

فالنتيجة: هي عدم الإجزاء في صورة الانكشاف القطعي للخلاف، واختصاص الإجزاء بصورة الانكشاف التعبّدي للخلاف.

ولا يخفى أنّ دعوى ظاهرية الإجزاء ليست إلا مجرّد دعوى استظهار، وإلا فمجرّد كون حجية الفتوى حجية ظاهرية لا تستلزم ظاهرية الإجزاء ترتّب حكم ظاهري أو حكم خيالي بحت يوجب الإجزاء الواقعي، كما لو أخفت إنسان مكان الجهر أو جهر مكان الإخفات أو أتمّ في السفر بحكم ظاهري خيالي ثم انكشف له خطأه.

الجهة الثانية: أنّ المتيقّن من الإجزاء هو الإجزاء عن القضاء بلا إشكال، ولكن يوجد هناك موردان آخران يحتمل فيهما الإجزاء أيضاً:

المورد الأول: الإعادة في داخل الوقت؛ فإنّه يمكن أن يقال: إنّ الاضطراب النفسي من ناحية احتمال الابتلاء بعد العمل بالإعادة أيضاً نوع من عدم الاتكاء وعدم الرادع فينفعه إطلاق قوله: «أما لكم من مفزع؟ أما لكم من مستراح تستريحون إليه؟».

إلا أنّ اُستاذنا الشهيد رحمه الله فصّل في تعليقته على منهاج الصالحين(1) بين القضاء والإعادة، فآمن بالإجزاء بلحاظ القضاء، واحتاط بالإعادة في داخل الوقت.

المورد الثاني: هو الصحة والبطلان بلحاظ الأحكام الوضعية، فهل دليل الإجزاء يشمل ذلك أو لا؟ فلو عقد المقلِّد عقد بيع أو نكاح أو ذبح ذبيحة أو غير ذلك من الاُمور الراجعة إلى الأحكام الوضعية مستنداً إلى التقليد الأول ثم تبدّلت الفتوى أو تبدّل المرجع وكان الرأي الجديد يرى بطلان ذلك العقد أو تلك الذبيحة فهل نحكم بصحة تلك الاُمور التي وقعت في زمن التقليد الأول حتى بلحاظ الآثار التكليفية التي ترتب عليها في زمن الرأي الجديد، وهذا معنى الإجزاء في المقام؟ أو نحكم ببطلانها بلحاظ الآثار التكليفية الجديدة، وهذا معنى عدم الإجزاء في المقام ؟

وقد اتضح بهذا العرض التهافت المستبطن في كلام السيد اليزدي رحمه الله في المسألة 53، حيث ذكر فيها: «إذا قلّد من يكتفي بالمرة مثلاً في التسبيحات الأربع واكتفى بها أو قلّد من يكتفي في التيمم بضربة واحدة ثم مات ذلك المجتهد فقلّد من يقول بوجوب التعدّد لا يجب عليه إعادة الأعمال السابقة، وكذا لو أوقع عقداً أو إيقاعاً بتقليد مجتهد يحكم بالصحة ثم مات وقلّد من يقول بالبطلان يجوز له البناء على الصحة. نعم فيما سيأتي يجب عليه العمل بمقتضى فتوى المجتهد الثاني.

وأمّا إذا قلّد من يقول بطهارة شيء كالغسالة ثم مات وقلّد من يقول بنجاسته فالصلوات والأعمال السابقة محكومة بالصحة وإن كانت مع استعمال ذلك الشيء، وأما نفس ذلك الشيء إذا كان باقياً فلا يحكم بعد ذلك بطهارته، وكذا في الحلية والحرمة، فإذا أفتى المجتهد الأول بجواز الذبح بغير الحديد مثلاً فذبح حيواناً كذلك فمات المجتهد وقلّد من يقول بحرمته بأن باعه أو أكله حكم بصحة البيع وإباحة الأكل، وأمّا إذا كان الحيوان المذبوح موجوداً فلا يجوز بيعه ولا أكله، وهكذا»(1).

أقول: نحن لم نفهم الفرق بين مثال العقد والإيقاع ومثال الذبح؛ فإن كان مفاد الحديث هو الفزع والاستراحة بلحاظ كلّ عمل وضعي أو تكليفي وجب الحكم بصحة كلّ من العقد والإيقاع والذبح الواقع في الزمان الأول، وترتّب آثار الصحة عليه حتى في الزمان الثاني وإن لم يجز في الزمان الثاني العقد أو الإيقاع أو الذبح وفق الرأي الأول. وإن كان مفاد الحديث هو الفزع والاستراحة بلحاظ حصول الامتثال وعدمه، أي بلحاظ وقوع العمل بمؤدّى الحكم التكليفي في الزمن الأول لم يجز ترتيب آثار الصحة على كلّ هذه الأمور في الزمان الثاني.

والمرجّح عندنا هو كون النظر إلى وقوع العمل بالحكم التكليفي في الزمان الأول؛ وذلك لأنّ المنصرف من الفزع والاستراحة اللذين فهمنا منهما الإجزاء هو الفزع والاستراحة بلحاظ امتثال الوظائف، وقيمة صحة الاُمور الاُخرى وفسادها ترجع إلى ماتنتهي إليها بالآخرة من الامتثال أو العصيان.

ولوشككنا في هذا الاستظهار كفانا الرجوع إلى الأصل؛ فإنّ الأصل ـ كما نقحناه في علم الاُصول ـ في الأحكام الظاهرية عدم الإجزاء، وإنّما أثبتنا الإجزاء هنا بدليل تعبّدي وهو صحيحة يونس، فلابدّ من الاقتصار في ذلك على القدر المتيقّن.

وفي ختام البحث عن إجزاء الرأي السابق بالنسبة للمقلِّد ينبغي إلفات النظر إلى نكتتين:

النكتة الاُولى: لو قلنا في مورد تساوي الفقيهين بالتخيير في التقليد وقلنا بأنّ التخيير تخيير فقهي لا اُصولي، أي إنّ المنجّز على المقلِّد إنّما هو مقدار الجامع بين الفتويين، وليست كلّ فتوى يختارها لأجل التقليد حجة له حتى في إبطال الفتوى الاُخرى وقلنا بأنّ التخيير استمراري وليس ابتدائياً فعدل المقلِّد على أساس استمرارية التخيير إلى الفقيه الثاني بعد أن كان قد عمل بفتوى الفقيه الأول فهنا يبدو أنّ الإجزاء نتيجة طبيعية لتلك المباني، أعني مباني التخيير الفقهية الاستمرارية، ولا نحتاج لإثبات الإجزاء هنا إلى البحث الذي بحثناه؛ فإنّ المقدار المنجَّز عليه سابقاً ولاحقاً هو الجامع بين الفتويين، وقد عمل في عمله السابق بالجامع ضمن عمله بالفتوى الأولى، فما عدا ممّا بدا حتى تجب عليه الإعادة أو القضاء؟!

نعم ثم تبقى عليه مشكلة حصول العلم الإجمالي أحياناً ببطلان أحد عمليه، كما لو عمل في بعض صلواته بفتوى القصر، ثم عمل في صلوات اُخرى بفتوى التمام في الظروف المتشابهة لظروف الصلوات الاُولى، فهو يعلم إجمالا ببطلان إحدى الصلاتين.

بل ومشكلة حصول العلم التفصيلي بالبطلان أحياناً، كما لو قصر في الظهر على الفتوى الاُولى، ثم أتمّ في العصر على الفتوى الثانية مع تشابه الظرفين للصلاتين، فهو يعلم تفصيلاً ببطلان صلاة العصر؛ إمّا لزيادة ركعتين أو لفوات شرط الترتّب بين الصلاتين.

إلا أنّ هذه المشاكل هي في الحقيقة مشاكل القول بالتخيير الاستمراري، وسيأتي بحثها ضمن بحث التخيير إن شاء الله.

النكتة الثانية: لو عدل المقلِّد من الرأي الأول إلى الرأي الثاني مع بقاء الرأي الأول على ترجيحه على الرأي الثاني بلحاظ زمانه، فقد يبدو أنّ الإجزاء أمر طبيعي بلا حاجة إلى البحث السابق، مثاله: ما لو قلّد الأعلم في بعض أعماله ثم فسق الأعلم، فعدل إلى تقليد المفضول بناء على دليل تعبّدي على شرط العدالة في التقليد، فلا يمكن للفتوى الثانية أن تكشف عن بطلان الفتوى الاُولى بلحاظ زمانها؛ لأنّها بلحاظ الزمان الأول فتوى لفقيه جامع للشرائط، وقد كان أعلم من هذا الفقيه حتى بلحاظ الزمان الثاني، فالمفروض بالمقلِّد الآن أن يبقى على تقليد الفقيه الأول بلحاظ ما وقع منه من الأعمال في زمان عدالة ذاك الفقيه.

إلا أنّ الإجزاء المستفاد من هذا البيان لا يكون إلا إجزاءً ظاهرياً؛ فإنّ هذا البيان إنّما أثبت في الحقيقة الإجزاء ببيان أنّ تلك الفتوى لم يوجد ما يسقطها بلحاظ ما وقع في زمانها، أي إنّه رتّب الاجزاء على بقاء حجية الفتوى بلحاظ تلك الأعمال، ومن المعلوم أنّ حجية الفتوى ليست إلا حجية ظاهرية، فإجزاؤها المستفاد من محض حجيتها أيضاً لا يكون إلا ظاهرياً.

والنتيجة: أنّه لو كان دليل الإجزاء منحصراً بذلك فعلى المقلِّد أن يتجنّب التورّط في العلم التفصيلي بالخلاف، أي إنّه لو قلّد الأول في صلاة الظهر فصلاها قصراً ثم فسق الأول وافترضنا ضرورة العدول تعبّداً إلى المفضول الذي يفتي بالتمام في نفس تلك الظروف يجب على المقلِّد عندئذٍ إعادة صلاة الظهر تماماً، لا لعدم إجزاء ما صلاه قصراً عن تكليفه بالظهر، بل لتصح صلاة العصر.