1

التعزير أنواعه و ضوابطه

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربّ العالمين، وصلّى الله على محمّد وآله الطيّبين الطاهرين.

هل يجوز التعزير بمصادرة المال أو بالحبس أو غير ذلك من الاُمور غير الضرب أو إنّه خاص بالضرب؟

وهل التعزير بالضرب يجب أن لا يزداد عن نصف الحدّ أو أن يكون أقلّ من الحدّ أم ماذا؟ وما هو مقداره؟

وما هو حكم تعزير الأولاد غير البالغين(1)؟

الجواب على هذه الأسئلة قد يترتّب على الالتفات إلى مجموعة اُمور:

الأمر الأوّل ـ مبدأ ولاية الفقيه.

الأمر الثاني ـ الروايات الواردة في الحبس، وهي كما يلي:

1 ـ محمّد بن الحسن بإسناده عن محمّد بن عليّ بن محبوب عن يعقوب ابن يزيد عن ابن أبي عمير عن حماد عن أبي عبد الله  في المرتدّة عن الإسلام قال: « لا تقتل، وتستخدم خدمة شديدة، وتمنع الطعام والشراب إلّا ما يمسك نفسها، وتلبس خشن الثياب، وتضرب على الصلوات »، ورواه الصدوق بإسناده عن حمّاد عن الحلبي مثله إلّا أنّه قال: « أخشن الثياب »(2). والحديث تام سنداً.

2 ـ محمّد بن الحسن بإسناده عن محمّد بن الحسين عن محمّد بن يحيى عن غياث بن إبراهيم عن جعفر عن أبيه عن عليّ  قال: « إذا ارتدّت المرأة عن الإسلام لم تقتل ولكن تحبس أبداً »، ورواه الصدوق بإسناده عن غياث بن إبراهيم مثله(3). والحديث تام سنداً.


(1) ننوّه للقارئ الكريم أنّ هذه الدراسة لم تعالج هذه النقطة بالذات، وستأتي الإشارة إلى ذلك.
(2) الوسائل 18: 549، ب. من حدّ المرتد، ح 1.
(3) المصدر السابق: ح 2.
2

3 ـ الشيخ بإسناده إلى الحسين بن سعيد عن حمّاد عن حريز عن أبي عبد الله  قال: « لا يخلد في السجن إلّا ثلاثة: الذي يمسك على الموت، والمرأة ترتدّ عن الإسلام، والسارق بعد قطع اليد والرجل »(1). والسند تام. ورواه الكليني بسند غير تام إلّا أنّه ذكر بدلاً عن « الذي يمسك على الموت »: « الذي يمثل »(2).

4 ـ الشيخ بإسناده إلى الحسين بن سعيد عن الحسن بن محبوب عن عباد ابن صهيب عن أبي عبدالله  قال: « المرتدّ يستتاب، فإن تاب وإلّا قتلُ والمرأة تستتاب، فإن تابت وإلّا حبست في السجن وأضرّ بها »(3). وسند الحديث تام.

5 ـ الشيخ بإسناده إلى الحسين بن سعيد عن النضر بن سويد عن عاصم ابن حميد عن محمّد بن قيس عن أبي جعفر  قال: « قضى أمير المؤمنين  في وليدة كانت نصرانيّة فأسلمت وولدت لسيّدها، ثمّ إنّ سيّدها مات وأوصى بها عتاقة السرية على عهد عمر فنكحت نصرانيّاً ديرانيّاً وتنصّرت فولدت منه ولدين وحبلت بالثالث، فقضى فيها: أن يعرض عليها الإسلام، فعرض عليها الإسلام فأبت، فقال: ما ولدت من ولد نصرانيّاً فهم عبيد لأخيهم الذي ولدت لسيّدها الأوّل، وأنا أحبسها حتّى تضع ولدها، فإذا ولدت قتلتها »(4). وسند الحديث تام إلّا أنّ مضمونه خلاف الأخبار التي عرفت وتعرف.

6 ـ الكليني عن عليّ بن إبراهيم عن أبيه عن ابن محبوب عن غير واحد من أصحابنا عن أبي جعفر وأبي عبد الله (عليهما السلام): « في المرتدّ يستتاب فإن تاب وإلّا قتل، والمرأة إذا ارتدّت عن الإسلام استتيبت، فإن تابت وإلّا خلدت في السجن وضيّق عليها في حبسها ». ورواه الشيخ بإسناده عن الحسن بن محبوب(5). ولو قيل بأنّ كلمة ( غير واحد ) تعطي معنى عدد يوجب الوثوق تمّ الحديث سنداً، وإلّا فلا.

7 ـ مرفوعة عبد الرحمن بن الحجّاج: « أنّ أمير المؤمنين  كان لا يرى الحبس إلّا في ثلاث: رجل أكل مال اليتيم أو غصبه أو رجل اُؤتمن على أمانة فذهب بها »(6).

8 ـ روايات حبس السارق في المرّة الثالثة بعد قطع اليد اليمنى في الاُولى والرجل اليسرى في الثانية(7.). وجاء في إحداها عن عبيد بن زرارة قال: سألت أبا عبد الله  هل كان عليّ  يحبس أحداً من أهل الحدود؟ قال: « لا، إلّا السارق، فإنّه كان يحبسه في الثالثة بعد قطع يده ورجله »(8).


(1) المصدر السابق: 550، ح 3.
(2) الكافي 7: 270، ح 45. الوسائل 18: 493، ب. من حدّ السرقة، ح 5.
(3) الوسائل 18: 550، ب. من حدّ المرتد، ح 4.
(4) المصدر السابق: ح 5.
(5) المصدر السابق: ح 6.
(6) الوسائل 18: 578، ب. من بقية الحدود.
(7) انظر الوسائل 18: 551 وما بعدها، ب. من حدّ السرقة.
(8) الوسائل 18: 496، ب. من حدّ السرقة، ح 13.
3

9 ـ خبر السكوني بسند غير تام عن جعفر عن أبيه عن عليّ  قال: « حبس الإمام بعد الحدّ ظلم »(1).

10 ـ ما عن حريز بسند تام أنّ أبا عبد الله  قال: « لا يخلد في السجن إلّا ثلاثة: الذي يمسك على الموت يحفظه حتّى يقتل، والمرأة المرتدّة عن الإسلام، والسارق بعد قطع اليد والرجل »(2).

11 ـ ما عن عبد الله بن سنان بسند تام عن أبي عبد الله  أنّه قال: « على الإمام أن يخرج المحبسين في الدين يوم الجمعة إلى الجمعة ويوم العيد إلى العيد فيرسل معهم، فإذا قضوا الصلاة والعيد ردّهم إلى السجن »(3).

12 ـ ما عن أحمد بن أبي عبدالله البرقي عن أبيه ـ محمّد بن خالد البرقي ـ بسند تام عن عليّ  قال: « يجب على الإمام أن يحبس الفسّاق من العلماء والجهّال من الأطبّاء والمفاليس من الأكرياء » قال وقال : « حبس الإمام بعد الحدّ ظلم »(4)، وسند الحديث وإن كان صحيحاً إلى محمّد بن خالد لكن نقل محمّد بن خالد عن عليّ  يعني الارسال فلا يعتمد عليه. نعم، رواه الشيخ بإسناده إلى الصفّار عن إبراهيم بن هاشم عن النوفلي عن السكوني عن جعفر عن أبيه عن عليّ  وهذا غير مبتلى بالارسال لكنّه ضعيف بالنوفلي.

وقد يقال: إنّه ضعيف أيضاً بسند الشيخ إلى الصفّار  لأنّ أسانيد الشيخ إلى الصفّار في المشيخة ضعيفة، وفي الفهرست بعضها ضعيف وبعضها صحيح، والصحيح فيه محمّد بن الحسن بن الوليد، لكن الشيخ استثنى من كتب الصفّار من أسانيده التي تمرّ بابن الوليد كتاب بصائر الدرجات بحجّة أنّ ابن الوليد لم يروه، وما يدرينا لعلّ هذا الحديث مأخوذ من كتاب بصائر الدرجات.

والجواب: إنّ هذا الحديث غير مأخوذ من كتاب بصائر الدرجات بدليل أنّ أسانيد الشيخ إليه في المشيخة تمرّ بمحمد بن الحسن بن الوليد.


(1) الوسائل 18:220، ب 30 من كيفية الحكم، ح 3.
(2) الوسائل 18: 221، ب 32 من كيفية الحكم، ح 1.
(3) المصدر السابق: ح 2.
(4) المصدر السابق: ح 3.
4

13 ـ ما عن زرارة بسند تام عن أبي جعفر  قال: « كان عليّ  يقول: لا يحبس في السجن إلّا ثلاثة: الغاصب، ومن أكل مال اليتيم ظلماً، ومن اؤتمن على أمانة فذهب بها وإن وجد له شيئاً باعه غائباً كان أو شاهداً »(1).

14 ـ ما ورد بسند غير تام عن غياث بن إبراهيم عن جعفر عن أبيه: « أنّ عليّاً  كان إذا أخذ شاهد زور فإن كان غريباً بعث به إلى حيّه، وإن كان سوقيّاً بعث به إلى سوقه فطيف به ثمّ يحبسه أياماً ثمّ يخلّي سبيله »(2).

15 ـ ما ورد بسند ضعيف بمحمد بن موسى بن المتوكل عن الحسن بن محبوب عن عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله  قال: « جاء رجل إلى رسول الله (صلى الله عليه و آله) فقال: إنّ اُمي لا تدفع يد لامس. فقال: فاحبسها. قال: قد فعلت. قال: فامنع من يدخل عليها. قال: قد فعلت. قال قيّدها، فإنّك لا تبرّها بشيء أفضل من أن تمنعها من محارم الله عزّوجلّ »(3).

الأمر الثالث ـ ما ورد في حدّ التعزير من قبيل:

أ ـ ما عن إسحاق بن عمّار قال: سألت أبا إبراهيم  عن التعزير كم هو؟ « قال بضعة عشر سوطاً ما بين العشرة إلى العشرين »(4). وسند الحديث تام.

ب ـ مرسلة الصدوق قال: قال رسول الله (صلى الله عليه و آله): « لا يحلّ لوال يؤمن بالله واليوم الآخر أن يجلد أكثر من عشرة أسواط إلّا في حدّ »، واُذن في أدب المملوك من ثلاثة إلى خمسة(5).

جـ ـ ما عن حمّاد بن عثمان بسند تام عن أبي عبد الله  قال: قلت له: كم التعزير؟ فقال: « دون الحدّ. قال: قلت: دون ثمانين؟ قال: لا، ولكن دون أربعين  فإنّها حدّ المملوك. قلت: وكم ذاك؟ قال: على قدر ما يراه الوالي من ذنب الرجل وقوّة بدنه »(6).


(1) الوسائل 18: 217، ب 26 من كيفية الحكم، ح 2.
(2) الوسائل 18: 244، ب 15 من الشهادات، ح 3.
(3) الوسائل 18: 414، 415، ب 48 من حدّ الزنا، ح1.
(4) الوسائل 18: 583، ب 10 من بقية الحدود والتعزيرات، ح 1.
(5) المصدر السابق: 584، ح2.
(6) المصدر السابق ح 3، وورد أيضاً في نفس المجلد: 472، ب. من حدّ المسكر، ح 6.
5

د ـ ما عن سماعة بسند تام قال: سألته عن شهود زور؟ فقال: « يجلدون حدّاً ليس له وقت، فذلك إلى الإمام، ويطاف بهم حتّى يعرفهم الناس. وأمّا قوله تعالى: ﴿ وَلاَ تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُولئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ. إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا ﴾(1) قال: قلت: كيف تعرف توبتهم؟ قال: يكذب نفسه على رؤوس الناس حتّى يضرب ويستغفر ربّه، فإذا فعل ذلك فقد ظهرت توبته»(2).

ونظيره حديثه الثاني الوارد في الوسائل بعد هذا الحديث مباشرة، وهو أيضاً تام سنداً(3). وروى في الوسائل الحديث الثاني بسند آخر تام أيضاً عن سماعة(4).

كما وروى الشيخ الحديث الأوّل إلى قوله « حتّى يعرفهم الناس » بسند تام كما أشار إليه في الوسائل في ذيل نقله للحديث الأوّل في ب 11 من بقية الحدود(5)، كما وروى الشيخ(6) تمام الحديث الأوّل بسند تام أشار إليه في الوسائل في ب 15 من الشهادات في ذيل الحديث الثاني(7)، ولعلّ كلّ هذا حديث واحد.

ونظيره ما عن عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله ، وهو الحديث الثاني من ب 15 من الشهادات بسند غير تام(8).

هـ ـ بعض روايات قذف الحر للمملوك التي قد تحمل على التعزير(9)، إلّا أنّها شاذّة المضمون، وقد تحمل على ذكر بعض المصاديق لا على التحديد.

و ـ الروايات الواردة في تعزير رجلين أو امرأتين أو رجل وامرأة ناما في لحاف واحد، دلّت إحداها على الضرب ثلاثين سوطاً في رجلين ناما في لحاف واحد، وكذلك في امرأتين نامتا في لحاف واحد وهي ضعيفة سنداً بسليمان بن هلال  لأنّه لم يوثّق(10).

ودلّ عديد منها على الضرب تسعة وتسعين سوطاً تارة على شكل بيان الحكم، واُخرى على شكل نقل فعل الإمام، كرواية حريز الناقلة لفعل الإمام في رجل وامرأة(11)، التامة سنداً. ومثلها رواية أبان بن عثمان التامّة سنداً(12).


(1) سورة النور، الآية:. ـ 5.
(2) الوسائل 18: 584 و 585، ب 11 من بقية الحدود، ح 1.
(3) المصدر السابق: ح2.
(4) الوسائل 18: 243 ـ 244، ب 15 من الشهادات، ح 1.
(5) الوسائل 18: 584 و 585، ب 11 من بقية الحدود، ح 1.
(6) التهذيب 6: 263، ح 699.
(7) الوسائل 18: 244، ب 15 من الشهادات، ح 2.
(8) الوسائل 18: 244، ب15 من الشهادات، ح2.
(9) راجع بهذا الصدد الوسائل 18: 434 وما بعدها، ب. من حدّ القذف.
(10) الوسائل 18: 367، 368، ب 10 من حدّ الزنا، ح 21.
(11) المصدر السابق: 367، ح 20.
(12) المصدر السابق: ح19.
6

ورواية عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله  في رجلين يوجدان في لحاف واحد قال: « يجلدان غير سوط واحد »(1).

وفي مقابل هذه الرواية توجد روايات تدلّ على وجوب الحدّ بمجرّد اجتماعهما في ثوب واحد، كرواية عبد الرحمن بن الحجاج ـ  التامة سنداً  ـ قال: سمعت أبا عبد الله  يقول: « كان عليّ  إذا وجد الرجلين في لحاف واحد ضربهما الحدّ، فإذا أخذ المرأتين في لحاف ضربهما الحدّ(2).

ورواية أبي بصير التامة سنداً عن أبي عبد الله  قال: سئل عن امرأة وجدت مع رجل في ثوب قال: « يجلدان مئة جلدة »(3).

ويمكن الجمع بين الطائفتين بأنّ ما دلّ على الضرب تسعة وتسعين سوطاً بيان للتعزير الثابت لمجرّد الاجتماع في ثوب واحد أو لحاف واحد من دون أن يصدر منهما ما يوجب الحدّ، وما دلّ على ضرب الحدّ وارد عند احتمال صدور ما يوجب الحدّ، فكأنّ الاجتماع في ثوب واحد أمارة مثلاً على ما يوجب الحدّ إلّا بلحاظ الرجم فالرجم لا يثبت ـ  كما ورد في الروايات  ـ إلّا بشهادة الشهود بأنّهم شاهدوه كالميل في المكحلة.

وهذا الجمع لولا وجود شاهد عليه جمع تبرّعي لا قيمة له إلّا أنّه هناك عدّة روايات تشهد لذلك:

1 ـ ما عن عبد الله بن سنان بسند تام عن أبي عبد الله  قال: سمعته يقول: « حدّ الجلد في الزنا أن يوجدا في لحاف واحد، والرجلان يوجدان في لحاف واحد، والمرأتان توجدان في لحاف واحد »(4).

فتعبيره عن ذلك بـ ( حدّ الجلد في الزنا ) يستشعر منه أنّ وجودهما في لحاف واحد كأنّه أمارة على الزنا.

2 ـ ما عن أبي بصير بسند تام عن أبي عبد الله  قال: « سألته عن امرأة وجدت مع رجل في ثوب واحد؟ قال: « يجلدان مئة جلدة، ولا يجب الرجم حتّى تقوم البينة الأربعة بأن قد رأوه يجامعها(5) ».


(1) المصدر السابق: ح18.
(2) المصدر السابق: 365، ح 6.
(3) المصدر السابق: ح7.
(4) المصدر السابق: 364، ح 4.
(5) التهذيب 10: 43، ح 154. الوسائل 18: 365، ب 10 من حدّ الزنا، ح 8.
7

فذيله، وهو قوله: ولا يجب الرجم... » يشهد لكون المقصود التفصيل بين زنا الرجم وزنا الجلد، فالرجم لا يثبت إلّا بشهادة البينة الأربعة برؤية المجامعة، أمّا الجلد فلا حاجة فيه إلى شهادة من هذا القبيل، فنفس كونهما في ثوب واحد كأنّه أمارة عليه.

3 ـ ما عن أبي الصباح الكناني بسند تام عن أبي عبد الله  قال: سألت أبا عبد الله  عن الرجل والمرأة يوجدان في لحاف واحد؟ قال: « اجلدهما مئة مئة. قال: ولا يكون الرجم حتّى تقوم الشهود الأربعة أنّهم رأوه يجامعها »(1).

وهذا في الدلالة كالحديث الذي قبله، ودلالة كليهما قابلة للنقاش.

4 ـ ما عن زرارة بسند تام عن أبي جعفر  قال: « إذا شهد الشهود على الزاني أنّه قد جلس منها مجلس الرجل من امرأته اُقيم عليه الحدّ »(2). فالتعبير بقوله  « شهد الشهود على الزاني » يوحي إلى أنّ جلوسه منها مجلس الرجل من امرأته كأنّه أمارة الزنا.

5 ـ ما عن عبد الله بن مسكان بسند تام عن أبي عبد الله  قال: سمعته يقول: « حدّ الجلد في الزنا أن يوجدا في لحاف واحد(3).. وهذا كالحديث الأوّل.

هذا، والروايات الواردة في ضرورة الشهادة بالايلاج المروية في الوسائل(4) إنّما هي واردة في الرجم لا الجلد إلّا رواية ابن أبي نجران عن عاصم بن حميد عن محمّد بن قيس عن أبي جعفر  قال: « قال أمير المؤمنين : لا يجلد رجل ولا امرأة حتّى يشهد عليهما أربعة شهود على الايلاج والاخراج »(5) هذا بحسب نقل الفقيه(6).

وسند الحديث تام إلّا أنّ نفس الرواية رواها في الكافي بسند تام(7) وفي التهذيب بسند فيه إسناد الشيخ إلى أحمد بن محمّد(8) مع تبديل كلمة « لا يجلد » بكلمة « لا يرجم » فلا يبعد أن يكون نقل التهذيب هو الصحيح ونقل الفقيه هو الخطأ.


(1) التهذيب 10: 43، ح156. الوسائل 18: 366، ب 10 من حدّ الزنا، ح 12.
(2) المصدر السابق: ح 13.
(3) المصدر السابق: 368، ح 22.
(4) الوسائل 18: 371 وما بعدها، ب 12 من حدّ الزنا.
(5) الوسائل 18: 373، ب 12 من حدّ الزنا، ح 11.
(6) من لا يحضره الفقيه 4: 24، ح 4991.
(7) الكافي 7: 182 ـ 183، ح 3. الوسائل 18: 371، ب12 من حدّ الزنا، ح 2.
(8) التهذيب 10: 2، ح3. الوسائل 18: 371، ب 12 من حدّ الزنا، ذيل ح 3.
8

نعم، توجد رواية واحدة باطلاقها تشمل فرض الجلد، ولعلّها تنفي أمارية الوجدان في ثوب واحد، وهي ما عن حريز بسند تام عن أبي عبد الله  قال: « القاذف يجلد ثمانين جلدة، ولا تقبل له شهادة أبداً إلّا بعد التوبة، أو يكذب نفسه، فإن شهد له ثلاثة وأبى واحد يجلد الثلاثة ولا تقبل شهادتهم حتّى يقول أربعة: رأينا مثل الميل في المكحلة »(1).

فهي تدلّ على أنّ العملية لا تثبت إلّا بالرؤية كالميل في المكحلة، ولم تفصّل بين الرجم والجلد، إلّا أنّ أصل فرض اشتراط رؤية الدخول كالميل في المكحلة غريب  فإنّه لعلّه لا يتّفق أصلا بينما يروى في زمن المعصومين (عليهم السلام) أنّه وقعت شهادات بالزنا ورتّب عليها الأثر. فما نقول به في خصوص الرجم أو مطلقاً إنّما هو رؤية ما يلازم عادة الدخول، لا رؤية أصل الدخول.

على أنّ هذه الرواية لعلّها لا تعارض روايات الاكتفاء في الجلد برؤيتهما في لحاف واحد وما استظهرنا منها من أمارية ذلك على لزوم الجلد مثلاً  إذ لا منافاة بين هذه الأمارية بلحاظ حكم الجلد مثلاً وبين عدم جواز الشهادة بالزنا ما لم يره بحيث لو شهد بذلك من دون رؤية يجري عليه حدّ القذف وإنّما كان من حقّه أن يشهد باجتماعهما في ثوب واحد، وكأنّ بهذا يثبت الجلد ما دامت له أمارية على الزنا، فهذه الأمارية ممضاة مثلاً بمقدار ثبوت الجلد، لا بمقدار جواز الشهادة بالزنا.

هذا، ولكن الانصاف ـ  رغم كلّ ما ذكرناه  ـ أنّ حمل الروايات على كون اجتماعهما في ثوب واحد أمارة على الزنا بمقدار الجلد بعيد، والقرائن التي ذكرناها ليست قويّة، هذا.

وحمل السيّد الخوئي روايات ثبوت الحدّ بمجرّد رؤيتهما في لحاف واحد على التقيّة بقرينة ما ورد بسند تام عن عبد الرحمن بن الحجاج قال: كنت عند أبي عبد الله ، فدخل عليه عبّاد البصري ومعه اُناس من أصحابه، فقال له: حدّثني عن الرجلين إذا اُخذا في لحاف واحد؟ فقال له: « كان عليّ  إذا أخذ الرجلين في لحاف واحد ضربهما الحدّ، فقال له عباد: إنّك: قلت لي غير سوط، فأعاد عليه ذكر الحديث ( الحدّ ـ  خ ) حتّى أعاد ذلك مراراً، فقال: غير سوط، فكتب القوم الحضور عند ذلك الحديث(2) »، فكأنّ امتناعه أوّلا كان تقية من جماعة عبّاد البصري إلى أن اضطرّ على أثر الإصرار إلى ذكر الحقيقة(3).


(1) الوسائل 18: 433، ب. من حدّ القذف، ح 5.
(2) الوسائل 18: 363 و 364، ب 10 من حدّ الزنا، ح 2.
(3) راجع مباني تكملة المنهاج 1: 242.
9

إلّا أنّ الذي يضعّف هذا الكلام هو: أنّ الشيخ الطوسي (رحمه الله) نسب في كتاب الخلاف إلى قاطبة أهل السنّة أنّهم يرون في ذلك التعزير، لا الحدّ(1)، إذاً فلو اُريد الحمل على التقيّة فلعلّ الأولى حمل روايات التسعة والتسعين على التقيّة لا العكس.

وكيف كان فالظاهر أنّ المشهور عندنا فقهياً عدم ثبوت الجلد لمجرّد الاجتماع في ثوب واحد من دون عمل، بل لعلّه لم يعرف قائل بذلك عدا أبي عليّ.

نعم، ظاهر عبارة الشيخ في الخلاف ذلك(2) إلّا أنّه في التهذيب ذهب إلى خلاف ذلك(3).

وذكر السيّد الخوئي في مباني تكملة المنهاج أنّه نقل عن أبي عليّ والصدوق الحدّ مئة سوط(4).

أقول: قد صرّح الصدوق (رحمه الله) في من لا يحضره الفقيه(5) بخلاف ذلك حيث حمل روايات المئة على فرض الاقرار أو البيّنة، وحمل روايات التسعة والتسعين على فرض علم الإمام بما يوجب الحدّ من دون إقرار ولا بيّنة، فينقص سوط واحد لأجل عدم الاقرار وعدم البيّنة.

وعلى أيّ حال فإذا فرض أنّ عدم تواجد قائل غير أبي عليّ بمفاد روايات المئة أوجب فقدان الوثوق المشترط في حجية الروايات، فالمتعيّن هو الافتاء بروايات الضرب تسعة وتسعين سوطاً.

بل قد يقال بأنّ الضرب تسعة وتسعين أيضاً غير واجب، وإنّما يرجى تقدير الموقف إلى الحاكم  وذلك لما ورد عن طلحة بن زيد بسند تام عن جعفر عن أبيه (عليهما السلام) أنّه رفع إلى أمير المؤمنين  رجل وجد تحت فراش امرأة في بيتها، فقال: « هل رأيتم غير ذلك؟ قالوا: لا، قال: فانطلقوا به إلى مخروة(6) فمرّغوه عليها ظهراً لبطن ثمّ خلّوا سبيله »(7).


(1) انظر: الخلاف 3: 178، كتاب الحدود، م 9.
(2) الخلاف 3: 178، م 9.
(3) التهذيب 10: 43 ـ 44.
(4) مباني تكملة المنهاج 1: 240.
(5) الفقيه 4: 15.
(6) «مَخرُأَة»: اسم موضع الخرء، أي العذرة، انظر القاموس المحيط، مادة «خرئ».
(7) الوسائل 18: 410، ب 40 من حدّ الزنا، ح 2.
10

فهذه الرواية دلّت على تعزير آخر غير الضرب تسعة وتسعين، بل دلّت أيضاً على أنّ مجرد الاجتماع تحت فراش واحد لا يكون أمارة على الجلد.

إلّا أنّه يمكن النقاش في دلالة هذه الرواية بأنّ اجتماعهما في فراش واحد غير مفروض في الرواية فضلاً عن فرض عدم الحاجز بينهما بالثياب بفرض أمارة على العمل مثلاً.

ومثل هذه الرواية ما عن حفص بن البختري التام سنداً عن أبي عبد الله  قال: « أتي أمير المؤمنين  برجل وجد تحت فراش رجل، فأمر به أمير المؤمنين  فلوّث في مخروة »(1).

نعم، قد يمكن الاستشهاد بعدم تعيّن عدد التسعة والتسعين سوطاً بما عن معاوية بن عمّار بسند تام قال: قلت لأبي عبد الله : المرأتان تنامان في ثوب واحد؟ فقال: « تضربان، فقلت: حدّاً، قال: لا، قلت: الرجلان ينامان في ثوب واحد؟ قال: يضربان، قال: قلت: الحدّ؟ قال: لا »(2) حيث إنّ هذا الحديث اقتصر على ذكر الضرب وأنّه لا يصل الضرب إلى مستوى الحدّ، ومقتضى إطلاق ذلك عدم تعيّن التسعة والتسعين.

نعم، إنّما وردت هذه في خصوص اجتماع رجلين أو امرأتين، ولم تشمل فرض اجتماع رجل وامرأة.

وعلى أيّ حال فقد يكون الجمع بالتقييد أولى من الجمع بحمل روايات التسعة والتسعين على ذكر أحد المصاديق.

إذاً فيتعيّن القول بوجوب الضرب تسعة وتسعين لو لم يكن إجماع على خلافه، أمّا بناء على ما ذكره صاحب الجواهر (رحمه الله) (3) من الإجماع على خلافه فقد يتعيّن حمل الروايات على بيان أقصى الحدّ.

هذا كلّه لو افترضنا انسلاب الوثوق من روايات المئة إلى حدّ بحيث تسقط عن الحجّية، وإلّا فالتعارض مستحكم بين الطائفتين، فإن صحّ ما نقله الشيخ الطوسي (رحمه الله) من أنّ قاطبة السنّة يرون التعزير لا الحدّ تعيّن حمل روايات التسعة والتسعين على التقيّة، وإلّا فبما أنّ مجموع الطائفتين بالغة حد الاستفاضة فنحن نعلم إجمالاً بتعيّن أحد الحدّين المئة أو التسعة والتسعين، فيقتصر على القدر المتيقن، وهو التسعة والتسعون أو التعزير.


(1) الوسائل 18: 424، ب. من حدّ اللواط، الحديث الوحيد من الباب.
(2) الوسائل 18: 367، ب 10 من حدّ الزنا، ح 16.
(3) انظر: جواهر الكلام 41: 290 ـ 291.
11

الأمر الرابع ـ ما ورد في تعزير الطفل أو المملوك:

ولنذكر بهذا الصدد روايات:

1 ـ ما ورد بسند تام عن حريز عن أبي عبد الله  قال: « لا بأس أن يؤدّب المحرم عبده ما بينه وبين عشرة أسواط »(1).

2 ـ ما عن حماد بن عثمان بسند غير تام قال: قلت لأبي عبد الله : في أدب الصبي والمملوك، فقال: « خمسة أو ستة، وارفق »(2).

3 ـ ما عن السكوني بسند غير تام عن أبي عبد الله : « إنّ أمير المؤمنين  ألقى صبيان الكتّاب ألواحهم بين يديه ليخيّر بينهم، فقال: أما إنّها حكومة والجور فيها كالجور في الحكم، أبلغوا معلّمكم أنّ ضربكم فوق ثلاث ضربات في الأدب اقتص منه »(3)، ورواه الصدوق باسناده إلى قضايا أمير المؤمنين  نحوه. وهذا السند تام.

4 ـ ما عن زرارة قال: قلت لأبي عبد الله : ما ترى في ضرب المملوك؟ قال: « ما أتى فيه على يديه فلا شيء عليه، وأمّا ما عصاك فيه فلا بأس. قلت: كم أضربه؟ قال: ثلاثة أو أربعة أو خمسة »(4). وسند الحديث غير تام.

5 ـ ما عن أبي العباس بسند تام عن أبي عبد الله  قال: قلت له: ما للرجل يعاقب به مملوكه؟ فقال: « على قدر ذنبه. قال: قلت: قد عاقبت حريزاً بأعظم من جرمه. فقال: ويلك هو مملوك لي، إنّ حريزاً شهر السيف، وليس منّي من شهر السيف »(5).


(1) الوسائل 9: 180، ب 95 من تروك الاحرام، ح 1.
(2) الوسائل 18: 581، ب. من بقية الحدود، ح 1.
(3) المصدر السابق: 582، ح2.
(4) المصدر السابق: ح 3.
(5) الوسائل 18: 339، ب 30 من مقدمات الحدود، ح 1.
12

6 ـ ما عن إسحاق بن عمّار بسند تام قال: قلت لأبي عبد الله : ربّما ضربت الغلام في بعض ما يجرم؟ قال: « وكم تضربه؟ قلت: ربّما ضربته مئة فقال: مئة ! مئة ! فأعاد ذلك مرّتين، ثمّ قال: حدّ الزنا ! اتق الله، فقلت: جعلت فداك فكم ينبغي لي أن أضربه؟ فقال واحداً، فقلت: والله لو علم إنّي لا أضربه إلّا واحداً ما ترك لي شيئاً إلّا أفسده، قال: فاثنين، فقلت: هذا هو هلاكي، قال: فلم أزل اماكسه حتّى بلغ خمسة، ثمّ غضب، فقال: يا إسحاق إن كنت تدري حدّ ما أجرم فأقم الحدّ فيه، ولا تعدّ حدود الله »(1).

7 ـ ما عن أبي بصير بسند تام عن أبي جعفر  قال: « من ضرب مملوكاً له بحد من الحدود من غير حدّ وجب لله على المملوك لم يكن لضاربه كفّارة إلّا عتقه »(2).

وفي نسخة الكافي « من ضرب مملوكاً حدّاً من الحدود من غير حدّ أوجبه المملوك على نفسه لم يكن لضاربه كفّارة إلّا عتقه »(3).

8 ـ ما عن عليّ بن جعفر بسند غير تام عن أخيه موسى بن جعفر (عليهما السلام) قال: سألته عن رجل هل يصلح له أن يضرب مملوكه في الذنب يذنبه؟ قال: « يضربه على قدر ذنبه، إن زنى جلده، وإن كان غير ذلك فعلى قدر ذنبه، السوط والسوطين وشبهه، ولا يفرط في العقوبة »(4).

9 ـ ما عن إسماعيل بن عيسى عن الأخير  في مملوك يعصي صاحبه، أيحلّ ضربه أم لا؟ فقال: « لا يحلّ أن يضربه، إن وافقك فامسكه، وإلّا فخلّ عنه »(5).

وهذا الحديث نقله الشيخ في التهذيب تارة بسنده عن أحمد بن محمّد في مسائل إسماعيل بن عيسى عن الأخير(6) بالنحو الذي ذكرناه، وهو مطابق مع نقل الكافي له عن عدّة من أصحابنا عن أحمد بن محمّد في مسائل إسماعيل بن عيسى عن الأخير(7).


(1) المصدر السابق: ح 2.
(2) المصدر السابق: 340، ح 5.
(3) الكافي 7: 263، ح17. انظر: الوسائل 18: 337، ب 27 من مقدمات الحدود، ح 1.
(4) الوسائل 18: 340، ب 30 من مقدمات الحدود، ح 8.
(5) الوسائل 18: 337، ب 27 من مقدمات الحدود، ح 2.
(6) التهذيب 10: 148، كتاب الحدود باب من الزيادات، ح 22.
(7) الكافي 7: 261، كتاب الحدود باب النوادر، ح 5.
13

واُخرى بسنده إلى محمّد بن عليّ عن محبوب عن إسماعيل بن عيسى عن أبي الحسن  قال: سألته عن الأجير يعصي صاحبه، أيحل ضربه أم لا؟ فأجاب  « لا يحل أن تضربه، إن وافقك أمسكه، وإلّا فخلّ عنه »(1).

والظاهر انّ هذا هو الصحيح فإنّ قوله وإلّا فخلّ عنه يناسب الأجير لا المملوك وعلى أي حال فاسماعيل بن عيسى لم تثبت وثاقته.

10 ـ ما عن طلحة بن زيد عن جعفر بن محمّد عن أبيه عن عليّ  قال: « اضرب خادمك في معصية الله عزّوجلّ، واعف عنه فيما يأتي إليك »(2)، وسند الحديث غير تام.

11 ـ مرسلة الصدوق قال: قال رسول الله (صلى الله عليه و آله): « لا يحلّ لوال يؤمن بالله واليوم الآخر أن يجلد أكثر من عشرة أسواط إلّا في حدّ » واُذن في أدب المملوك من ثلاثة إلى خمسة(3).

وبعد هذا يجب أن نبدأ في صلب الموضوع. ويمكن تقسيم الموضوع إلى مسألتين: إحدهما: تعزير المجرم، والاُخرى تعزير الأطفال(4):

البحث في تعزير المجرم:

أمّا المسألة الاُولى، وهي تعزير المجرم فما يترائى في بادئ الأمر من مبدأ ولاية الفقيه أنّه لا حدّ لتعزيره إطلاقاً، وإنّما الأمر راجع إلى وليّ الأمر  وذلك بدليل أنّ مقتضى إطلاق ولايته هو أنّه الذي يلحظ مصلحة الفرد والمجتمع ويتصرّف وفق مصلحة المولّى عليه ويعزّر المذنب وفق مقدار ذنبه وما يقتضيه تأديبه وما يقتضيه إصلاح أمر المجتمع.

إذن فلا مقياس للتعزير ما عدا المصلحة، فلا يحدّد بالكمّ بأن يقال: لا يضرب أكثر من كذا مقدار، ولا بالكيف بأن يقال: لا يسجن أو لا يغرّم ماليّا. هذا ما يترائى في بادئ الأمر من اطلاق مبدأ ولاية الفقيه.


(1) التهذيب 10: 154، كتاب الحدود باب من الزيادات، ح 5.
(2) الوسائل 18: 340، ب 30 من مقدمات الحدود، ح 4.
(3) من لا يحضره الفقيه 4: 73، ح 5143. وانظر: الوسائل 18: 584، ب 10، من بقية الحدود، ح 2.
(4) لقد اقتصر سماحة السيّد دام ظلّه على بحث المسألة الاُولى فقط دون الثانية، ونسأل من الله أن تتوفّر الفرصة الكافية لبحثها أيضاً.
14

إلّا أنّه يمكن إثارة مناقشات عديدة ضدّ هذا البيان نذكرها تباعاً للتمحيص إن شاء الله:

المناقشة الاُولى ـ أن يقال: إنّ ولاية الفقيه إنّما هي في حدود ما يباح شرعاً، فمثلاً ليس لوليّ الأمر أن يسمح بشرب الخمر أو يوجبه بعد أن كان محرّماً في الإسلام، فإذا شككنا في جواز الحبس أو التغريم المالي أو الضرب بالمقدار الفلاني كان إثبات جوازه باطلاق دليل ولاية الفقيه تمّسكاً بالعام في الشبهة المصداقية لنفس العام.

والجواب: إنّ هناك فرقاً بين ما كان محرّماً بحرمة ذاتية بغض النظر عن حقّ المولّى عليه كحرمة شرب الخمر، وما كان محرّماً بمعنى أنّ فيه هضماً لحقّ المولّى عليه كحرمة الضرب أو الحبس أو التغريم، فالمفهوم عرفاً من ولاية وليّ الأمر هو أنّه حينما يرى من مصلحة المولّى عليه الذي هو الفرد كفرد أو كجزء من المجتمع ما يكون حراماً لولا الولاية من باب هضم حق المولّى عليه جاز له ذلك تماماً من قبيل تصرّف وليّ الطفل في مال الطفل بالبيع والشراء أو بالأكل مع الضمان أو غير ذلك ممّا يكون في مصلحة المولّى عليه مع حرمته في نفسه لولا الولاية  إذ لا معنى للولاية إلّا جواز أو صحة تصرّف ما بالنسبة للمولّى عليه مّما لولا الولاية كان لا يجوز أو لا يصح  لأنّه خلاف حق المولّى عليه، أمّا ما هو جائز وصحيح بغض النظر عن الولاية فلا حاجة فيه إلى الولاية.

المناقشة الثانية ـ أن يقال في مسألة التغريم: إنّ ولاية وليّ الأمر لا تشمل تغيير الحكم الوضعي، فليس لوليّ الأمر مثلاً أن يجعل النجس طاهراً أو الطاهر نجساً ولو اقتضت مصلحة المولّى عليه، ذلك بينما له أن يحرّم أكل شيء طاهر مثلاً، ومسألة التغريم من هذا القبيل  إذ ليس محتوى التغريم مجرّد تحريمه لتصرّف صاحب المال في ماله، وإنّما محتواه إخراجه عن ملكه الذي هو حكم وضعي وتمليكه لبيت المال مثلاً، وهذا من قبيل جعل الطاهر نجساً وبالعكس.

والجواب: إنّ هناك فرقاً بين مثل الطهارة والنجاسة من الاُمور التي لا تتغيّر باذن المالك ومثل التملّك الذي يصح باذن المالك فيجوز تملّك مال الغير حينما يأذن الغير فيه، وإذن الولي قائم مقام إذن المولّى عليه في نظر العرف بحيث لا يفهم عرفاً من أدلّة التصرفات المتوقفة على الاذن إذن خصوص المالك، بل المفهوم منها عرفاً هو الجامع بين إذن المالك وإذن الوليّ، فبيع مال الغير مثلا يصح حينما يكون بإذن المالك أو بإذن وليّه وكذلك تملّك ماله، وما نحن فيه من هذا القبيل. اذن فتملّك مال المولّى عليه حينما تقتضي المصلحة ذلك مستبطن عرفاً في مفهوم الولاية.

15

وإن شئت فقل: إنّ هذا أيضاً يرجع في روحه إلى أنّ المانع عن صحة أو جواز عمل الوليّ هو حق المولّى عليه لولا الولاية، فهذا يرجع في روحه ـ  إشكالاً وجواباً  ـ إلى المناقشة الاُولى وجوابها.

المناقشة الثالثة ـ ما ورد في تحديد الضرب في التعزير تارة ببضعة عشر سوطاً ما بين العشرة إلى العشرين كما في رواية إسحاق بن عمّار الماضية(1)، واُخرى بما دون الحدّ كما مضى في حديث حمّاد بن عثمان قال: قلت له كم التعزير؟ فقال: « دون الحدّ قال: قلت: دون ثمانين؟ قال: لا، ولكن دون أربعين، فإنّها حدّ المملوك. قلت: وكم ذاك؟ قال: على قدر ما يراه الوالي من ذنب الرجل وقوّة بدنه »(2). وثالثة بما أقصاه عشرة أسواط كما في مرسلة صدوق المتقدّمة(3) إلّا أنّ الرواية الثالثة ساقطة بالإرسال.

ومضمون الرواية الثانية خلاف المشهور شهرة فتوائية وروائية  فإنّ القول بكون حدّ المملوك في القذف أو الخمر أربعين خلاف المشهور وخلاف الأكثرية الساحقة للروايات. والظاهر إنّ تلك الروايات مخالفة للعامة، وهذه الرواية إن حملت على القذف فهي مخالفة لاطلاق الكتاب: ﴿ وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُـحَصَنَاتِ... ﴾(4).

إذن فهذه الرواية ساقطة عن الحجّية.

وقد يقال: إنّ هذه الرواية تحمل على التقيّة في حكمها بأنّ حدّ العبد أربعون أو قل: وفي حكمها أيضاً بأنّ المقياس في كون التعزير أقلّ من الحدّ هو حدّ العبد أي أربعون، كما قال به أبو حنيفة ـ  على ما نقله الشيخ (رحمه الله) في الخلاف(5)  ـ.

لكن لا يحمل صدر الحديث الناطق بأنّ التعزير دون الحدّ على التقيّة لعدم مبرّر لحمل صدر الحديث على التقيّة.


(1) الوسائل 18: 583، ب 10، من بقية الحدود، ح 1.
(2) الوسائل 18: 584، ب 10، من بقية الحدود، ح 3.
(3) من لا يحضره الفقيه 4: 73، ح 5143.
(4) سورة النور، الآية: 4.
(5) الخلاف 3: 224.
16

وأمّا الرواية الاُولى وهي رواية إسحاق بن عمّار التي تحدّد التعزير ببضعة عشر سوطاً ما بين العشرة إلى العشرين فتعارضها الرواية الثانية ـ  إذ دلّت على أكثر من ذلك  ـ ورواية سماعة المتقدّمة في شهود زور يجلدون حداً ليس له وقت وذلك إلى الإمام(1) بناء على أنّ التحديد ببضعة عشر سوطاً أيضاً وقت، فقد يقيّد إطلاق رواية إسحاق برواية سماعة، كما قد يعكس الأمر فيقال: إنّ قوله: « ليس له وقت » مطلق يدلّ على نفي أيّة درجة من درجات التحديد، فيقيّد برواية إسحاق التي حدّدت بما بين العشرة والعشرين، فحتى بعد هذا التقييد يصدق عنوان « ليس له وقت »  إذ ليس له تعيّن كامل  ولعلّ هذا أوفق بالفهم العرفي.

هذا، والذي يظهر من العبارة المنقولة عن المجلسي (رحمه الله) في مرآة العقول هو عدم إفتاء الأصحاب بمضمون رواية بضعة عشر سوطاً حيث قال ـ  على ما نقل عنه فيما تحت الخط في الكافي في مقام التعليق على هذا الحديث  ـ: « يدلّ على أنّ أقلّ التعزير عشرة وأكثره عشرون، وهو خلاف ما ذكره الأصحاب من أنّ حدّه لا يبلغ حدّ الحرّ إن كان المعزّر حرّاً، وحدّ المملوك إن كان مملوكاً... »(2).

هذا، ويؤيد كلام المجلسي رضوان الله عليه نظر الشيخ الطوسي (رحمه الله) في الخلاف فراجع(3).

وعلى أيّ حال فمقتضى الجمع بين رواية إسحاق بن عمّار المحدّدة بما بين العشرة والعشرين ورواية حماد بن عثمان المحدّدة بما دون الحدّ هو حمل رواية إسحاق بن عمّار على ضرب من النصح في عدم المبالغة في الضرب والتأكيد على عدم تجاوز الحدّ الذي يستحقه العاصي، أمّا الحدّ الحقيقي لأكثر مستويات التعزير فهو ما جاء في رواية حماد من أنّه دون الحدّ.

يبقى الكلام في تفسير كلمة دون الحدّ:

1 ـ فقد تفسّر بما دون حدّ الزنا، فيكون أكثر مستويات التعزير هو تسعة وتسعون سوطاً، ويمكن استظهار ذلك من روايات ضرب الرجلين أو المرأتين أو الرجل والمرأة المجتمعين في لحاف واحد تسعة وتسعين سوطاً.


(1) الوسائل 18: 584، ب11 من بقية الحدود، ح1.
(2) الكافي 7: 240، ح1.
(3) الخلاف 3: 224، كتاب الأشربة، م14.
17

إلّا أنّ التمسك بهذه الروايات يتوقف على حملها على التعزير، إمّا باستظهار أنّ استثناء ضرب واحد كان لأجل التخلّص من الوصول إلى الحدّ، إذاً فهذا تعزير يتخيّر الحاكم في تحديده، وليس من المعيّن الضرب تسعة وتسعين كي يكون حدّاً، وإمّا بقرينة الإجماع على عدم تعيّن التسعة والتسعين كما يدّعى، وإمّا بقرينة رواية الضرب ثلاثين سوطاً كما قيل: إنّ مقتضى الجمع بينها وبين روايات التسعة والتسعين هو تخيير الحاكم من الثلاثين إلى التسعة والتسعين.

إلّا أنّ ذلك الاستظهار لا شاهد له، وهذا الجمع تبرّعي بحت.

ولو تمّ شيء من هذا القبيل فهذه الروايات لا تدلّ على قضية كلّية وهي: إنّ التعزير مطلقاً أقلّ من حدّ الزنا، وإنّما تدلّ على ذلك في خصوص مسألة النوم في لحاف واحد.

2 ـ وقد تفسّر كلمة ما دون الحدّ بما دون الخمسة والسبعين سوطاً  لما يقال في حدّ القيادة من أنّه خمسة وسبعون سوطاً.

3 ـ وقد تفسّر كلمة ما دون الحدّ بمعنى دون الأربعين كما هو صريح ذيل رواية حماد بن عثمان، ولكن قد عرفت أنّ ذيل رواية حماد محمول على التقيّة.

4 ـ وقد تفسّر بمعنى دون الخمسين  لأنّ حدّ العبد في الزنا خمسون.

والتحقيق إنّنا لو كنّا وصدر حديث حماد بن عثمان وهو قوله « كم التعزير؟ قال: دون الحدّ » لكان المفهوم من ذلك عرفاً هو أنّ الحرّ يعزّر دون حدّ الحرّ، والعبد يعزّر دون حدّ العبد، لا أنّهما يعزّران دون حدّ العبد وهو الخمسون مثلاً.

ولكن ذيله صرّح بأنّ التعزير هو دون الأربعين  لأنّ حدّ العبد أربعون، وقد حملنا ذلك على التقيّة  لمعارضته للروايات الدالّة على أنّ حدّ العبد في الخمر والقذف ثمانون وليس أربعين.

18

إلّا أنّه قد يتوهّم أنّنا وإن حملنا ذلك على التقيّة لكن لا نحمل أصل فكرة أنّ التعزير حتّى في الحرّ يكون أقلّ من حدّ العبد على التقيّة  إذ لا نصّ يعارض ذلك، فالنتيجة هي إنّ التعزير مطلقاً هو دون الخمسين الذي هو حدّ العبد في الزنا.

إلّا أنّ هذا التوهّم غير صحيح  إذ أصل فكرة أنّ التعزير يكون أقلّ من حدّ العبد مدلول تحليلي لما حمل على التقيّة، وليست مفاد قطعة مستقلّة للحديث، وفي مثل ذلك لا نقول بحجّيّة المفاد التحليلي.

نعم، هذا الذيل رغم أنّه ورد للتقية يؤثّر على أيّ حال في إجمال الصدر  لأنّه متّصل به، فظهور الصدر في أنّ الحرّ يعزّر أقلّ من حدّ الحرّ والعبد يعزّر أقلّ من حدّ العبد ينتفي، ويصبح الحديث مجملاً مردداً بين إرادة أنّ الحرّ والعبد يعزّران أقلّ من حدّ العبد وهو الخمسون، أو إنّ الحرّ يعزّر أقلّ من حدّ الحرّ والعبد أقلّ من الخمسين، ومع الاجمال نرجع إلى إطلاق دليل ولاية الفقيه المثبت لجواز تعزير الحرّ ـ  عندما يرى الفقيه المصلحة في ذلك  ـ بأكثر من خمسين، فالقدر المتيقّن هو أنّه لا يجوز تعزير الحرّ بما يصل إلى مستوى حدّ الحرّ، أمّا ما دون ذلك فيجوز عند المصلحة بإطلاق دليل الولاية.

يبقى أنّ حدّ الحرّ المفروض كون تعزيره أقلّ منه هل هو ثمانون وهو حدّ الخمر والقذف أو خمسة وسبعون كما يقال في القيادة؟

أو يقال: إنّ أقلّ الحدود هو خمسة وعشرون الوارد في مجامعة الزوجة في حال الحيض أو في نهار شهر رمضان مثلاً، والعبد أيضاً لا يضرب أكثر من ذلك.

قد يقال: إنّ ما جاء في ذيل الحديث من قوله: « قلت: دون ثمانين؟ قال: لا ولكن دون أربعين... الخ» يدلّ ولو بالتقرير على أنّ النظر في الحدّ كان إلى حدّ الخمر والقذف، لا القيادة.

19

إلّا أنّ هذه الدلالة لو تمّت فهي تحليليّة أيضاً لا يمكن الاعتماد عليها بعد حمل الذيل على التقيّة. إلّا أنّها على أيّ حال توجب إجمال الصدر، فلا يمكن دعوى ظهور الصدر في إرادة أنّ تعزير الحرّ يكون أقلّ من أقلّ حدود الحرّ، بل بغضّ النظر عن ذلك يمكن أن يقال انّ كلمة الحدّ في الصدر تنصرف ـ  أو على الأقلّ محتملة الانصراف  ـ إلى الحدّ الواضح بين المسلمين، وهو الوارد في القرآن، وهو حدّان أقلّهما حدّ القذف وهو ثمانون، فلا ظهور للصدر في ذاته في إرادة ما هو أقلّ من ذلك كحدّ القيادة أو مجامعة الحائض مثلاً. ومع الاجمال نرجع إلى إطلاق دليل الولاية، ويثبت جواز تعزير الحرّ بما يراه الوالي من مصلحة ما لم يصل إلى الثمانين، أمّا في العبد فيجب أن لا يصل إلى الخمسين، هذا.

وينبغي أن نستثني من قاعدة عدم جواز الضرب في غير موارد الحدّ بما يبلغ مستوى الحدّ حالتين:

الحالة الاُولى: ما لو جزمنا أنّ هذا المبلغ لا يكفي لتأديبه، فالوليّ يعيّن حينئذ ما يراه صالحاً لتأديبه  وذلك لأنّ التعزير يعني التأديب والمنع، فلا يفهم العرف من دليل تحديد أقصى حدّ التعزير بما دون الحدّ إطلاقاً لما إذا قطعنا بعدم حصول التأديب والمنع بذلك.

الحالة الثانية: ما لو كان العمل المردوع عنه يهدف إقصاءَه بحدّ ذاته من الخارج للمصالح الاجتماعيّة، فلم يعد الهدف مجرّد تأديب هذا الشخص وتهذيبه، وتوضيح ذلك:

إنّه لا إشكال في مطلوبية تأديب وتهذيب كلّ عاص من العصاة لمصلحته هو، كما لا إشكال في أنّ تأديب كلّ عاص يعود بوجه ما نفعه إلى المجتمع أيضاً، ولكن قد يكون تأثير بعض المعاصي في الاضرار بالمجتمع واضحاً إلى حدّ كان هدف إنجاء المجتمع من ذلك يرى هدفاً مستقلاً بذاته بغضّ النظر عن تأديبه وتهذيب هذا الشخص، كما لو كان ما يصدر منه إيذاءً للمجتمع كالتجسّس مثلاً، فهذا يختلف عن مجرّد رجوع ضرر كلّ معصية إلى المجتمع بالتحليل، ففي مورد من هذا القبيل لا يبعد أن يقال بأنّ تخمين مقدار الحاجة إلى الضرب يعود إلى وليّ الأمر، ولا نتقيّد بحدود ما يقل عن الحدّ  لعدم إطلاق في الرواية لذلك.

20

بيان ذلك: إنّ المقصود بالتعزير في هذه الرواية ليس مطلق التأديب والمنع بعمومه اللغوي الذي يشمل حتّى الحدّ كما هو واضح، فبداهة عدم شموله لمورد الحدّ قرينة عرفية كالمتصل على أنّ المقصود بالتعزير هو ما إذا كان الهدف مجرّد التأديب والمنع، وإن كان بالتحليل يؤدّي إلى أهداف اُخرى أيضاً، أمّا إذا كان هناك هدف آخر كإجراء حدود لله ـ  لما لها من نوع استقلاليّة عن التأديب وأنّها لا تسقط بالتوبة بعد الوصول إلى الحاكم  ـ أو استئصال أصل الضرر الاجتماعي الذي هو شيء إضافي على أصل تأديب هذا الشخص عرفاً فهذا خارج عن إطلاق الرواية.

وإن شئت فقل: إنّ إطلاق الرواية حيثي، فهي تدلّ على أنّ التعزير من حيث هو تعزير لا يصل إلى مستوى الحدّ، ولا تدلّ على عدم جواز الاضافة على ذلك لأهداف اُخرى، فنرجع في ذلك إلى إطلاق دليل ولاية الفقيه، فهذان موردان لجواز الضرب أكثر من الحدّ:

أحدهما: ما لو علمنا بعدم الارتداع بالأقلّ.

والثاني: ما لو كان استئصال أصل الخطر الاجتماعي مطلوباً في نفسه بغضّ النظر عن تأديب هذا الشخص، ولئن كان المورد الثاني قابلاً للتردّد والشكّ فالأمر في المورد الأوّل واضح في رأيي، هذا.

فخلاصة الأمر هي عدم التقيّد بمقدار ما دون الحدّ، أمّا في خصوص ما إذا علمنا بعدم الارتداع بذلك أو يضاف إلى ذلك ما إذا كان إنجاء المجتمع عن ضرره هدفاً مستقلاًّ غير تأديبه وردعه. أمّا في غير هذين الموردين فلا يجوز بلوغ الضرب إلى الثمانين.

بل لعلّ العرف يتعدّى من الضرب إلى سائر أنواع التأديب كالتغريم، فالأحوط أن لا يزيد أيّ لون من ألوان التأديب عن مقدار يرى عرفاً أشدّ من تسعة وسبعين سوطاً.

المناقشة الرابعة ـ ما يرد بخصوص الحبس من ورود النهي عنه في غير الغاصب وآكل مال اليتيم، وقد دلّت على ذلك رواية زرارة المتقدّمة، ومضى بمضمونها أيضاً حديث غير تام السند(1).


(1) الوسائل 18: 578، ب5 من بقية الحدود، ح1.
21

والمهمّ هو رواية زرارة  لتماميّتها سنداً، وهي كما يلي: عن زرارة عن أبي جعفر  قال: « كان عليّ  يقول: لا يحبس في السجن إلّا ثلاثة: الغاصب، ومن أكل مال اليتيم ظلماً، ومن اؤتمن على أمانة فذهب بها...الخ »(1).

وقد يحتمل كون هذا رأي أمير المؤمنين  بوصفه حاكماً ووليّاً للأمر، لا بوصفه مبيّناً للشريعة. وعلى أيّ حال فلعلّ الأحوط عدم التعزير بالحبس في غير هؤلاء الثلاثة.

نعم، يستثنى من ذلك ما لو كان تخليص المجتمع من إيذائه متوقّفاً على إيداعه في السجن أو كان تأديبه بغير الحبس متوقّفاً على ما هو أشدّ من الحبس  إذ لو سلّم حمل الحديث على بيان الحكم الشرعي فبمقتضى مناسبات الحكم والموضوع في هذا الحديث الوارد بهدف الرفق بالفرد والمجتمع لا  يكون للحديث إطلاق لهذين الموردين.


(1) الوسائل 18: 217، ب26 من كيفية الحكم، ح2.