1

بحث في اللقطة ومجهول المالك

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربّ العالمين، وصلّى الله على محمّد وآله الطيبين الطاهرين.

تعريف الضالّة واللقطة:

جرى اصطلاح الفقهاء على تسمية الطفل الضائع الملتقط بـ "اللقيط" والحيوان بـ "الضالّة" وغيرهما بـ "اللقطة". وبحثنا هنا يكون في الضالّة واللقطة ومجهول المالك. أمّا اللقيط فلا نبحث عنه هنا.

ويبدو أنّ الضالّة تستعمل لغةً وعرفاً في الحيوان بخصوصه وفي مطلق ما ضلّ ولو لم يكن حيواناً، ولذا تقول مثلاً: "الحكمة ضالّة المؤمن"(1). وكأنّ نكتة استعمال الضالّة بمعنى الحيوان بالخصوص هي ما يمتلكه الحيوان من نوع من الشعور والإرادة والتعلّق بمحلّه الخاصّ أو بمالكه، فإذا وقع في مكان آخر فقد أصبح ضالاً أي تائهاً عن الطريق وعن مكانه الأصلي وصاحبه لا يهتدي إليه سبيلاً. أمّا الجوامد فلا علاقة لها بمكان معيّن ومحلّ خاصّ أو مالك معيّن كي يقال إنّها تاهت عن المكان أو المالك وفي نفس الوقت يصدق عليها أيضاً الضالّة بمناسبة مالكها الذي يفهم ويعقل وله تعلّق بها فقد ضيّعها وتاهت عنه. إذاً، فكلمة "الضالّة" يناسب استعمالها في خصوص الحيوان وفي مطلق المال، وقد استعملت في الروايات بكلا المعنيين:

فقد روى الصدوق (رحمه الله) في الفقيه بسنده عن مسعدة بن زياد عن الصادق عن أبيه أنّ عليّاً قال: "إيّاكم واللقطة؛ فإنّها ضالّة المؤمن، وهي حريق من حريق جهنّم"(2). فهنا قد اطلق الضالّة على مطلق اللقطة، وسند الحديث تامّ

وروى الشيخ والصدوق عن الحسين بن زيد عن جعفر عن أبيه ' قال: "كان أمير المؤمنين يقول في الضالّة يجدها الرجل فينوي أن يأخذ لها جعلاً فتنفق؟ قال: هو ضامن، فإن لم ينو أن يأخذ لها جعلاً ونفقت فلا ضمان عليه"(3). وسند الحديث غير تامّ. وقد استعملت الضالّة هنا في خصوص الحيوان بقرينة كلمة "تنفق" و "نفقت".

وروى عليّ بن جعفر عن أخيه أبي الحسن قال: سألته عن جعل الآبق والضالّة؟ قال: "لا بأس به"(4). وسند الحديث تامّ، والظاهر أنّ الضالّة هنا استعملت في خصوص الحيوان؛ بقرينة إقرانها بالآبق.

وعلى أيّ حال، فلو ثبت حكم في الأخبار للضالّة ولم تكن هناك قرينة على استعمالها بمعنى مطلق اللقطة وكان يحتمل العرف الفرق، لم يصحّ التعدّي إلى غير الحيوان.

وأمّا كلمة "اللقطة" فقد ذكر صاحب الجواهر (رحمه الله) أنّها كلّ مال غير الحيوان ضائع اُخذ ولا يد عليه(5).


(1) الكافي 8: 167، ح 186.
(2) وسائل الشيعة 17: 349، ب. من اللقطة، ح 8. ط ـ المكتبة الاسلامية.
(3) المصدر السابق: 369، ب 19 من اللقطة، ح 1.
(4) وسائل الشيعة 16: 112، ب. من الجعالة، ح 1، وص 55، ب 50 من العتق، ح 1.
(5) جواهر الكلام 38: 271.
2

 

أقول: لا أظنّ تقيّد اللقطة لغةً أو عرفاً بغير الحيوان؟ وقد ورد في بعض الروايات إطلاقها على الحيوان، كرواية عليّ بن جعفر ـ التامّة سنداً ـ عن أخيه موسى بن جعفر سألته عن اللقطة إذا كانت جارية هل يحلّ فرجها لمن التقطها؟ قال: "لا، إنّما يحلّ له بيعها بما أنفق عليها..." الحديث(1).

ثم إن حكم الجعل قد يستفاد من ذيل هذه الرواية وما قبلها.

وعلى أيّ حال، فلو ثبت حكم للّقطة وكان العرف يحتمل الفرق فيه بين اللقطة ومجهول المالك غير اللقطة، فإن كان مركز احتمال الفرق هو إمكانية التعريف في اللقطة وعدم إمكانيّته في كثير من الأحوال في مجهول المالك غير اللقطة إذاً نتعدّى إلى خصوص مجهول المالك الذي يمكن تعريفه ونتعدّى في الحكم من اللقطة التي لا يمكن تعريفها إلى كلّ مجهول المالك ممّا لا يمكن تعريفه، ويصبح المعيار هو عنوان إمكان التعريف وعدمه، لا عنوان اللقطة و مجهول المالك غير اللقطة.

وإن كان مركز الاحتمال هو نفس عنوان الالتقاط، إذاً لا يمكن التعدّي إلى مجهول المالك غير اللقطة. فمثلاً لو حرم الالتقاط لم يدلّ ذلك على حرمة الأخذ من السارق، لأنّ احتمال الفرق عرفاً موجود، فلعلّه قد حرم الالتقاط برجاء أن يأتي صاحب المال ويأخذه، بينما الأخذ من السارق إنقاذ لمال صاحبه من يد السارق.

تبويب البحث:

إنّ منهج البحث عندنا: هوأنّنا نبحث أولاً عن كلّ حكم حكم من أحكام اللقطة وفي ذيل كلّ حكم نشير إلى أنّه هل هناك فرق في هذا الحكم بين الحيوان و غير الحيوان أو أنّ الحيوان لا يختلف فيه عن غيره؟

ثمّ نشير إلى حكم مجهول المالك غير اللقطة.

ثمّ نشير إلى أنّ الثغرات في مسألة اللقطة ومجهول المالك تملأ بولاية الفقيه.

أحكام اللقطة

الحكم الأول ـ حكم الالتقاط تكليفاً:

قد ورد في الروايات النهي عن الالتقاط، من قبيل ما عن مسعدة بن زياد عن الصادق عن أبيه أنّ عليّاً قال: "إيّاكم واللقطة؛ فإنّها ضالّة المؤمن، وهي حريق من حريق جهنّم"(2). وسند الحديث تامّ.

وما عن محمّد بن مسلم عن أحدهما '، قال: سألته عن اللقطة؟ قال: "لا ترفعوها، فإن ابتليت فعرّفها سنة، فإن جاء طالبها وإلا فاجعلها في عرض مالك يجري عليها ما يجري على مالك إلى أن يجيء لها طالب"(3). وسند الحديث تامّ.


(1) وسائل الشيعة 17: 351، ب. من اللقطة، ح 8.
(2) المصدر السابق: 349، ب. من اللقطة، ح 8.
(3) المصدر السابق: 350، ب. من اللقطة، ح 3.
3

 

وما عن محمّد بن مسلم عن أبي جعفر، قال: سألته عن اللقطة؟ قال: "لا ترفعها، فإن ابتليت بها فعرّفها سنة، فإن جاء طالبها وإلا فاجعلها في عرض مالك يجري عليها ما يجري على مالك حتّى يجيء لها طالب، فإن لم يجئ لها طالب فأوص بها في وصيّتك"(1). وسند الحديث تامّ.

وما عن الحسين بن أبي العلا قال: ذكرنا لأبي عبد الله اللقطة، فقال "لا تعرّض لها؛ فإنّ الناس لو تركوها لجاء صاحبها حتّى يأخذها"(2). وسند الحديث تامّ.

وقد يقال: إنّ النواهي الواردة عن التقاط اللقطة تحمل على الكراهة، وذلك للأخبار التي بيّنت أحكام اللقطة من مثل التعريف مع سكوتها عن النهي عن الالتقاط، بينما لو كان حراماً كان ينبغي النهي، من قبيل رواية عليّ بن جعفر قال: وسألته عن الرجل يصيب درهماً أو ثوباً أو دابّة كيف يصنع؟ قال:

"يعرّفها سنة، فإن لم يعرف صاحبها حفظها في عرض ماله حتّى يجيء طالبها فيعطيها إيّاه، وإن مات أوصى بها، وهو لها ضامن"(3). وسند الحديث تامّ.

وقد يدغدغ في ذلك: بأنّ هذا السكوت قد لا يقاوم النهي الوارد، ولكن هناك ما تكون دلالته على جواز الالتقاط أقوى من هذا السكوت وبيان ذلك:

فأوّلاً: الروايات التي اقترن السكوت فيها بما هو ظاهر في التملّك أو شبه التملّك بعد التعريف، من قبيل رواية حنان قال: سأل رجل أبا عبد الله ـ وأنا أسمع ـ عن اللقطة، فقال: "تعرّفها سنة، فإن وجدت صاحبها وإلا فأنت أحقّ بها< وقال: "هي كسبيل مالك". وقال: "خيّره إذا جاءك بعد سنة بين أجرها وبين أن تغرمها له إذا كنت أكلتها"(4). فإذا ضممنا السكوت وما ظاهره التملّك أو شبه التملّك إلى استغراب التجويز في التملّك عرفاً مع فرض ارتكابه الحرام في أصل الالتقاط تقوى الدلالة العرفية على جواز الالتقاط.

ورواية الحلبي ـ التامّة سنداً ـ عن أبي عبد الله في اللقطة يجدها الرجل الفقير، أهو فيها بمنزلة الغنيّ؟ قال: "نعم". واللقطة يجدها الرجل ويأخذها؟ قال: "يعرّفها سنة، فإن جاء لها طالب وإلا فهي كسبيل ماله. وكان عليّ بن الحسين يقول لأهله: لا تمسّوها"(5).

فترى هنا يسكت عن النهي، ويحكم بأنّه كسبيل ماله بعد التعريف، ثمّ يذكر النهي بلسان لا يستفاد منه أكثر من الكراهة، حيث ينسب النهي إلى عليّ بن الحسين في مقام نصحه لأهله.

وتشبه هذه الرواية رواية عليّ بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر قال: سألته عن اللقطة يصيبها الرجل؟ قال: "يعرّفها سنة، ثمّ هي كسائر ماله"(6). وسند الحديث تامّ.


(1) المصدر السابق: 352، ح 10.
(2) المصدر السابق: 348، ب. من اللقطة، ح 2.
(3) من لا يحضره الفقيه 3: 292، باب اللقطة والضالة، ح 4049، وتهذيب الأحكام 6: 398، ح 1198، وسائل الشيعة 17: 352، ب. من اللقطة، ح 13 مع بعض الفوارق اللفظية.
(4) وسائل الشيعة 17: 350، ب. من اللقطة، ح 5.
(5) تهذيب الأحكام 6: 389، ح 1163. وقد قطّعه صاحب الوسائل في ج 17 على الأبواب 1: ح 1، و 2: ح 1، و 16: ح. من أبواب اللقطة، وفي الأخير لم يذكر المتن وإنّما ذكر رواية علي بن جعفر، وقال: إنّ رواية الحلبي نحوه.
(6) وسائل الشيعة 17: 352، ب. من اللقطة، ح 12.
4

 

وثانياً: قد ورد نهي المملوك عن الالتقاط معلّلاً بأنّه لا يملك من نفسه شيء، وأنّه لابدّ من التعريف سنة، فالمملوك الذي لا يستطيع القيام بهذه الوظيفة لا ينبغي له أن يلتقط، وهذا كما ترى يدلّ على جواز الالتقاط لمن يستطيع التعريف، والحديث الوارد بهذا الصدد هو ما رواه أبو خديجة(2) عن أبي عبد الله، قال سأله ذريح عن المملوك يأخذ اللقطة؟ فقال: "وما للمملوك واللقطة؟! والمملوك لا يملك من نفسه شيئاً، فلا يعرض لها المملوك فإنّه ينبغي أن يعرّفها سنة في مجمع، فإن جاء طالبها دفعها إليه، وإلا كانت في ماله، فإن مات كانت ميراثاً لولده ولمن ورثه، فإن لم يجئ لها طالب كانت في أموالهم هي لهم، فإن جاء طالبها بعدُ دفعوها إليه"(2). وسند الحديث تامّ إن لم نناقش في أبي خديجة.

وثالثاً: قد ورد في لقطة الحرم ـ التي تمتاز بنهي خاصّ عن الالتقاط، أي إنّ الأمر فيها أشدّ ـ الترخيص بالالتقاط لمن يعرّف، فقد ورد عن فضيل بن يسار قال: سألت أبا عبد الله عن الرجل يجد اللقطة في الحرم؟ قال: "لا يمسّها، وأمّا أنت فلا بأس لأنّك تعرّفها"(3). وسند الحديث ضعيف.

وأيضاً ورد عن الفضيل بن يسار قال: سألت أبا جعفر عن لقطة الحرم، فقال: "لا تمسّ أبداً حتّى يجيء صاحبها فيأخذها". قلت: فإن كان مالاً كثيراً؟ قال: "فإن لم يأخذها إلا مثلك فليعرّفها"(4). وسند الحديث تامّ.

وقد ورد عن حريز بسند تامّ عن أبي عبد الله ـ في حديث ـ قال: "قال رسول الله (صلى الله عليه و آله): ألا إنّ الله عزّ وجلّ قد حرّم مكّة يوم خلق السماوات والأرض، وهي حرام بحرام الله إلى يوم القيامة؛ لا ينفر صيدها، ولا يعضد شجرها، ولا يختلى خلاها، ولا تحلّ لقطتها إلا لمنشد. فقال العبّاس: يا رسول الله، إلا الأذخر فإنّه للقبر والبيوت، فقال رسول الله (صلى الله عليه و آله): إلا الأذخر"(5).

فقوله: "لا تحلّ لقطتها" يدلّ على اشتداد النهي عن التقاط اللقطة في الحرم لغير المنشد؛ أي لغير المعرّف. وموضوع الكلام وإن كان هو مكّة ولكن المقصود منه كلّ الحرم؛ بقرينة كلامه عن تحريم الله مكّة، ونحن نعلم أنّ التحريم لكلّ الحرم، وتخصيص الحرم بالنهي عن الالتقاط إمّا يعني أنّ الالتقاط في غير الحرم لغير المنشد ليس حراماً وإن حرم عدم الإنشاد، أو يعني اشتداد الحرمة في الحرم، أو يعني ثبوت الحرمة حتّى على اللقطة التي يجوز التقاطها لغير المنشد في غير الحرم، وهي المحقّرات.

وعلى أيّ حال، فقوله: "إلا لمنشد" يدلّ على جواز الالتقاط في الحرم لمن يعرّف، فكيف بغير الحرم؟!.

بل بالإمكان القول بأنّ التقاط اللقطة ليس فقط غير مشتمل على الحرمة لمن يعرّف، بل غير مشتمل على الكراهة أيضاً بالمعنى المصطلح، وإنّما النهي الوارد عن التقاطها إرشاد إلى صعوبة التكليف المترتّب عليها أو إلى التخوّف عن الوقوع في الحرام من قبلها، كما يشهد لذلك تعليل النهي عن الالتقاط فيما مضى من رواية مسعدة بن زياد بأنّها حريق من حريق جهنّم، ويشهد لذلك أيضاً ما عرفته من روايات لقطة الحرم المخصّصة للنهي بغير من هو مثل فضيل بن يسار الذي يكون من المضمون قيامه بالتعريف.


(1) المقصود منه هنا سالم بن مكرم لا سالم بن سلمة؛ بقرينة رواية الوشا عن أحمد بن عائذ عنه، وسالم بن مكرم قد ذكر بحقّه النجاشي أنّه" ثقة ثقة "، ولكن قال الشيخ:" سالم بن مكرم يكنى أبا خديجة، ومكرم يكنى أبا سلمة، ضعيف..." إلا أنّ هذا التضعيف ليس بحجّة؛ لأنّ الشيخ تخيّل أنّ أباه يكنى أبا سلمة، فلعلّه اشتبهه بسالم بن أبي سلمة الذي قال عنه النجاشي:" حديثه ليس بالنقي، وإن كنّا لا نعرف منه إلا خيراً ".
وأمّا سالم بن مكرم فهو المكنّى بأبي سلمة لا أبوه، كما جاء في سند بعض الروايات تكنيته بذلك، وكنّاه النجاشي والبرقي بذلك، ونقل النجاشي والكشّي أنّ أبا عبد الله كناه بأبي سلمة بعد أن كان مكنى بأبي خديجة.
(2) وسائل الشيعة 17: 370، ب 20 من اللقطة، ح 1.
(3) وسائل الشيعة 9: 362، ب 28 من مقدمات الطواف، ح 5.
(4) المصدر السابق: 361، ح 2.
(5) المصدر السابق: 175، ب 88 من تروك الإحرام، ح 1.
5

 

يبقى أنّ هذا الشاهد الثاني ينافي التفصيل ـ الوارد في حديث يعقوب بن شعيب ـ بين لقطة الحرم ولقطة غير الحرم، فإذا كان النهي ـ حتّى في لقطة الحرم بالنسبة لمن يعرّف ـ إرشاداً إلى صعوبة العمل بالتكليف أو التخوّف من الوقوع في الحرام فما معنى التفصيل الوارد في حديث يعقوب بن شعيب بين لقطة الحرم. أو عنوان آخر يشبه عنوان الحرم. وغيرها، فقد روى يعقوب بن شعيب قال: سألت أبا عبد الله عن اللقطة ونحن يومئذٍ بمنى، فقال: "أمّا بأرضنا هذه فلا يصلح، وأمّا عندكم فإنّ صاحبها الذي يجدها يعرّفها سنة في كلّ مجمع، ثمّ هي كسبيل ماله"(1). فهذه الرواية التامّة السند دلّت على جواز الالتقاط في غير الحرم مثلاً ونهت عن الالتقاط في الحرم مثلاً، فلو كان النهي إرشاديّاً من هذا القبيل فما معنى هذا التفصيل؟!

وقد يقال: يكفي في التفصيل اشتداد النهي في لقطة الحرم سواء أكان نهياً كراهتيّاً أو إرشاداً إلى عدم الابتلاء بالحرام أو مشقّة التكليف المترتّب على الاتقاط، فقد تكون حرمة الأكل مثلاً في لقطة الحرم أشدّ، أو يكون التكليف المترتّب على التقاط لقطة الحرم أشقّ حيث يجوز الأكل بعد التعريف في لقطة غير الحرم ولا يجوز ذلك في لقطة الحرم، فلابدّ من التصدّق مثلاً كما يشهد لذلك ما عن إبراهيم بن عمر بسند تامّ عن أبي عبد الله قال: "اللقطة لقطتان: لقطة الحرم وتعرّف سنة؛ فإن وجدت صاحبها وإلا تصدّقت بها. ولقطة غيرها تعرّف سنة؛ فإن جاء صاحبها وإلا فهي كسبيل مالك"(2).

بقي أنّ وجود القرينة في بعض روايات النهي على عدم كونه نهياً كراهتيّاً بالمعنى المصطلح للكراهة وكونه إرشاداً إلى صعوبة التكليف أو خوف الوقوع في الحرام، لا يوجب حمل النهي الوارد في بعض الروايات الاُخرى أيضاً على ذلك، من قبيل ما مضى من رواية الحسين بن أبي العلا قال: ذكرنا لأبي عبد الله اللقطة، فقال: "لا تعرَّض لها؛ فإنّ الناس لو تركوها لجاء صاحبها حتّى يأخذها"(3). بل التعليل في هذه الرواية يشهد لثبوت الكراهة بنكتة أنّ الناس لو تركوها لجاء صاحبها حتّى يأخذها، وهذا غير مسألة صعوبة التكليف أو التخوّف من الوقوع في الحرام، فالظاهر كراهة التقاط اللقطة وخاصة في الحرم أو عنوان آخر يقرب من عنوان الحرم.

وقد ظهر إلى الآن: جواز التقاط اللقطة حتّى في الحرم رغم بعض النواهي عن الالتقاط مطلقاً، أو في الحرم، أو عنوان يقرب من عنوان الحرم، كقوله: "أمّا بأرضنا هذه فلا يصلح"(4).

يبقى الكلام في أنّ جواز الالتقاط هل يختصّ بغير الحيوان أو يشمل الحيوان؟

يبدو من بعض الروايات التفصيل في الحيوان بين ما يخاف عليه التلف، وما يحمي نفسه ولا يخاف عليه التلف، ففي الأوّل يجوز الالتقاط على كراهية، وفي الثاني لا يجوز.

فعن هشام بن سالم عنه أبي عبد الله قال: "جاء رجل إلى النبيّ (صلى الله عليه و آله) فقال: يا رسول الله إنّي وجدت شاة، فقال رسول الله (صلى الله عليه و آله): هي لك أو لأخيك أو للذئب. فقال: يا رسول الله: إنّي وجدت بعيراً، فقال: معه حذاؤه وسقاؤه؛ حذاؤه خفّه، وسقاؤه كرشه، فلا تهجه"(5). وسند الحديث تامّ.


(1) المصدر السابق: 361، ب 28 من مقدمات الطواف، ح 1.
(2) المصدر السابق: ح 4.
(3) وسائل الشيعة 17: 348، ب. من اللقطة، ح 2.
(4) وسائل الشيعة 9: 361، ب 28 من مقدمات الطواف، ح 1.
(5) المصدر السابق: 363، ب 13 من اللقطة، ح 1.
6

 

وعن معاوية بن عمّار عن أبي عبد الله قال: "سأل رجل رسول الله (صلى الله عليه و آله) عن الشاة الضالّة بالفلاة، فقال للسائل: هي لك أو لأخيك أو للذئب، قال: وما اُحبّ أن أمسّها. وسئل عن البعير الضالّ، فقال للسائل: ما لك وله؟! خفّه حذاؤه، وكرشه سقاؤه؛ خلِّ عنه"(1). وسند الحديث تامّ.

وعن عليّ بن جعفر ـ بسند تامّ ـ عن أخيه موسى بن جعفر، قال: سألته عن رجل أصاب شاة في الصحراء هل تحلّ له؟ قال: "قال رسول الله (صلى الله عليه و آله): هي لك أو لأخيك أو للذئب؛ فخذها وعرّفها حيث أصبتها، فإن عرفت فردّها إلى صاحبها، وإن لم تعرف فكلها وأنت ضامن لها؛ إن جاء صاحبها يطلبها أن تردّ عليه ثمنها"(2).

والكراهية فيما لا يحمي نفسه استفدناها من الحديث الثاني من هذه الأحاديث الثلاثة.

واحتمال الفرق بين الحيوان وغيره ـ بأن يجوز التقاط ما لا روح فيه ولا يجوز التقاط ذي النفس أو يكره ـ موجود عرفاً؛ فإنّ ذا النفس يتميّز بنكتة عرفية قد توجب اختصاصها بحكم من هذا القبيل، وكأنّه اُشير إلى هذه النكتة في الحديث الأوّل من هذه الأحاديث الثلاثة بقوله: "لا تهجه".

يبقى الكلام في أنّ روايات لقطة الحيوان واردة في الحيوان الذي وجد في الصحراء إمّا صريحاً وإمّا بقرينة ذكر الذئب في قوله: "هي لك أو لأخيك أو للذئب"، فهل نتعدّى منها إلى ما إذا وجد في داخل البلد، أو لا؟

والجواب: إنّ المذكور في هذه الروايات حكمان:

أحدهما: عدم جواز الالتقاط في الحيوان الذي يحفظ نفسه، ولئن لم يجز الالتقاط فيه في الصحراء فالعرف لا يحتمل تخفيف الحكم في البلد بأن يجوز الالتقاط فيه.

والثاني: جواز الالتقاط ولو على كراهية في الحيوان الذي لا يحفظ نفسه، وهذا من المحتمل اختصاصه بمورد خوف الهلاك عليه من مثل الذئب كما هو الحال في الصحراء. لكن يمكن استفادة جواز التقاطه في البلد من بعض إطلاقات روايات جواز التقاط اللقطة الماضية، فراجع.

ولا يبعد أن يقال: إنّ المستفاد من روايات الحيوان الواردة في لقطة الصحراء أنّ المقياس هو خوف التلف من مثل الذئب أو العطش، فلو وجدت الشاة في البلد وكان عليها خوف التلف من العطش في الأيّام القريبة لولا الالتقاط جاز الاتقاط، وإلا فلا.

الحكم الثاني ـ التعريف سنة إن كان ممّا يمكن تعريفه:

وقد دلّ على ذلك بعض الروايات، من قبيل: بعض الروايات الماضية كرواية حنان(3)، ورواية الحلبي(4) وروايتي محمّد بن مسلم(5) ورواية إبراهيم بن عمر(6) ورواية أبي خديجة(7) ورواية عليّ بن جعفر(8).


(1) المصدر السابق: 364، ح 5.
(2) المصدر السابق: 365، ح 7.
(3) وسائل الشيعة 17: 350، ب. من اللقطة، ح 5.
(4) تهذيب الاحكام 6: 389، ح 1163.
(5) وسائل الشيعة 17: 350، 352، ب. من اللقطة، ح 3، 10.
(6) وسائل الشيعة 9: 361، ب 28 من مقدّمات الطواف، ح 4.
(7) وسائل الشيعة 17: 370، ب 20 من اللقطة، ح 1.
(8) المصدر السابق: 352، ب. من اللقطة، ح 12.
7

 

ورواية عليّ بن جعفر ـ التامّة ببعض أسانيدها ـ عنه أخيه موسى بن جعفر: وسألته عن الرجل يصيب اللقطة دراهم(1) أو ثوباً أو دابّة، كيف يصنع؟ قال: "يعرّفها سنة، فإن لم يعرف صاحبها(2) حفظها في عرض ماله حتّى يجيء طالبها فيعطيها إيّاه، وإن مات أوصى بها، فإن أصابها شيء(3) فهو ضامن"(4).

والرواية الأخيرة صريحة في سريان حكم التعريف إلى لقطة الحيوان، وأمّا ما قبلها فبالإطلاق تشمل لقطة الحيوان، إلا إذا قلنا باختصاص ما فيها من امتلاك اللقطة بعد التعريف أو جعلها في عرض ماله بغير الحيوان، وقلنا إنّ ذلك يضرّ باستفادة الإطلاق ممّا فيها من الحكم بالتعريف، وحينئذٍ قد يتعدّى إلى الحيوان بعدم احتمال الفرق. إلا أن يقال: نحتمل كون وجوب التعريف جاء بنكتة جواز التملّك الخاصّ بغير الحيوان. وعلى أيّ حال، فتكفينا الرواية الأخيرة في التعدّي إلى الحيوان.

وقد تعارض هذه الروايات الدالّة على وجوب التعريف سنة بعدّة روايات:

1 ـ ما عن أبان بن تغلب قال: أصبت يوماً ثلاثين ديناراً، فسألت أبا عبدالله عن ذلك، فقال: "أين أصبته؟" قال: قلت له: كنت منصرفاً إلى منزلي فأصبتها. قال: فقال: "صر إلى المكان الذي أصبت فيه فعرّفه، فإن جاء طالبه بعد ثلاثة أيّام فأعطه إيّاه، وإلا تصدّق به"(5). ولكنّه ضعيف سنداً.

2 ـ ما عن ابن أبي يعفور قال: قال أبو عبد الله: "جاء رجل من المدينة فسألني عن رجل أصاب شاة، فأمرته أن يحبسها عنده ثلاثة أيّام ويسأل عن صاحبها، فإن جاء صاحبها وإلا باعها وتصدّق بثمنها"(6). وهذا أيضاً سنده ضعيف، وهو خاصّ بالحيوان، ولو تمّ في الحيوان فقد يأتي احتمال الخصوصية فيه؛ باعتبار أنّ إبقاءه سنة يستوجب الإنفاق عليه.

3 ـ ما عن عليّ بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر، قال: سألته عن رجل أصاب شاة في الصحراء، هل تحلّ له؟ قال: "قال رسول الله (صلى الله عليه و آله): هي لك أو لأخيك أو للذئب، فخذها وعرّفها حيث أصبتها، فإن عرفت فردّها إلى صاحبها، وإن لم تعرف فكلها وأنت ضامن لها إن جاء صاحبها يطلبها أن

تردّ عليه ثمنها"(7)، حيث لم يذكر وجوب كون مقدار التعريف سنة، وسند الحديث تامّ، وبالإمكان أن يقال إنّه مطلق يقيّد بما دلّ على وجوب التعريف سنة.

4 ـ ما عن عليّ بن أبي حمزة عن العبد الصالح موسى بن جعفر، قال: سألته عن رجل وجد ديناراً في الحرم فأخذه؟ قال: "بئس ما صنع! ما كان ينبغي له أن يأخذه". قال: قلت: قد ابتلي بذلك؟ قال: "يعرّفه". قلت: فإنّه قد عرّفه فلم يجد له باغياً؟ قال: "يرجع إلى بلده فيتصدّق به على أهل بيت من المسلمين، فإن جاء طالبه فهو له ضامن"(8). وسند الحديث تامّ.

ومن الطبيعي أنّ الرجل المسافر إلى الحرم لا يبقى سنة في مكّة، فظاهر قوله: "يرجع إلى بلده فيتصدّق..." الاكتفاء بالتعريف أقلّ من سنة. وقد يقال: إنّ التعريف سنة إنّما هو لأجل التملّك أو ما يشبه التملّك، أمّا التصدّق فيكفي في جوازه أن يعرّف اللقطة ثمّ يتصدّق، فأكثر روايات التعريف تراها مذيّلة بالتملّك أو جعل اللقطة في عرض ماله.


(1) في التهذيب والفقيه: درهماً.
(2) هكذا جاء في الوسائل: الباب. من اللقطة نقلاً عن قرب الاسناد، ولكن كلمة "صاحبها" غير موجودة في الفقيه 3: 291، ح 4049 ولا في التهذيب 6: 398، ح 1198. وفي الأوّل: "جعلها في عرض ماله".
(3) في التهذيب والفقيه لا توجد عبارة "فإن أصابها شيء"، وإنّما الموجود: "وهو لها ضامن". وصاحب الوسائل نقل الحديث في الباب 20 من اللقطة وفقاً لما في التهذيب.
(4) وسائل الشيعة 17: 352، ب. من اللقطة، ح 13. وص 370، ب 20 من اللقطة، ح 2. وقد جاء في الموضع الثاني "درهماً" بدل "دراهم".
(5) المصدر السابق: 350 و 351، ب. من اللقطة، ح 7.
(6) المصدر السابق: 365، ب 13 من اللقطة، ح 6.
(7) المصدر السابق: ح 7.
(8) المصدر السابق: 368، ب 17 من اللقطة، ح 2. وذكره بسند آخر تامّ أيضاً في ج 9: 361، ب 28 من مقدمات الطواف، ح 3.
8

 

ولكن قد مضت رواية إبراهيم بن عمر(1)، وهي تدلّ في لقطة الحرم على التعريف سنة ثمّ التصدّق.

ولا يبعد كون رواية عليّ بن أبي حمزة ناظرة إلى حالة الاضطرار؛ لأنّ هذا المسافر لا يتمكّن عادةً من البقاء سنة في الحرم. ومن المحتمل ـ بقرينة قوله: "يرجع إلى بلده"(2) رغم أنّ السائل لم يكن قد فرض كون الملتقط مسافراً ـ أنّ الرواية صدرت في زمن زيارة بيت الله، وكانت ناظرة إلى ظرف من هذا القبيل، وفي هذا الظرف حينما يرجع الملتقط إلى بلاده يكون أكثر الزوّار الآخرين أيضاً راجعين إلى بلادهم، وحينئذٍ يتعذّر التعريف ويحصل اليأس عن حصول المالك الذي هو في أغلب الظنّ أيضاً من الزوّار.

5 ـ ما عن محمّد بن قيس عن أبي جعفر قال: "قضى عليّ في رجل وجد ورقاً في خربة: أن يعرّفها، فإن وجد من يعرفها وإلا تمتّع بها"(3). وسند الحديث تامّ.

وقد يقال: إنّه وإن لم يقيّد التعريف هنا بسنة لكنّه مطلق فنقيّده بالمقيّدات.

ولكن الظاهر أنّ أصل التعريف هنا يمكن حمله على الاستحباب؛ وذلك لعدم وجوب التعريف رأساً فيما يوجد في خربة باد أهلها، كما ورد بسند تامّ عن محمّد بن مسلم عن أبي جعفر، قال: سألته عن الدار يوجد فيها الورق؟ فقال: "إن كانت معمورة فيها أهلها فهي لهم، وإن كانت خربة قد جلا عنها أهلها فالذي وجد المال أحقّ به"(4).

وورد أيضاً بسند تامّ عن محمّد بن مسلم عن أحدهما، قال: سألته عن اللقطة، قال: "لا ترفعوها، فإن ابتليت فعرّفها سنة، فإن جاء طالبها وإلا فاجعلها في عرض مالك؛ يجري عليها ما يجري على مالك إلى أن يجيء لها طالب". قال: وسألته عن الورق يوجد في دار؟ فقال: "إن كانت معمورة فهي لأهلها، فإن كانت خربة فأنت أحقّ بما وجدت"(5).

فكأنّ كون المال في مكان خراب جلا أهله أمارة على جلاء ملاكه، ويجوز في هذه الحالة تملّكه؛ إمّا لأجل احتمال هلاك ملاكه، أو لأجل عدم إمكانية التعريف على أساس سعة دائرة الجهالة، وسنعود إن شاء الله إلى البحث عن ذلك.

6 ـ ما عن داود بن أبي يزيد ـ بسند تامّ ـ عن أبي عبد الله، قال: قال رجل: إنّي قد أصبت مالاً وإنّي قد خفت فيه على نفسي، ولو أصبت صاحبه دفعته إليه وتخلّصت منه، قال: فقال أبو عبد الله: "والله إن لو أصبته كنت تدفعه إليه؟" قال: أي والله. قال: "فأنا والله ما له صاحب غيري". قال: فاستحلفه أن يدفعه إلى من يأمره، قال: فحلف، فقال: "فاذهب فاقسمه في إخوانك ولك الأمن ممّا خفت منه". قال: فقسمته بين إخواني(6).

فقد يقال: إنّ ترك استفصاله عن كون ما أصابه لقطة أم لا وأنّه يمكن تعريفه أم لا وأنّه عرّفه سنة أم لا، دليلٌ على عدم وجوب التعريف في اللقطة.


(1) وسائل الشيعة 9: 361، ب 28 من مقدّمات الطواف، ح 4.
(2) وسائل الشيعة 17: 368، ب 17 من اللقطة، ح 2.
(3) المصدر السابق: 355، ب. من اللقطة، ح 5.
(4) المصدر السابق: 354، ح 1.
(5) جاء صدر الحديث في وسائل الشيعة 17: 350، ب. من اللقطة، ح 3، وذيله في ص 355، ب. من اللقطة، ح 2.
(6) وسائل الشيعة 17: 357، ب. من اللقطة، ح 1.
9

 

ولكن قد يقال: إنّ هذا لا يتجاوز أن يكون إطلاقاً ـ بملاك ترك الاستفصال ـ لا يقاوم أدلّة وجوب التعريف سنة.

بل قد يقال: إنّه أعمل هنا ولايته التي هو بها أولى بالمؤمنين منأنفسهم؛ بقرينة قوله: "والله ما له صاحب غيري"، فالرواية أجنبية عن المقام.

قد يقال في مقابل ذلك: لعلّ الرواية تدلّ على أنّ اللقطة أو مجهول المالك يرجع إلى الإمام، فما في باقي الروايات من الأمر بالتصدّق أو التملّك يحمل على أنّ الإمام الذي هو صاحب اللقطة أو مجهول المالك سمح بالتصدّق أو التملّك.

7 ـ روايات تملّك ما في بطن الدابّة إن لم يعرفها البائع، وقد جاء في الوسائل بهذا الصدد حديثان تامّان سنداً(1).

ولكن هذا كما ترى ليس من اللقطة، ولا نجزم بعدم الفرق؛ فلعل ّ من يلتقط مال الناس يجب عليه نتيجةً لالتقاطه لمال الناس تعريفه سنة، أمّا من جاءه المال في جوف دابّة اشتراها جاز له تملّكه لو لم يعرفه البائع، كما ويحتمل أن يكون عدم التعريف هنا لأجل عدم إمكانيّته على أساس سعة دائرة الجهالة، وسنعود إلى البحث عن هذه الروايات إن شاء الله.

8 ـ ما عن أبي بصير عن أبي جعفر قال: "من وجد شيئاً فهو له، فليتمتّع به حتّى يأتيه طالبه، فإذا جاء طالبه ردّه إليه"(2). إلا أنّ سند الحديث ضعيف.

9 ـ رواية إسحاق بن عمّار قال: سألت أبا إبراهيم عن رجل نزل في بعض بيوت مكّة، فوجد فيه نحواً من سبعين درهماً مدفونة، فلم تزل معه ولم يذكرها حتّى قدم الكوفة، كيف يصنع؟ قال: "يسأل عنها أهل المنزل لعلّهم يعرفونها". قلت: فإن لم يعرفوها؟ قال: "يتصدّق بها"(3). وهي تامّة سنداً.

إلا أنّ هذا الحديث أيضاً يبدو أنّه أجنبيّ عن المقام، فهذا المال إن لم يعرفه أهل المنزل عدّ كنزاً، وهذا الحديث حاله حال أحاديث الكنز، إلا أنّ هذا الحديث حكم بالتصدّق، بينما غالبية أحاديث الكنز حكمت بإعطاء الخمس ويعني ذلك تملّك الباقي. وعلى أيّ حال، فأحاديث الكنز أجنبية عن المقام؛ لاحتمال الفرق إمّا على أساس أنّ احتمال هلاك ملاكه قويّ، وإمّا لعدم إمكانية التعريف بالكنز عادةً لسعة دائرة الجهالة، وسنعود إلى البحث عن ذلك إن شاء الله.

10 ـ رواية فضيل بن غزوان رواها الشيخ ـ بسند غير تامّ لنا ـ عن فضيل بن غزوان قال: كنت عند أبي عبد الله فقال له الطيّار: إنّ حمزة ابني وجد ديناراً في الطواف قد انسحق كتابته؟ قال: "هو له"(4).

ورواه الكليني بسند تامّ عن فضيل بن غزوان، إلا أنّه قال: فقال له الطيّار: إنّي وجدت ديناراً... إلخ(5).

إلا أنّ من المحتمل كون هذا السؤال في أيّام الحجّ وكان قد وجد الدينار في طواف الناس المجتمعين من شتّى أنحاء البلاد فلم يكن يمكن التعريف على أساس سعة دائرة الجهالة، وسنعود إلى البحث عن ذلك إن شاء الله.


(1) انظر: المصدر السابق: 359، كلا حديثي الباب. من اللقطة.
(2) المصدر السابق: 354، ب. من اللقطة، ح 2.
(3) المصدر السابق: 355، ب. من اللقطة، ح 3.
(4) المصدر السابق: ح 4، و ص 368، ب 17 من اللقطة، ح 1.
(5) الكافي 4: 239، كتاب الحج، باب لقطة الحرم، ح 3، ووسائل الشيعة 9: 362، ب 28 من مقدمات الطواف، ح 6.
10

 

وأمّا مرسلة الصدوق: "فإن وجدت في الحرم ديناراً مطلساً فهو لك لا تعرّفه"(1) فلا قيمة لها سنداً، ولعلّ الصدوق يشير إلى نفس رواية ابن غزوان.

حكم ما دون الدرهم:

وقد يستثنى من وجوب التعريف ما دون الدرهم، ولكن الظاهر أنّه لا دليل على الاستثناء بعنوان ما دون الدرهم إلا حديث مرسل جاء فيه: "وما كان دون الدرهم فلا يعرَّف"(2).

نعم، ورد الاستثناء في حديث تامّ السند بعنوان المحقّرات التي لا طالب لها عادةً، وهو: ما عن حريز عن أبي عبد الله قال: "لا بأس بلقطة العصا والشظاظ والوتد والحبل والعقال وأشباهه ـ قال: ـ وقال أبو جعفر: ليس لهذا طالب"(3)، فهذا كما ترى يدلّ على جواز تملّك المحقّرات التي لا طالب لها عادةً بلا حاجة إلى التعريف.

وقد يعارض ذلك: بما عن عبد الرحمان بن أبي عبد الله ـ بسند تامّ ظاهراً ـ قال: سألت أبا عبد الله عن النعلين والإداوة والسوط يجده الرجل في الطريق ينتفع به؟ قال: "لا يمسّه"(4).

ورواه أيضاً داود بن أبي يزيد عن أبي عبد الله بسند تامّ، فعلى الأقلّ بعض ما جاء في هذه الرواية يكون من قبيل تلك المحقّرات، فمثلاً ما الفرق بين السوط الذي جاء في هذه الرواية والعصا الذي جاء في تلك الرواية؟! ولكن لا يخفى أنّ النهي القابل للحمل على الكراهة لا يقاوم دليل الجواز.

حكم التقاط المحقّرات من الحرم:

وهل يجوز التقاط المحقّرات من الحرم أو لا؟

مقتضى إطلاق رواية حريز هو الجواز، ولكن تعارضه إطلاقات لقطة الحرم، كرواية حريز الاُخرى الماضية(5) الواردة في الحرم، وفيها: "ولا تحلّ لقطتها إلا لمنشد"، ومع فرض التساقط يكون مقتضى الأصل العملي عدم جواز الالتقاط بلا تعريف ما لم يطمأنّ برضا المالك، ومقتضى العامّ الفوقاني أيضاً هو التعريف، وهو بعض المطلقات الآمرة بالتعريف لو لم نقل بأنّ تذيّلها بالملك يمنع عن شمولها لمحقّرات الحرم، فإنّه بعد أن خرجت لقطة الحرم بشكل عامّ عن إطلاقها بما دلّ على عدم جواز امتلاكها لا يكون التمسّك بإطلاقها في خصوص محقّرات الحرم عرفياً.


(1) من لا يحضره الفقيه 3: 296، ح 4064. وسائل الشيعة 17: 351، ب. من اللقطة، ح 9.
(2) وسائل الشيعة 17: 354، ب. من اللقطة، ح 1.
(3) المصدر السابق: 362، ب 12 من اللقطة، ح 1.
(4) المصدر السابق: 363، ح 2.
(5) وسائل الشيعة 9: 175، ب 88 من تروك الاحرام، ح 1.
11

 

وقد تُقدَّم رواية حريز الواردة في الحرم على رواية حريز الواردة في المحقّرات؛ إمّا بدعوى الحكومة باعتبارها ناظرة إلى احترام الحرم، فكأنّها تقول: إنّ اللقطة حتّى التي يجوز التقاطها في غير الحرم لغير المنشد لا تحلّ في الحرم، إلا أنّ هذه الدعوى غير واضحة الصحّة.

أو بدعوى أنّه يمكن أن نخرج من رواية الحرم المحقّرات التي يجوز التقاطها لغير المنشد؛ إذ لا تبقى حينئذٍ ميزة للحرم بينما الرواية بصدد بيان ميزة الحرمة، وهذه الدعوى أيضاً غير واضحة الصحّة؛ إذ لا أقلّ من فرض كون الميزة هي اشتداد الحرمة.

وقد تُقدَّم رواية حريز الواردة في المحقّرات على رواية حريز الواردة في لقطة الحرم؛ وذلك إمّا لأنّ رواية حريز الواردة في لقطة الحرم من الواضح أنّ المقصود بها كون الحرم مأمناً لمال الناس، فلا يجوز التقاط ما ضاع منهم بلا رضاهم، بينما رواية حريز الواردة في المحقّرات تفترض ولو تعبّداً رضا المالك حيث تقول: "وقال أبو جعفر: ليس لهذا طالب"، فكأنّها تفرض غلبة رضا المالك أمارة على رضاه، وإمّا لأنّ قوله: "لا بأس بلقطة العصا..." ناظر إلى الحرمات الموجودة للقطة من تحريم الالتقاط أو الأكل أو ترك التعريف ويحلّلها جميعاً، فهي حاكمة بملاك النظر.

الحكم الثالث ـ التملّك أو التصدّق أو الاحتفاظ بها كأمانة أو تسليمها إلى وليّ الأمر باعتباره وليّاً على المالك:

أ ـ تملّك اللقطة:

أمّا التملّك فقد يستفاد من عدّة أنماط من الروايات:

1 ـ ما جاء فيه الأمر بجعل اللقطة بعد التعريف في عرض ماله، من قبيل ما مضى من رواية محمّد بن مسلم عن أحدهما: "... فإن جاء طالبها وإلا فاجعلها في عرض ملك يجري عليها ما يجري على مالك إلى أن يجيء لها طالب"(1).

ورواية عليّ بن جعفر الماضية: "يعرّفها سنة، فإن لم يعرف صاحبها حفظها في عرض ماله حتّى يجيء طالبها..."(2).

ورواية محمّد بن مسلم الماضية: "... فإن جاء طالبها وإلا فاجعلها في عرض مالك يجري عليها ما يجري على مالك حتّى يجيء لها طالب، فإن لم يجيء لها طالب فأوصِ بها في وصيّتك"(3).

وهذا النمط من الروايات يحتمل أن يكون المأذون فيها هو التصّرف في المال بشكل التصرّف في العارية، فمثلاً ليس هذا إذناً في أكل المال أو بيعه، ويؤكّد ذلك قوله: "حتّى يجيء طالبها" أو "إلى أن يجيء طالبها"، وقوله في بعض نسخ الرواية الثانية "حفظها في عرض ماله"، وقوله في الرواية الثالثة "أوصِ بها في وصيتّك".


(1) وسائل الشيعة 17: 350، ب. من اللقطة، ح 3. ط ـ المكتبة الاسلامية.
(2) المصدر السابق: 352، ح 13.
(3) المصدر السابق: 351 ـ 352، ح 10.
12

 

2 ـ ما جاء فيه التعبير بأنّها كسبيل ماله أو نحو ذلك، من قبيل ما مضى من رواية الحلبي: "فإن جاء لها طالب وإلا فهي كسبيل ماله"(1)، وما مضى من رواية عليّ بن جعفر: "يعرّفها سنة ثمّ هي كسائر ماله"(2)، ورواية داود بن سرحان ـ غير التامّة سنداً ـ عن أبي عبد الله أنّه قال في اللقطة: "يعرّفها سنة ثمّ هي كسائر ماله"(3)، ورواية إبراهيم بن عمر الماضية: "... وإلا فهي كسبيل مالك"(4)، ورواية يعقوب بن شعيب الماضية: "... ثمّ هي كسبيل ماله"(5).

وهذا النمط من الروايات أوسع دلالةً من النمط الأوّل؛ إذ لو كانت اللقطة سبيلها سبيلي مالي أو هي كسائر مالي إذاً يجوز أكلها وبيعها، إلا أنّه ليس أيضاً واضحاً في الملكية، فيمكن أن يكون من قبيل الإباحة في التصرّف، والأثر العملي يظهر في إرجاع النماء إلى المالك لو ظهر بعد ذلك، فعلى الإباحة يرجع النماء إليه كما ترجع العين، وعلى الملكية لا دليل على رجوع النماء.

3 ـ ما ظاهره الملكية ولكن لم يعلم أنّها ملكية قهرية أو تتبع نيّة الملتقط أي يجوز له أن يتملّك كما مضى من رواية حنان: "... فإن وجدت صاحبها وإلا فأنت أحقّ بها" وقال: "هي كسبيل مالك" وقال: "خيّرة إذا جاءك بعد سنة بين أجرها وبين أن تغرمها له إذا كنت أكلتها"(6).

ورواه الصدوق ـ بسنده التامّ ـ عن حنان بن سدير إلى قوله: "فأنت أحقّ بها" وزاد: "يعني: لقطة غير الحرم"(7)، ورواه الحميري أيضاً بسند تامّ، إلا أنّه قال: "فأنت أملك بها"(8).

4 ـ ما جاء فيه الحكم بدخول المال في الإرث للورثة وأنّه لهم، وهو ما مضى عن أبي خديجة عن أبي عبد الله: "... فإنّه ينبغي أن يعرّفها سنة في مجمع، فإن جاء طالبها دفعها إليه وإلا كانت في ماله، فإن مات كانت ميراثاً لولده ولمن ورثه، فإن لم يجئ لها طالب كانت في أموالهم هي لهم، فإن جاء طالبها بعدُ دفعوها إليه"(9). وهذا ظاهر في الملكية القهرية.

وقد يقال: إنّ مجموع ما دلّ على الملكية القهرية كالرواية الأخيرة، وما دلّ على الضمان بعد الملك ـ على تقدير ما لو جاء المالك وكنت قد أكلتها ولم يختر المالك أجرها كما قبل الأخيرة ـ يقع طرفاً للمعارضة مع رواية صفوان الجمّال التامّة ببعض أسانيدها: أنّه سمع أبا عبد الله يقول: "من وجد ضالّة فلم يعرّفها ثمّ وجدت عنده، فإنّها لربّها أو مثلها عن مال الذي كتمها"(10). فقد دلّ هذا الحديث ـ بما له من مفهوم على نحو القضية الجزئية ـ على أنّه لو عرّفها فقد لا يكون ضامناً لها لربّها، بينما لو قلنا بالملكية القهرية وأنّه يترتّب على ملكها ضمانها، إذاً لا موضع لهذا المفهوم ولو بنحو القضية الجزئية. هذا إذا حملنا الضالّة في هذا الحديث على مطلق اللقطة واضح.


(1) تهذيب الاحكام 6: 389، ح 1163.
(2) وسائل الشيعة 17: 352، ب. من اللقطة، ح 12.
(3) المصدر السابق: ح 11.
(4) وسائل الشيعة 9: 361، ب 28 من مقدمات الطواف، ح 4.
(5) المصدر السابق: ح 1.
(6) وسائل الشيعة 17: 350، ب. من اللقطة، ح 5.
(7) الظاهر أنّ هذا التفسير إمّا من نفس الصدوق أو من حنان بن سدير.
(8) من لا يحضره الفقيه 3: 294، ح 4058. انظر: وسائل الشيعة 17: 350، ب. من اللقطة، ح 6.
(9) وسائل الشيعة 17: 370، ب 20 من اللقطة، ح 1.
(10) المصدر السابق: 365، ب 14 من اللقطة، ح 1.
13

 

وأمّا إذا حملناها على خصوص الحيوان فقد يقال: إنّ من المحتمل أن يختلف حكم الحيوان عن غيره، ففي غير الحيوان يحصل الملك القهري وبالتالي الضمان، وأمّا في الحيوان فلا يحصل الملك قهراً، وإذا لم يحصل الملك كان بإمكان الملتقط أن يحفظه أمانةً من دون أن يستملكه ولا أن يتصرّف فيه كعارية، وحينئذٍ لا يضمن إلا إذا ترك التعريف.

ولكنّه لا يبعد أن يقال: إنّ التفكيك بين الحيوان وغيره في هذا الحكم ليس عرفيّاً.

وتوضيح ذلك: أنّ الحيوان إن كان من القسم الذي لا يجوز التقاطه إذاً يكون الملتقط ضامناً على كلّ حال سواء عرّف أو لم يعرّف. وإن كان من القسم الجائز التقاطه فالتفكيك بينه وبين غيره في حصول الملك قهراً في غير الحيوان وعدمه في الحيوان غير عرفي، خصوصاً مع فرض جواز التصرّف فيه، كما يفهم من قوله: "هي لك أو لأخيك أو للذئب" وقوله: "فكلها وأنت ضامن".

إذاً فترجع المعارضة بالتباين على حالها بين دليل الملكية منضمّاً إلى دليل الضمان على تقدير الملك وبين هذا الحديث الدالّ بمفهومه الجزئي على عدم الضمان عند التعريف؛ إذ لا يبقى حينئذٍ موضع لهذا المفهوم.

وعلاج التعارض يكون بحمل النمط الرابع على الملكية الاختيارية أو حلّية التصرّف، وحمل الإرث فيه على الإرث على تقدير التملّك أو على انتقال المال إلى الوارث بالنحو الذي كان للموروث من حلّية التصرّف له أو جواز تملّكه.

ولكن التحقيق عدم المعارضة في المقام رأساً؛ وذلك لإمكان افتراض أنّ موضع هذا المفهوم هو ما لو تلفت الضالّة في أثناء السنة، فلو لم يعرّفها كان ضامناً، ولو عرّفها لم يضمن؛ لأنّه أمين والمال بعدُ لم يدخل في ملكه؛ لأنّ الملكية إنّما تكون بعد تمام التعريف سنة كاملة، فلا موجب للضمان.

فتصبح هذه الرواية من قبيل رواية مضت عن الحسين بن زيد عن جعفر عن أبيه ' قال: "كان أمير المؤمنين يقول في الضالّة يجدها الرجل فينوي أن يأخذ لها جعلاً فتنفق، قال: هو ضامن، فإن لم ينوِ أن يأخذ لها جعلاً ونفقت فلا ضمان عليه"(1)، فهذا الحديث غير التامّ سنداً لا يعارض النمط الرابع بناءً على أنّ ظاهره النظر إلى زمان التعريف الذي يأخذ عليه جعلاً أو لا يأخذ.

وهناك رواية اُخرى قد تجعل معارضة لما دلّ على الملك سواء الملك القهري أو الاختياري أو الاختياري، وهي ما عن عليّ بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر، قال: سألته عن اللقطة إذا كانت جارية هل يحلّ فرجها لمن التقطها؟ قال: "لا، إنّما يحلّ له بيعها بما أنفق عليها"(2). والسند تامّ.


(1) المصدر السابق: 369، ب 19 من اللقطة، ح 1.
(2) المصدر السابق: 351، ب. من اللقطة، ح 8.
14

 

فقد يقال: إنّ عدم حلّ الفرج لا ينسجم عرفاً مع الملك، فيدلّ هذا الحديث دلالة عرفية على عدم الملك، فاستثناء التصرّف في الفرج من حلّية التصرّف معقول عرفاً، ولكنّ استثناءه من الملك غير عرفي، وإذا ضممنا ذلك إلى دعوى عدم الفرق عرفاً بين الحيوان وغيره في حصول الملك وعدمه كانت الرواية دالّة على عدم ملكية اللقطة، إذاً لابدّ من حمل النمط الثالث والرابع على حلّية التصرّف المطلق بناءً على إمكان انفكاكه عرفاً عن الملكية.

ولعلّه يمكن الجواب على هذه الرواية بأنّ الجارية من ذلك القسم من الحيوان الذي يمكنه أن يحفظ نفسه، فلا يجوز التقاطها، وبالتالي نحتمل الفرق بينها وبين غيرها في أنّها لا تُملك بالالتقاط؛ ولهذا لم يحلّ فرجها، بل لعلّه لا يجوز أيّ تصرّف آخر فيها كعارية مادام أصل التقاطها لم يكن شرعيّاً.

وقد يردّ هذا الجواب: بأنّ النكتة العرفية للفرق بين الحيوان وغيره في عدم جواز التقاط الحيوان عندما يمكنه حفظ نفسه وجواز التقاط غير الحيوان هي أنّ الحيوان له حظّ من قوّة الإرادة، والشارع لم يجوّز قهر إرادة الحيوان إلا لمالكه أو لمن هو مأذون من قبل مالكه دون الملتقط، كما جاءت الإشارة

إلى ذلك في قوله في حديث هشام بن سالم الماضي: "لا تهجه"(1)، أمّا الجارية فباعتبارها عاقلة بالإمكان التقاطها برضاها بل برغبتها بلا أيّ تهييج، وعندئذٍ لا تدخل في القسم المحرّم التقاطه، ونفس سكوت هذه الرواية عن المنع عن التقاطها ثمّ السماح ببيعها في مقابل مصاريفها شاهد على جواز الالتقاط.

نعم، يمكن الجواب على هذه الرواية: بأنّ احتمال الخصوصية في الجارية بعدم حصول الملكية فيها موجود، فلعلّ هذا يكون من باب سدّ أحد أبواب تملّك الإنسان للإنسان، ومع عدم الملكية لم يحلّ فرجها، ولولا ما صرفه عليها من مال لم يجز أيضاً بيعها كي يكون سدّاً آخر لباب تملّك الإنسان، وإنّما حلّ له بيعها بما أنفق عليها.

الجمع بين أنماط الروايات:

إذاً بقينا نحن والأنماط الأربعة من الروايات التي عرفتها، فهل نستفيد من الجمع بينها التخيير بين مفادها، فمثلاً يتخيّر الملتقط بين الاستفادة من المال كعارية وبين الاستفادة منها حتّى بالأكل والبيع بعنوان حلّ التصرّف وبين الملكية، أو أنّ مفاد بعضها يندكّ في البعض الآخر ويستفاد من مجموعها حكم واحد؟

الطريق الأول: الظاهر أنّنا لو اعتمدنا على النمط الرابع واستفدنا الملكية القهرية فمفاد الأنماط الاُخرى يندكّ في مفاد هذا النمط الرابع، فالنمط الثالث كان يدلّ على الملكية المردّدة بين كونها قهرية أو بالاختيار، ولكن النمط الرابع أصبح قرينة على أنّ الملكية قهرية، والنمط الأوّل والثاني كانا يدلان على جواز التصرّفات أو بعض التصرّفات، ولكن تبيّن من النمط الرابع أنّ جواز التصرّف كان على أساس حصول الملك، إذاً فتصبح الفتوى طبقاً للنمط الرابع.


(1) المصدر السابق: 363، ب 13 من اللقطة، ح 1.
15

 

الطريق الثاني: أمّا إذا لم نعتمد على النمط الرابع وبقينا نحن والأنماط الثلاثة الاُولى فمفاد النمط الأوّل مندكّ في مفاد النمط الثاني؛ لأنّ مفاد النمط الأوّل هو حلّية التصرّف في غير حدود الإفناء والنقل، ومفاد النمط الثاني هو حلّية التصرّف مطلقاً، والثاني أوسع من الأوّل، فإذا جاز التصرّف في الدائرة الواسعة فقد جاز في الدائرة الضيّقة، ولا معنى للتخيير بينهما، وأمّا الملك فإذا افترضناه ملكاً غير قهري فلا اندكاك لأحد المفادين في الآخر، ويصبح الملتقط بحكم الجمع بين الأنماط الثلاثة ـ بعد فرض استفادة الملكية الاختيارية من النمط الثالث ـ مخيّراً بين حلّ التصرّف في اللقطة من دون ملك وبين تملّكها، ومع الشكّ في كون المقصود من النمط الثالث هل هو الملكية القهرية أو التملّك بالاختيار تكون النتيجة نتيجة التخيير، فإنّه لو قصد التملّك حصل الملك على كلا التقديرين، ولو لم يقصد التملّك شككنا في حصول الملك وكان الأصل عدمه.

الطريق الثالث: ولا يبعد أن يقال: إنّ النمط الثاني راجع إلى النمط الرابع أو الثالث؛ لعدم تفكيك العرف بين جواز كلّ التصرّفات بما فيها الأكل والبيع من دون توقّف على إذن المالك وبين الملك، فإن لم نعتمد على النمط الرابع ـ بدعوى أنّ حصول الملكية القهرية في المقام خلاف الارتكاز ـ حمل النمط الرابع والثاني والثالث على الملكية الاختيارية، وبهذا يتّحد مفاد النمط الثاني والثالث والرابع، وبالجمع بينها وبين النمط الأوّل نعرف أنّ الملتقط مخيّر بعد التعريف بين الاستفادة من العين كعارية ـ بل وحتّى مع قطع النظر عن النمط الأوّل فإنّه يكفي دليل جواز التملّك دليلاً على جواز الانتفاع بالعين كعارية بالأولوية العرفية ـ وبين تملّكها.

وإن لم نقبل دعوى مخالفة الملكية القهرية للارتكاز إذاً لابدّ من الإفتاء بالملكية القهرية اعتماداً على النمط الرابع، ويحمل النمط الثاني وكذا الثالث الذي كان مردّداً بين الملك القهري والاختياري على الملكية القهرية، ويحمل النمط الأوّل على أنّ حلّ التصرّف كان على أساس حصول الملكية.

هذا بغض النظر عن جعل ما سيجيء من دليل التصدّق قرينة على عدم الملكية القهرية؛ إذ التخيير بين الملك والتصدّق إنّما يعقل إذا كان الملك اختياريّاً لا قهريّاً، وبقطع النظر عمّا سيجيء من احتمال دعوى كون الأموال مجهولة المالك واللقطة للإمام.

الاستثناء من هذا الحكم:

ثمّ إنّ أصل الملك أو جواز التصرّف في اللقطة يستثنى منه أمران:

الحيوان أو المملوك أو خصوص الجارية ولقطة الحرم.

16

 

1 ـ أمّا الحيوان ـ والمقصود ما جاز التقاطه ـ: فقد يستثنى من الملك القهري بما مضى من رواية صفوان الجمّال(1) الدالّة بالمفهوم ولو في الجملة على عدم الضمان مع التعريف، فيقال: إنّ عدم الضمان آية عدم الملك وإنّ الرواية خاصّة بالحيوان بناءً على حمل كلمة "الضالّة" على الحيوان، إذاً فالملكية القهرية غير ثابتة في الحيوان، نعم، جواز التصرّف حتّى على مستوى الأكل ثابت كما دلّت عليه رواياتُ: "هي لك أو لأخيك أو للذئب"(2)، خصوصاً رواية عليّ بن جعفر الماضية التي جاء في ذيلها: "فكلها وأنت ضامن لها..."(3)، وأيضاً تدلّ على جواز أكل الحيوان بعد التعريف رواية جرّاح المدائني عن أبي عبد الله قال: "الضوالّ لا يأكلها إلا الضالّون إذا لم يعرّفوها"(4)، إلا أنّ سند الرواية ضعيف.

وعلى أيّ حال، فخلاصة الكلام: إنّ الملكية القهرية لا تثبت في الحيوان بحكم رواية صفوان، أمّا جواز التصرّف المطلق فهو ثابت، فإن كان هذا مستلزماً عرفاً للملكية الاختيارية ثبتت الملكية الاختيارية.

ولكن قد عرفت فيما مضى أنّ التفصيل بين الحيوان وغير الحيوان في الملكية القهرية وعدمها غير عرفي، وأنّ رواية صفوان لا تدلّ على عدم الملكية.

نعم، قد تستثنى الجارية على أساس ما مضى من رواية عدم حلّ فرجها، وهذا استثناء عن الملك سواء القهري أو الاختياري، وقد يتعدّى منها إلى العبد بعدم الفرق عرفاً، فإن استفدنا من روايات الملك الملكية الاختيارية كان بالإمكان القول بأنّنا وإن استفدنا من رواية عدم حلّ فرج الجارية استثناءها من الملك لكن جواز استخدامها كعارية يبقى على حاله ولو بمقتضى إطلاقات النمط الأوّل من الأنماط الأربعة الماضية، وإن استفدنا الملكية القهرية وحملنا كلّ الأنماط على أنّ التصرّف في اللقطة يكون على أساس التصرّف في الملك إذاً فبعد استثناء الجارية عن الملك قد يقال: إنّه لا يبقى دليل على جواز استخدامها.

قد يقال: إنّ النمط الأوّل من الروايات إنّما يندكّ في رواية الملكية القهرية بالنسبة لما لم يستثنَ منها، وأمّا الجارية التي استثنيت منها فالنمط الأوّل يبقى على حاله بالنسبة إليها في الدلالة على جواز الاستخدام.

ولكن الظاهر أنّ هذا الكلام غير عرفي، وأنّ العرف يجعل رواية الملكية القهرية قرينة على كون النمط الأوّل ناظراً إلى جواز التصرّف من حيث صيرورة اللقطة ملكاً، فبعد استثناء الجارية لا تبقى للنمط الأوّل دلالة على جواز استخدامها.

ولكن قد يقال في مقابل ذلك: إنّ نفس رواية استثناء الجارية دلّت على جواز بيعها في مقابل ما أنفق عليها، وهذا يدلّ بالأولوية العرفية على جواز استخدامها في مقابل الإنفاق عليها، إلا أنّ هذا لا ينتج جواز الاستخدام أكثر ممّا يقابل الإنفاق.


(1) المصدر السابق: 365، ب 14 من اللقطة، ح 1.
(2) المصدر السابق: 363، 364، 365، ب 13 من اللقطة، ح 1، 5، 7.
(3) المصدر السابق: 365، ح 7.
(4) المصدر السابق: 350، ب. من اللقطة، ح 4.
17

 

ويؤيّد ما ذكرناه من الاستخدام في مقابل الإنفاق: ما ورد في اللقيطة المحكومة بالحرّية من الاستخدام لقاء الإنفاق من قبيل ما رواه الشيخ بإسناده عن أحمد بن محمّد عن ابن محبوب عن محمّد(1)، ورواه الكليني عن محمّد بن يحيى عن أحمد بن محمّد عن ابن محبوب عن محمّد بن أحمد قال: سألت أبا عبد الله عن اللقيطة، قال: "لا تباع ولا تشترى، ولكن استخدمها بما أنفقت عليها"(2). وكلّ من السندين فيه عيب: أمّا عيب سند الشيخ ففي سنده إلى أحمد بن محمد، وأمّا عيب سند الكليني فهو أنّنا لم نعرف محمّد بن أحمد الراوي عن أبي عبد الله من هو. نعم، قيل: إنّ في بعض نسخ الكافي اقتصر على ذكر محمّد من دون توصيفه بكونه ابن أحمد، ويؤيّده ما في التهذيب من ذكر محمّد بلا هذا التوصيف، وحينئذٍ لا يبعد انصراف محمّد إلى محمّد بن مارد الذي له كتاب يرويه عنه ابن محبوب، ويرويه عن ابن محبوب أحمد بن محمّد بن عيسى بلا واسطة حسب نقل النجاشي، وإن كان حسب نقل الشيخ يرويه عنه بواسطة ابن أبي عمير ومحمّد بن مارد ثقة.

وقد يستدلّ على استثناء الحيوان من الملك ـ سواء فرض قهرياً أو اختيارياً ـ ومن جواز الأكل بحديث وهب عن جعفر عن أبيه ' في حديث قال: "لا يأكل الضالّة إلا الضالّون"(3)، أو: "لا يأكل من الضالّة إلا الضالّون"(4)، بناءً على كون المقصود من الضالّة هو الحيوان، ولكن سند الحديث ضعيف.

ولو بنينا على حجيّة الضعاف إذاً لابدّ من تخصيصه بالخبر الضعيف الذي مرّ عن جرّاح المدائني عن أبي عبد الله قال: "الضوالّ لا يأكلها إلا الضالّون إذا لم يعرّفوها"(5)، كما عرفت أنّ بعض الأخبار الصحاح أيضاً دلّ على جواز الأكل بعد التعريف، كما مضى من رواية عليّ بن جعفر حيث قال: "فخذها وعرّفها حيث أصبتها، فإن عرفت فردّها إلى صاحبها، وإن لم تعرف فكلها وأنت ضامن لها"(6).

2 ـ وأمّا لقطة الحرم: فيستفاد استثناؤها من الملك وحلّ التصرّف من بعض الروايات، من قبيل ما مضى من رواية إبراهيم بن عمر عن أبي عبدالله قال: "اللقطة لقطتان: لقطة الحرم وتعرّف سنة، فإن وجدت صاحبها وإلا تصدّقت بها، ولقطة غيرها تعرّف سنة فإن جاء صاحبها وإلا فهي كسبيل مالك"(7).

حكم اللقطة التي لا يمكن تعريفها:

بقي الكلام في اللقطة التي لا يمكن تعريفها، فهل يجوز تملّكها أو لا؟

قد يستفاد من عدّة من الروايات أنّ حكمها التصدّق، وهي كما يلي:

1 ـ يونس بن عبد الرحمان قال: سئل أبو الحسن الرضا وأنا حاضر ـ إلى أن قال: ـ رفيق كان لنا بمكّة، فرحل منها إلى منزله ورحلنا إلى منازلنا، فلمّا أن صرنا في الطريق أصبنا بعض متاعه معنا، فإيّ شيء نصنع به؟ قال:


(1) التهذيب 7: 78، ح 47.
(2) الكافي 5: 225، ح 4. وسائل الشيعة 17: 372، ب 22 من اللقطة، ح 4.
(3) وسائل الشيعة 17: 348، ب. من اللقطة، ح 5.
(4) المصدر السابق: 348 ـ 349، ح 7.
(5) المصدر السابق: 350، ب. من اللقطة، ح 4.
(6) المصدر السابق: 365، ب 13 من اللقطة، ح 7.
(7) وسائل الشيعة 9: 361، ب 28 من مقدّمات الطواف، ح 4.
18

 

"تحملونه حتّى تحملوه إلى الكوفة". قال: لسنا نعرفه ولا نعرف بلده ولا نعرف كيف نصنع؟ قال: "إذا كان كذا فبعه وتصدّق بثمنه". قال له: على من، جعلت فداك؟ قال: "على أهل الولاية"(1). وسند الحديث تامّ.

وفي مورد الحديث يكون الملتقط قد رأى المالك قبلاً، ولعلّه لو رآه بعد هذا لعرفه، لكن هذه الخصوصية ملغاة عرفاً.

وأيضاً مورد الحديث خارج عن الالتقاط بالمعنى المقصود، فإنّه هو ما يلتقط المال متعمّداً، وإنّما صار المال في ضمن أمتعته من دون تعمّده هو، ولكن لا يبعد إلغاء هذه الخصوصية عرفاً أيضاً.

وواضح في مورد الحديث عدم إمكانية التعريف على أساس سعة دائرة الجهالة حيث لا يعرف بلد المالك، والمتاع اُخذ من بعض منازل السفر، ولا يدرى في أيّ بلد صاحبه، ولم يؤخذ من بلد معيّن حتّى يعرّف في ذلك البلد.

2 ـ زرارة قال: سألت أبا جعفر عن اللقطة، فأراني خاتماً في يده من فضّة قال: "إنّ هذا ممّا جاء به السيل، وأنا اُريد أن أتصدّق به"(2). وسند الحديث تامّ.

وهذا أيضاً واضح في عدم إمكانية التعريف لسعة دائرة الجهالة والغموض؛ لأنّه ممّا جاء به السيل.

3 ـ ما مضى من رواية إسحاق بن عمّار (3) الآمرة بالتصدّق بالدراهم التي وجدها مدفونة في بعض بيوت مكة، والظاهر دخول ذلك في الكنز الذي تكون دائرة جهالة مالكه واسعة.

4 ـ ما مضى من حديث عليّ بن أبي حمزة في دينار وجده في الحرم، قال: "يعرّفه".قلت: فإنّه قد عرّفه فلم يجد له باغياً؟ قال: "يرجع إلى بلده فيتصدّق به على أهل بيت من المسلمين، فإن جاء طالبه فهو له ضامن" (4)، حيث استظهرنا من هذا الحديث التصدّق قبل التعريف سنة؛ لأنّ المسافر إلى الحرم لا يبقى عادةً في الحرم سنة، وقلنا: لعلّ الحديث ناظر إلى حالة الاضطرار وعدم التمكّن من التعريف سنة باعتبار عدم تمكّنه من البقاء سنة في الحرم. إلا أنّنا لا يمكننا إن نجزم بكون الأمر بالتصدّق في هذا الحديث مستنداً إلى عدم إمكانية التعريف؛ لأنّ في مورده سبباً آخر لوجوب التصدّق وحرمة الأكل وهو كون اللقطة لقطة الحرم، وكذلك الحال في الحديث الثالث.

فالعمدة في المقام الحديثان الأولان، ولنا حولهما عدّة أبحاث:

البحث الأوّل: إنّ هاتين الروايتين مخصوصتان بصورة عدم إمكانية التعريف وقد أمرتا بالتصدّق سيما أولاهما، وروايات التملّك الماضية مخصوصة بصورة إمكانية التعريف وقد أمرت بالتعريف ثمّ حكمت بالتملّك، إذاً فلا تعارض بينهما.


(1) وسائل الشيعة 17: 357، ب. من اللقطة، ح 2.
(2) المصدر السابق: 358، ح 3.
(3) المصدر السابق: 355، ب. من اللقطة، ح 3.
(4) المصدر السابق: 368، ب 17 من اللقطة، ح 2.
19

 

ولو أنّ تلك الروايات ولم تكن آمرة بالتعريف ولم تكن مختصّة بصورة إمكانية التعريف ووقع التعارض بينها وبين هاتين الروايتين، لم يكن من الجمع العرفي أن نقول: بأنّ وجوب التصدّق مخصوص بصورة عدم إمكانية التعريف والتملّك مخصوص بصورة إمكانيّته؛ إذ بعد أن لم يكن التملّك متقيّداً بالتعريف لا يحتمل العرف فرقاً تعبّديّاً بين فرض إمكانية التعريف وعدم إمكانيّته وحتّى لو كانت روايات التملّك خاصّة مورداً بصورة إمكان التعريف نتعدّى منها إلى صورة عدم إمكانه مادام التعريف غير واجب، إذاً فالجمع العرفي بينهما إنّما هو القول بالتخيير بين التملّك والتصدّق بناءً على كون الملكية اختيارية أو استحباب التصدّق مع حصول الملك بناءً على كون الملكية قهرية، إذاً فالمهمّ في إفتائنا بعدم جواز التملّك والأكل في لقطة لم يمكن تعريفها هو قصور روايات التملّك عن شمولها، وحينئذٍ حتّى لو لم تدلّ هاتان الروايتان على تعيّن التصدّق وبالتالي على عدم جواز التملّك لكنّا نكتفي بأصالة عدم الملكية.

نعم تفيدنا هاتان الروايتان في أمرين: أحدهما: الحكم بجواز التقاط ما لا يمكن تعريفه.

وقد يقال: إنّ الرواية الاُولى لا تدلّ على ذلك؛ لأنّ الالتقاط في موردها قد حصل بلا اختيار حيث بقي متاع رفيقه في ضمن أمتعته، وهو لا يدري فأخذه معها.

والثاني: الحكم بوجوب الصدقة في مقابل حفظ المال أمانة، أمّا في مقابل الأكل والتملّك فهي وإن كانت تفيد ذلك ولكن عرفت أنّه لولاها أيضاً كنّا نقول ـ بمقتضى الأصل ـ بعدم جواز الأكل والتملّك(1).

وقد يقال: إنّ الرواية الاُولى تفيد ذلك، أمّا الثانية فليس فيها أمر بالتصدّق. وإنّما قال: "أنا اُريد أن أتصدّق به"، فإنّما دلّت على جواز التصدّق لا وجوبه.

البحث الثاني: إنّ هاتين الورايتين إنّما وردتا في فرض عدم إمكانية التعريف بسبب سعة دائرة الجهالة، وقد حكمتا بتعيّن التصدّق، وظاهرهما نفي الملكية ونفي جواز الإبقاء أمانةً.

ولكن عدم إمكانية التعريف قد تنشأ من أسباب اُخرى من قبيل:

1 ـ قصور في حال الملتقط يمنعه عن التعريف رغم قابلية اللقطة للتعريف، وقد عرفت احتمال حمل رواية عليّ بن أبي حمزة الماضية(2) على ذلك، ولكن عرفت أنّها واردة في لقطة الحرم؛ ولذا لم نستطع أن نستفيد منها حكماً بالنسبة لخصوصية عدم إمكان التعريف.

2 ـ قصور في حال اللقطة من حيث عدم قابليّتها للبقاء، وقد ورد في ذلك حديث عن السكوني عن أبي عبد الله: "انّ أمير المؤمنين سئل عن سفرة وجدت في الطريق مطروحة كثير لحمها وخبزها وجبنها وبيضها وفيها سكّين؟ فقال أمير المؤمنين: يقوّم ما فيها ثمّ يؤكل؛ لأنّه يفسد وليس له بقاء، فإن جاء طالبها غرموا له الثمن. فقيل: يا أمير المؤمنين، لا يدرى سفرة مسلم أو سفرة مجوسي؟ فقال: هم في سعة حتّى يعلموا"(3).


(1) طبعاً كلّ هذا بغضّ النظر عن المعارض الدالّ على التملّك في صورة عدم إمكانية التعريف والذي سنبحثه إن شاء الله في البحث الثالث.
(2) وسائل الشيعة 17: 368، ب 17 من اللقطة، ح 2.
(3) المصدر السابق: 372، ب 23 من اللقطة، ح 1.
20

 

فهذه الرواية دلّت على جواز الأكل لا على عدم جوازه، إلا أنّها ضعيفة سنداً.

ونحوها مرسلة الصدوق عن الصادق: "وإن وجدت طعاماً في مفازة فقوّمه على نفسك لصاحبه ثمّ كله، فإن جاء صاحبه فردّ عليه القيمة"(1).

3 ـ قصور في حال اللقطة من حيث عدم اشتمالها على علامة تجعلها قابلة للتعريف لو لم نقل بأنّ هذا يرجع في الحقيقة إلى سعة دائرة الجهل بالمالك، غاية ما هناك أنّ بعض درجات السعة التي لا تكفي في العجز عن التعريف فيما يسمّى ذا علامة قد تكفي في ذلك فيما يقال عنه إنّه بلا علامة كالدينار والدرهم مثلاً، ففي الدائرة الضيّقة يكون الدينار والدرهم أيضاً قابلين للتعريف ومُعدَّين ممّا له علامة كما مضى فيما سبق في بعض الروايات الأمر بتعريفهما، فقد مضى في حديث عليّ بن أبي حمزة (2) الآمر بتعريف الدينار، ومضى في حديث عليّ بن جعفر (3) الآمر بتعريف الدرهم، على بعض نسخه.

وعلى أيّ حال، فأحاديث التصدّق الماضية إنّما وردت في فرض العجز عن التعريف على أساس سعة دائرة الجهالة، فهل نتعدّى من ذلك إلى سائر أسباب العجز عن التعريف أو لا؟

لا يبعد التعدّي وإلغاء خصوصية المورد عرفاً.

البحث الثالث: توجد عدّة روايات وردت في فرض العجز عن التعريف على أساس سعة دائرة الجهالة دلّت على التملّك، فهي تعارض الأحاديث السابقة الدالّة على التصدّق.

والكلام حول ذلك يقع في ثلاثة اُمور:

الأمر الأول: لو تمّت دلالة هذه الروايات على الملك فالظاهر أنّ مقتضى الجمع بينها وبين ما عرفته من أحاديث التصدّق هو القول بالتخيير بين التملّك والتصدّق، وحمل التصدّق على الاستحباب.

الأمر الثاني: إنّنا في أحاديث التصدّق قلنا بالتعدّي من موردها، وهو

العجز عن التعريف الناشئ من سعة دائرة الجهالة الى العجز الناشئ من سائر الأسباب، ولكن التعدّي في مسألة التملّك مشكل، فالعرف يحتمل دخالة سعة الجهالة بمالك ما في جواز تملّك أمواله، ففرق بين التصدّق بمال الغير الذي هو عبارة عن صرف ماله في مصرف الخير وبين أكله وتملّكه، فلو قلنا في الأول بتعدّي العرف من فرض سعة دائرة الجهالة الى سائر فروض العجز عن معرفة المالك لا نقول بذلك في الثاني.

الأمر الثالث: هل روايات التملّك تامّة الدلالة حقاً على التملّك في خصوص


(1) المصدر السابق: 351، ب. من اللقطة، ح 9.
(2) المصدر السابق: 368، ب 17 من اللقطة، ح 2.
(3) المصدر السابق: 352، ب. من اللقطة، ح 13.
21

 

ما نحن فيه، وهو فرض العجز عن تعريف اللقطة لسعة دائرة الجهالة بمالكها أو لا؟ وتلك الروايات كما يلي:

1 ـ روايات تملّك ما في بطن الدابّة، وقد نقل صاحب الوسائل بهذا الصدد روايتين تامّتي السند:

إحداهما: ما عن عبد الله بن جعفر بسند الكليني (رحمه الله) قال: كتبت الى الرجل أسأله عن رجل اشترى جزوراً أو بقرة للأضاحي، فلمّا ذبحها وجد في جوفها صرّة فيها دراهم أو دنانير أو جوهرة لمن يكون ذلك؟ فوقّع: "عرّفها البائع، فإن لم يكن يعرفها فالشيء لك رزقك الله إياه"(1).

والثانية: ما عن عبد الله بن جعفر أيضاً بسند الصدوق (رحمه الله) قال: سألته في كتاب عن رجل اشترى جزوراً أو بقرة أو شاة أو غيرها للأضاحي أو غيرها، فلمّا ذبحها وجد في جوفها صرّة فيها دراهم أو دنانير أو جواهر أو غير ذلك من المنافع، لمن يكون ذلك؟ وكيف يعمل به؟ فوقّع: "عرّفها البائع، فإن لم يعرفها فالشيء لك"(2). وكأنّهما رواية واحدة.

بناء على أنّ كون المال في بطن الدابّة وهي تساق من البلاد الى البلاد ولا يعلم متى أكلته، يوجب سعة دائرة الجهالة بحيث لا يمكن التعريف، خصوصاً إذا كان اشتراها في الحج للاضحية مع كثرة المسافرين الى الحج، إذن فالروايتان تدلان على جواز التملّك عند عدم إمكانية التعريف لسعة دائرة الجهالة.

إلا أنّ الدغدغة الموجودة في هذا الاستدلال هي دعوى احتمال الفرق بين مورد الروايتين ومورد اللقطة حيث إنّ المشتري لم يلتقط المال، وإنّما انساق المال إليه صدفة وقهراً بشرائه للدابّة، فلعلّ هذا يوجب الفرق.

هذا، وتشبه هذه الروايات روايات وجدان المال في جوف السمكة ـ وقد عقد لها الشيخ الحرّ باباً في الوسائل(3) ـ فقد يتمسك بها أيضاً لاثبات جواز تملّك ما لا يمكن تعريفه.

إلا أنّها ـ مضافاً الى الدغدغة الماضية في روايات الدابة ـ ضعيفة سنداً، على أنّه من المحتمل أنّ ما في بطنها من لؤلؤة أو جوهرة أو درّة لم يكن ملك أحد، وإنّما كان من معطيات البحر ابتداء.

2 ـ روايات تملّك ما يُلتقط من الأرض الخربة ـ وقد أوردها صاحب الوسائل في بعض أبواب اللقطة (4) ـ بناء على أنّ خراب الدار وجلاء الأهل يوسّع من دائرة الجهالة بحيث لا يمكن التعريف.

إلا أنّ الدغدغة الموجودة فيها هي دعوى أنّ خراب الدار وجلاء الأهل يجعلنا نحتمل أنّ مالكي المال قد بادوا وهلكوا، فلا يثبت جواز التملّك إلا في هذه الدائرة؛ لاحتمال الخصوصية لها.


(1) المصدر السابق: 359، ب. من اللقطة، ح 1.
(2) المصدر السابق: ح 2.
(3) المصدر السابق: 359، ب 10 من اللقطة.
(4) المصدر السابق: 354 ـ 355، ب. من اللقطة، ح. و 2.
22

 

وقد يجاب عن ذلك بأنّ المالك الأول إذا كان قد هلك فعادة يوجد له ورّاث، وفرضية عدم الوارث ماعدا الامام مثلاً فرضية نادرة.

إلا أن يقال: إنّ في زمان الامام كان يكثر الموالي الذين لا وارث لهم عدا مولاهم أو الامام مثلاً.

وقد يجاب على ذلك: بإنّ الرواية لم ترد بنحو القضية الخارجية حتى تختص بظروف ذلك الزمان.

وقد يقال: إنّ احتمال هلاك الأهل وسعة دائرة الورّاث جدّاً بحيث لا يكون لأيّ واحد منهم إلا جزء يسير من المال لا يعتنى به محتمل الدخل في الحكم، فلا نستطيع التعدّي من هذه الدائرة.

3 ـ أخبار الكنز الظاهرة في التملّك سواء ما كان منها حاكماً بإخراج الخمس فإنّ هذا ظاهر في تملّك الباقي أو ما كان منها نافياً للزكاة فهذا أيضاً ظاهر في التملّك. وهذه الروايات موجودة في كتاب الخمس من الوسائل(1).

والرواية الأخيرة موجودة أيضاً في كتاب اللقطة(2).

ولعلّ مقتضى الجمع بينها وبين الرواية الآمرة بالتصدّق، وهي رواية إسحاق ابن عمّار الماضية هو حمل التصدّق على الاستحباب(3).

وقد يقال: نحن نحتمل الخصوصية في مورد الرواية؛ لأنّها واردة في الدراهم المدفونة بمكة، فلعلّ الكنز المدفون بالحرم حكمه التصدّق لا التملّك، بخلاف الكنز في خارج الحرم، فليكن الكنز حاله حال اللقطة في اختلاف حكم ما يوجد في الحرم عمّا يوجد في خارج الحرم حيث يتملّك الثاني ويتصدّق بالأول.

وعلى أيّ حال فتقريب التمسّك بروايات الكنز هو أنّ مال الكنز تكون دائرة جهالة ملاكه واسعة عادة، وقد ثبت فيه جواز التملّك، ولا خصوصية عرفاً للكنز، فيتعدّى الى غيره.

إلا أنّ الاشكال الموجود في ذلك هو إشكال الرواية السابقة، وهو إبراز احتمال خصوصية في احتمال بيد الملاك، فإنّ الكنز يحتمل فيه عادة ذلك.

ثم إنّه في أيّ مورد قلنا بالتملّك من دون تعريف لا يبعد القول بوجوب الخمس فيه إذا كان ممّا لو كان كنزاً لوجب فيه الخمس بدعوى إلغاء خصوصية الكنزية عرفاً.

4 ـ ما مضى عن فضيل بن غزوان قال: كنت عند أبي عبد الله فقال له الطيار: إنّي وجدت ديناراً في الطواف قد انسحق كتابته. قال: "هو له"(4).


(1) وسائل الشيعة 6: 345 ـ 346، ب. ممّا يجب فيه الخمس.
(2) وسائل الشيعة 17: 355، ب. من اللقطة، ح 6.
(3) المصدر السابق: ح 3.
(4) وسائل الشيعة 17: 355، ب. من اللقطة، ح 4.
23

 

أ ـ وهذه الرواية من ناحية تعارض روايات التعريف؛ فإنّ الدينار والدرهم بشكلهما السابق وفي المجتمع الصغير لذاك اليوم كانا يعدّان ممّا يقبل التعريف، ولهذا ورد في الدينار الأمر بالتعريف كما في رواية علي بن أبي حمزة الماضية(1)، وكذلك ورد في الدرهم الأمر بالتعريف كما في رواية علي بن جعفر الماضية(2) على بعض نسخها.

وأمّا انسحاق كتابة الدينار فلا يجعله غير صالح للتعريف، بل يصبح بذلك أصلح للتعريف؛ لكون انسحاق الكتابة بنفسه علامة.

ب ـ ومن ناحية اُخرى تعارض ما دلّ على عدم جواز تملّك لقطة الحرم كما مضى في رواية إبراهيم بن عمر عن أبي عبد الله قال: "اللقطة لقطتان: لقطة الحرم وتعرّف سنة، فإن وجدت صاحبها وإلا تصدّقت بها. ولقطة غيرها تعرّف سنة، فإن جاء صاحبها وإلا فهي كسبيل مالك"(3).

وبالإمكان أن يقال: إنّ المفروض في مورد رواية فضيل بن غزوان أنّ الدينار وجده في الطواف في مثل أيام الحج، وعندئذٍ تتسع دائرة الجهالة الى حدّ يصبح الدينار عرفاً غير قابل للتعريف.

إذن فالرواية دليل على جواز تملّك اللقطة عند عدم إمكانية تعريفها على أساس سعة دائرة الجهالة.

وعندئذٍ لا تعارض روايات التعريف؛ لأنّ المفروض في موردها عدم إمكانية التعريف، ولا تعارض أيضاً رواية عدم تملّك لقطة الحرم؛ لأنّها حكمت بالتعريف ثمّ التصدّق. وهذا يعني أنّها واردة في مورد إمكانية التعريف، بينما هذه الرواية واردة في مورد عدم إمكانية التعريف.

وقد يقال: إنّ كلمة "في الطواف" في رواية فضيل بن غزوان لا تدلّ على أنّ القضية كانت في أيام الحج مثلاً؛ لأنّ الطواف مشروع طول السنة.

إذن فمقتضى إطلاق رواية ابن غزوان ـ ولو بملاك ترك الاستفصال ـ عدم اختصاص جواز التملّك بصورة سعة دائرة الجهالة وعدم إمكانية التعريف.

وقد يجاب على ذلك بأنّ من المحتمل وجود ما يصلح للقرينية الصارفة للاطلاق؛ وذلك بأن يكون السؤال والجواب صادر في أيام الحج، ويقصد بالطواف طواف أيام الحج، وفي زحام أيام الحج تتسع دائرة الجهالة الى حدّ لا يمكن عادة تعريف الدينار، وواضح أنّ السؤال كان بنحو القضية الخارجية لا الحقيقية، أي إنّه لم يقل:. من وجد ديناراً في الطواف فما هو حكمه؟ )، وإنّما قال:. إنّي وجدت ديناراً في الطواف... الخ )، فلا يمكننا أن نتعدّى من مورد الطواف في أيام الحج الى الطواف في مطلق الأيام؛ لاحتمال الخصوصية، ولا يمكننا أن نتمسّك بالاطلاق بملاك ترك الاستفصال؛ لأنّ كون السؤال في أيام الحج صالح لصرف قوله "في الطواف" الى طواف تلك الأيام. وهذه قرينة تكون الغفلة عن إدراجها في نقل الرواية طبيعة، فلا يمكن نفيها بأصالة عدم الغفلة.


(1) المصدر السابق: 368، ب 17 من اللقطة، ح 2.
(2) المصدر السابق: 352، ب. من اللقطة، ح 13.
(3) وسائل الشيعة 9: 361 ـ 362، ب 28 من مقدمات الطواف، ح 4.
24

 

إذن فلا إطلاق في الرواية لصورة إمكانية التعريف.

وقد يقال: إنّ رواية فضيل بن غزوان حتى لو حملت على فرض عدم إمكانية التعريف تعارض رواية "لا تحلّ لقطتها إلا لمنشد"(1) الماضية حيث دلّت على حرمة التقاط لقطة الحرم لغير المنشد. وهذا حكم شامل للقطة التي يجوز التقاطها بلا تعريف في غير الحرم حتماً، وإلا فأيّة خصوصية للحرم؟!

والجواب:

أولاً: إنّ من المحتمل كون رواية "لا تحلّ لقطتها إلا لمنشد" تعني:

أنّ الالتقاط في غير الحرم لغير المنشد ليس حراماً وإن حرم عدم الانشاد، أو تعني: اشتداد الحرمة في الحرم.

وثانياً: إذا كانت الرواية تعني: حرمة التقاط ما كان يجوز التقاطه في غير الحرم بلا تعريف، فإطلاقها لغير ما يقبل التعريف غير واضح؛ فإنّ قوله "إلا لمنشد" صالح للقرينية على اختصاصها بما يمكن فيه الإنشاد.

فلعلّ المصداق الوحيد لما يجوز التقاطه بلا تعريف في غير الحرم ولا يجوز في الحرم هو المحقّرات.

قد يقال: إنّ رواية "لا تحلّ لقطتها إلا لمنشد" تعارض المجموع المركّب من رواية فضيل بن غزوان ورواية جواز التقاط المحقّرات؛ لأنّه ليس لها طالب، وبما أنّ الثاني حاكم على رواية "لا تحلّ لقطتها إلا لمنشد"؛ لأنّه يثبت رضا المالك، فيرتفع موضوع الحرمة. إذن فالتعارض يستحكم بين رواية فضيل بن غزوان ورواية "لا تحلّ لقطتها إلا لمنشد".

فالمهم هو الجواب الأول.

إذن فلا يثبت التعارض بين هذه الرواية والروايات الآمرة بالتعريف.

هذا، وقد يقال: إنّه بعد أن أصبحت هذه الرواية مجملة، أي لا ندري هل هي تنفي وجوب التعريف وتجوّز التملّك بلا تعريف حتى فيما يمكن تعريفه أو تنفي وجوب التصدّق وتجوّز التملّك فيما لا يمكن تعريفه. إذن نعلم إجمالاً بأنّ هذه الرواية إمّا تعارض روايات التعريف فيما يمكن تعريفه أو تعارض خصوص روايات التصدّق فيما لا يمكن تعريفه، فإمّا إنّ روايات التصدّق فيما لا يمكن تعريفه محمولة على الاستحباب، وإمّا إنّ روايات التعريف فيما يمكن تعريفه محمولة على الاستحباب إن قبلت هذا الحمل أو مبتلاة بالتعارض والتساقط إن لم تقبل هذا الحمل.


(1) المصدر السابق: 175، ب 88 من تروك الاحرام، ح 1.
25

 

وهذا العلم الإجمالي يؤدّي بنا الى العلم التفصيلي بحمل روايات التصدّق فيما لا يمكن تعريفه على الاستحباب؛ لأنّ رواية فضيل بن غزوان إن حملت على فرض عدم إمكانية التعريف فقد دلّت على جواز التملّك في هذا الفرض، فدليل التصدّق يحمل على الاستحباب، وإن حملت على عدم وجوب التعريف وجواز التملّك مطلقاً فلا يمكن إخراج فرض عدم إمكانية التعريف عن الحكم المذكور فيها؛ إذ لا يحتمل جواز التملّك بلا تعريف عند إمكانية التعريف وعدم جوازه عند عدم إمكانية التعريف.

إذن فروايات التصدّق في فرض عدم إمكانية التعريف محمولة على الاستحباب على كلّ حال، فتبقى روايات التعريف في فرض إمكانية التعريف غير ثابتة الابتلاء بالمعارض، فيجب الأخذ بها.

هذا، والصحيح: إنّ رواية فضيل بن غزوان على تقدير حملها على نفي وجوب التعريف وجواز التملّك بلا تعريف مطلقاً ساقطة عن الحجية بمخالفتها للمسلّم الفقهي؛ فإنّ وجوب التعريف فيما يمكن تعريفه مقطوع به فقهياً، وبما أنّها مجملة لا ندري هل هي تنظر الى هذا المعنى الباطل فقهياً أو تنظر الى جواز التملّك في خصوص ما لا يمكن تعريفه، تصبح ساقطة عن الحجية وغير قابلة لمعارضة روايات التصدّق في فرض عدم إمكان التعريف كي توجب حملها على الاستحباب؛ وذلك لأنّها على تقدير عدم ورودها في خصوص طواف لا يمكن التعريف في لقطته لسعة دائرة الجهالة لا تقبل التخصيص بخصوص ذلك، وهي بإطلاقها غير قابلة للحجية. إذن فهي غير ثابتة الحجية.

فإن قلت: إنّنا نضمّ القطع الفقهي ببطلان المعنى الأول الى دليل حجية خبر الثقة ونستنتج من ذلك ضرورة حمل رواية غزوان على المعنى الثاني كي تبقى على الحجية.

قلت: إنّ التمسك بدليل حجية خبر الثقة هنا تمسك بالعام في الشبهة المصداقية؛ فإنّ دليل حجية خبر الثقة مفاده هو حجية مفاد الخبر لا تعيين حقيقة الخبر، والمفروض إنّ حال الخبر هنا مردّد بين أن يكون مكتنفاً بقرينة توجب صرفه الى مثل طواف الحج وهذا قابل للحجية، وبين ما كان ظاهراً في الاطلاق وهذا غير قابل للحجية، فكيف يمكن التمسك بدليل حجية خبر الثقة لإثبات الحجية في المقام؟!

نعم لو كان الخبر بهدف النقل بعين الألفاظ أمكن أن يقال: إنّ دليل حجية الخبر أثبتت ورود هذه الألفاظ، ونضمّ ذلك إلى قطعنا الفقهي ببطلان المعنى الأول، فيثبت المعنى الثاني.

ولا يخفى أنّنا قد أبطلنا هذه الشبهة من الأساس في بحث الاصول. إذن فمقتضى الفنّ هو أن يعترف بتمامية دلالة رواية فضيل بن غزوان على جواز التملّك عند عدم قبول اللقطة للتعريف وحمل روايات التصدّق على الاستحباب.

اللهم إلا أن يقال ـ بناء على ما سيأتي إن شاء الله من أنّ المال المجهول المالك راجع الى الإمام ـ إنّ ما في رواية فضيل بن غزوان إذن شخصي من قبل الامام له بالتملّك خاص بمورده.

26

 

5 ـ ما ورد من جواز تملّك مال من مات أو فقد ولا يعرف له وارث، من قبيل ما ورد عن هشام بن سالم بسند تام قال: سأل حفص الأعور أبا عبد الله وأنا عنده جالس قال: إنّه كان لأبي أجير كان يقوم في رحاه وله عندنا دراهم وليس له وارث، فقال أبو عبد الله: "تدفع الى المساكين" ثم قال: رأيك فيها، ثم أعاد عليه المسألة فقال له مثل ذلك، فأعاد عليه المسألة ثالثة، فقال أبو عبد الله: "تطلب له وارثاً، فإن وجدت له وارثاً و إلا فهو كسبيل مالك< ثم قال: "ما عسى أن تصنع بها"، ثم قال: "توصي بها، فإن جاء لها طالب وإلا فهي كسبيل مالك"(1).

وعنه بسند تام قال: سأل حفص الأعور أبا عبد الله وأنا حاضر، فقال: كان لأبي أجير وكان له عنده شيء فهلك الأجير فلم يدع وارثاً ولا قرابة، وقد ضقت بذلك، كيف أصنع؟ قال: "رأيك المساكين رأيك المساكين" فقلت: إنّي ضقت بذلك ذرعاً قال: "هو كسبيل مالك، فإن جاء طالب أعطيته"(2). ولعلّهما رواية واحدة.

وعنه بسند تام قال: سأل خطّاب الأعور أبا إبراهيم وأنا جالس فقال: إنّه كان عند أبي أجير يعمل عنده بالاُجرة ففقدناه وبقي من أجره شيء ولا يعرف له وارث، قال: "فاطلبوه" قال: قد طلبناه فلم نجده قال: فقال: "مساكين ـ وحرّك يده ـ" قال فأعاد عليه قال: "اطلب واجهد، فإن قدرت عليه وإلا فهو كسبيل مالك حتى يجيء له طالب، فإن حدث بك حدث فأوص به إن جاء لها طالب أن يدفع إليه"(3).

إلا أنّ هذه الروايات لو فرضت دلالتها على جواز تملّك مجهول المالك فلا تدلّ على جواز تملّك اللقطة؛ فإنّها غير واردة في اللقطة، واحتمال الخصوصية موجود، فلعلّ نفس الالتقاط يثقّل التكليف على الملتقط.

على أنّها لا تدلّ على جواز تملّك مجهول المالك أيضاً على الإطلاق؛ فإنّها واردة فيمن لا وارث له أو لا يعرف له وارث، واحتمال الفرق موجود قطعاً.

هذا، ومن لا وارث له فماله للامام أو لبيت مال المسلمين كما في روايات اُخرى، فلعلّ الامام في مورد هذه الروايات تبرّع بحقه الجزمي لو كان لا وارث له أو الاحتمالي لو كان لا يعرف له وارث.

6 ـ ما جاء في رواية علي بن مهزيار في شرح الفوائد التي يجب فيها الخمس في كلّ عام "... ومثل مال يؤخذ ولا يعرف له صاحب..."(4). وسند الحديث تام.

فهذا يدلّ على تملّك المال الذي لا يعرف له صاحب.

إلا أنّه لا يبعد أن يكون المقصود ممّا لا يعرف له صاحب ما لا يعلم أن يكون له مالك أصلاً بأن كان ممّا باد أهله مثلاً، لا ما كان مالكه مجهولاً أو كان لقطة.


(1) وسائل الشيعة 17: 553، ب. من الفرائض والمواريث، ح 7.
(2) المصدر السابق: 585، ب. من الفرائض والمواريث، ح 10.
(3) المصدر السابق: 582، ح 1.
(4) وسائل الشيعة 6: 350، ب. ممّا يجب فيه الخمس، ح 5.
27

 

على أنّه لا يمكن إدراج مجهول المالك أو اللقطة في هذا الحديث بالاطلاق ومقدّمات الحكمة؛ لأنّ النص ليس بصدد بيان حكم هذا المال كي يتمّ الاطلاق بلحاظه، وإنّما هو بصدد بيان الفوائد التي فيها الخمس، فذكر أنّ إحدى تلك الفوائد ما اُخذ ممّا لم يعرف له صاحب، أمّا إنّ هذه الفائدة والملكية متى تتحقق فليس بصدد بيان ذلك كي يتمّ الاطلاق.

ب ـ التصدّق باللقطة:

قد مضى في القسم الثاني من البحث أنّ حكم اللقطة بعد التعريف هو التملّك أو التصدّق أو الاحتفاظ بها كأمانة أو تسليمها الى وليّ الأمر.

أمّا التملّك فقد أشبعنا البحث فيه، وعرفت أنّ المحتملات فيه ثلاثة: الملكية القهرية والتملّك الاختياري ومجرّد الاباحة في التصرّف، وعرفت أنّ مقتضى ظاهر بعض الروايات هو الملكية القهرية، فإن لم يساعد عليها العرف تنزّلنا الى التملّك الاختياري.

وأمّا التصدّق:

أ ـ فإن قلنا فيما مضى بإباحة التصرّف بالمعنى الشامل للتصّرف المُتلف ثبت بذلك جواز التصدّق؛ لأنّه قسم من أقسام التصرّف، ولم يكن التصدّق عدلاً لإباحة التصرّف.

ب ـ وإن قلنا فيما مضى بالتملّك الاختياري فهنا يعقل أن يكون التصدّق عدلاً له.

ويمكن إثبات جواز التصدّق حينئذٍ بغضّ النظر عن فرض ورود رواية خاصة به تشمل لقطة غير الحرم بوجهين:

الوجه الأول: أن يستظهر من روايات التصدّق في لقطة الحرم واللقطة غير القابلة للتعريف جواز التصدّق حتى في لقطة غير الحرم بعد التعريف بدعوى أنّ العرف وإن كان يحتمل الخصوصية في لقطة الحرم وفيما لا يقبل التعريف الموجِبة لوجوب التصدّق لكنّه يتعدّى في أصل مشروعية التصدّق الى لقطة غير الحرم بعد التعريف، وتحمل روايات التملّك على أنّها إرفاق بالملتقط في خصوص لقطة غير الحرم بعد التعريف، لا نفي لمشروعية التصدّق.

الوجه الثاني: أن يقال ـ بغضّ النظر عن روايات التصدّق في لقطة الحرم وما لا يقبل التعريف ـ أنّ نفس دليل جواز التملّك يدلّ بالأولوية العرفية على جواز التصدّق.

28

 

حـ ـ وإن قلنا بأنّ المستفاد ممّا مضى هو الملكية القهرية فلا معنى لمشروعية التصدّق مع فرض الملكية القهرية إلا بمعنى تصدّق الانسان بما يملكه، وليس هذا هو المقصود قطعاً في التصدّق الذي يقال به في اللقطة، فهنا يجب أن نرى هل يوجد نص خاص يدلّ على مشروعية التصدّق في اللقطة غير النصوص الواردة في لقطة الحرم وما لا يقبل التعريف أو لا؟ فإن وجدنا نصاً من هذا القبيل وقع التعارض بينه وبين ما دلّ على الملكية القهرية.

ويمكن الجمع بينهما بوجهين:

أحدهما: حمل رواية التصدّق على استحباب التصدّق بما ملكه بالالتقاط والتعريف.

والثاني: حمل رواية الملك على الملكية الاختيارية. ولعلّ الثاني أوفق بالفهم العرفي.

فلنفحص لنرى هل يوجد نص من هذا القبيل أو لا؟

فنقول: إنّ روايات التصدّق على أقسام:

1 ـ ما مضى في التصدّق بلقطة الحرم: وقد عرفت أنّ هذا لا يفيدنا في المقام في مقابل رواية الملكية القهرية في لقطة غير الحرم.

2 ـ ما مضى في التصدّق بما لا يمكن تعريفه: وقد عرفت أنّ هذا لا يفيدنا في مقابل رواية الملكية القهرية بعد التعريف فيما يمكن تعريفه.

3 ـ ما ورد في التصدّق بمال من مات ولم يعرف له وارث، كما ورد عن يونس عن نصر بن حبيب صاحب الخان قال: كتبت الى عبد صالح: لقد وقعت عندي مئتا درهم وأربعة دراهم وأنا صاحب فندق ومات صاحبها ولم أعرف له ورثة، فرأيك في إعلامي حالها وما أصنع بها، فقد ضقت بها ذرعاً؟ فكتب: "اعمل فيها وأخرجها صدقة قليلاً قليلاً حتى يخرج" (1).

وقال الصدوق في ذيل الرواية الثانية لهشام بن سالم الماضية: "وقد ورد في خبر آخر: إن لم تجد له وارثاً وعرف الله عزّ وجلّ منك الجهد فتصدّق بها" (2).

وكلتا الروايتين ساقطة سنداً، على أنّ احتمال الخصوصية في موردهما موجود، ولا يمكن التعدّي الى مورد اللقطة.

نعم، لو حملنا روايات إعطاء مال من مات وليس له أحد تعطى (لهمشاريجه) (3) على التصدّق ففيها ما هو تام سنداً، فعن خلاد السندي بسند تام عن أبي عبد الله قال: "كان علي يقول في الرجل يموت ويترك مالاً وليس له أحد: اعط المال همشاريجه" (4).


(1) وسائل الشيعة 17: 583، ب. من ميراث الخنثى، ح 3. ط ـ المكتبة الاسلامية.
(2) المصدر السابق: 585، ب. من ميراث الخنثى، ح 11.
(3) معرّبة عن الفارسية بمعنى: رجل من أهل بلاده.
(4) وسائل الشيعة 17: 551، ب. من ولاء ضمان الجريرة والامامة، ح 1.
29

 

ولكن احتمال الخصوصية هنا واضح جّداً؛ فإنّ مال من لا وارث له للامام أو لبيت مال المسلمين، وقد أمر الامام بإعطائه لهمشاريجه، فكيف يمكن التعدّي منه الى باب اللقطة؟!

على أنّه لو تمّت دلالة هذه الروايات على التصدّق في موردها ممّا ليس فيها تعريف فلا تصلح دليلاً على التصدّق في مقابل رواية الملكية القهرية بعد التعريف.

4 ـ ما مضى من رواية إسحاق بن عمّار الآمرة بالتصدّق بالدراهم التي وجدت مدفونة في بعض بيوت مكة (1).

إلا أنّ هذا الحديث وارد في الكنز وسواء اقتصرنا على مورده من الكنز في الحرم مثلاً او تعدّينا الى مطلق الكنز لا يصلح دليلاً على التصدّق في مقابل الملكية القهرية في اللقطة بعد التعريف.

5 ـ ما دلّ على التصدّق بعد التعريف ثلاثة أيّام، وهو ما مضى من حديث أبان بن تغلب فيمن أصاب ثلاثين ديناراً (2)، وما مضى أيضاً من حديث ابن أبي يعفور الحاكم بالتصدّق بالشاة الملتقطة بعد تعريفها ثلاثة أيام (3).

ولكن مضى أنّهما ضعيفان سنداً، على أنّهما لا يدّلان على التصدّق في مقابل الملكية القهرية بعد التعريف سنة.

6 ـ ما دلّ على التصدّق بعد التعريف سنة؛ وذلك إمّا بالتقييد في متن الحديث بتعريف سنة أو إنّه غير مقيّد بذلك في متن الحديث ولكنّه يقيّد بروايات وجوب التعريف سنة. وقد وردت بهذا الشكل عدّة روايات:

1 ً ـ ما رواه حسين بن كثير عن أبيه قال: سأل رجل أمير المؤمنين عن اللقطة فقال: "يعرّفها، فإن جاء صاحبها دفعها إليه وإلا حبسها حولاً، فإن لم يجئ صاحبها أو من يطلبها تصدّق بها، فإن جاء صاحبها بعد ما تصدّق بها إن شاء اغترمها الذي كانت عنده وكان الأجر له، وإن كره ذلك احتسبها والأجر له" (4).

ولعلّ ظاهر هذا الحديث أنّ التعريف لا يجب بمقدار سنة، بل يعرّفها ثم يحبسها عنده سنة بأمل أن يأتي صاحبها فيأخذها، ويمكن تقييده بروايات وجوب التعريف سنة. وعلى أيّ حال فهذا الحديث أمر بالتصدّق بعد انتهاء الحول، إلا أنّه ضعيف سنداً.

2 ً ـ ما رواه حفص بن غياث قال: سألت أبا عبد الله عن رجل من المسلمين أودعه رجل من اللصوص دراهم أو متاعاً واللصّ مسلم، هل يردّ عليه؟ فقال: "لا يردّه، فإن أمكنه أن يردّه على أصحابه فعل، وإلا كان في يده بمنزلة اللقطة يصيبها فيعرّفها حولاً، فإن أصاب صاحبها ردّها عليه، وإلا تصدّق بها، فإن جاء طالبها بعد ذلك خيّره بين الأجر والغرم، فإن اختار الأجر فله الأجر، وإن اختار الغرم غرم له وكان الأجر له" (5). إلا أنّ سند الحديث ضعيف.


(1) المصدر السابق: 358، ح 3.
(2) المصدر السابق: 350 ـ 351، ب. من اللقطة، ح 7.
(3) المصدر السابق: 365، ب 13 من اللقطة، ح 1.
(4) المصدر السابق: 350، ب. من اللقطة، ح 2.
(5) المصدر السابق: 369، ب 18 من اللقطة، ح 1..
30

 

3 ً ـ ما رواه علي بن جعفر عن أخيه قال: سألته عن الرجل يصيب اللقطة فيعرّفها سنة، ثم يتصدّق بها فيأتي صاحبها، ما حال الذي تصدّق بها؟ ولمن الأجر؟ هل عليه أن يردّ على صاحبها؟ أو قيمتها؟ قال: "هو ضامن لها والأجر له إلا أن يرضى صاحبها فيدعها والأجر له" (1).

فهذه الرواية دالّة على جواز التصدّق باللقطة حيث فرض الراوي التصدّق وسأل ماذا يترتّب عليه؟ والامام أقرّ ما فرض وأجاب على ما يترتّب عليه. وسندها تام.

إلا أنّه قد يقال: إنّ هذه الرواية إنّما تدّل على جواز التصدّق كعِدل للملكية بناءً على كون التملّك في اللقطة اختيارياً، أمّا بناءً على استفادة الملكية القهرية من روايات امتلاك اللقطة فهذه الرواية لا تنهض لاثبات التصدّق كعِدل للملكية، فإنّ عدليته للملكية إنّما تتصوّر فيما لو لم يكن حصول الملكية قهراً وبلا اختيار، ولا تدلّ هذه الرواية على جواز التصدّق في مقابل الملك بحيث تعارض رواية الملكية القهرية أو توجب حمل روايات الملك على الملكية الاختيارية؛ وذلك لأنّ الحكم بالتصدّق لم يصدر ابتداء من الامام، بل الراوي فرض التصدّق وسأل عمّا يثبت بعده من ضمان أو أجر، والامام لم يردع عن التصدّق، وبل ويتكلّم عمّا يثبت بعد التصّدق من ضمان أو أجر.

وكلّ هذا كما ترى لا يثبت جواز التصدّق بملك المالك السابق الذي ضاع ماله في مقابل تملّكه، بل يحتمل أنّ هذا المال قد أصبح ملكاً قهرياً للملتقط، وأنّ الملتقط قد تصدّق بما هو ملكه والامام حكم بضمانه وكون الأجر له إلا أن يرضى صاحب المال السابق فيتحوّل الأجر إليه، ولا ضمان على الملتقط حينئذٍ.

اللهمّ إلا أن يقال: إنّ المفهوم عرفاً من ثبوت أجر التصدّق لصاحب المال السابق على تقدير رضاه هو عدم حصول الملكية للملتقط، وإلا فقد كان المفروض ثبوت أجر تحوّل ماله الى الملتقط له وتركه لمطالبته بالمال، لا ثبوت أجر التصدّق، فإنّ التصدّق لم يكن بماله، وإنّما كان بمال الملتقط.

ثم إنّ جواز التصدّق في مقابل الملك إن أثبتناه بفحوى دليل جواز التملّك فهو ثابت في الحيوان كما هو ثابت في غير الحيوان؛ وذلك لأنّنا قلنا بالملك في الحيوان أيضاً،. والمقصود من الحيوان ما لا يشمل العبد والأمة )، وإن أثبتناه بالنص، فإن كان للنص إطلاق يشمل الحيوان كما هو الحال في رواية حسين بن كثير عن أبيه الماضية (2) فلا كلام، وإن لم يكن له إطلاق كما هو الحال في رواية حفص بن غياث التي فهم فيها حكم اللقطة على أساس تنزيل الامام ما أعطاه اللصّ بمنزلة اللقطة فهو لم يكن ابتداء بصدد حكم اللقطة كي يستفاد منه الاطلاق.

وكرواية علي بن جعفر الماضية حيث كان فيه التصدّق مفروضاً ومفروغاً عنه، فلا إطلاق بالنسبة إليه، فالظاهر أنّ العرف يتعدّى الى الحيوان، ولا يتعقّل الفرق في التصدّق بين الحيوان وغيره.

هذا تمام الكلام في التصدّق.


(1) المصدر السابق: 352، ب. من اللقطة، ح 14.
(2) المصدر السابق: 349 ـ 350، ب. من اللقطة، ح 2.
31

 

حـ ـ الاحتفاظ باللقطة كأمانه:

وأمّا الاحتفاظ باللقطة كأمانة فيمكن إثبات جوازه تارة بمقتضى القواعد، واُخرى بالنص الخاص.

أمّا بمقتضى القواعد: فأمّا أن يقال: إذا جاز التملّك فبالفحوى العرفية يجوز حفظها كأمانة، أو يقال: إنّ دليل التملّك لا يستفاد منه أكثر من الرخصة، ودليل التصدّق في غير لقطة الحرم وما لا يمكن تعريفه أيضاً لا يستفاد منه الوجوب، واحتمال كون جواز الالتقاط منوطاً بالتملّك او التصدّق غير وارد؛ لما دلّت

عليه بعض روايات الالتقاط من كون المناط في جواز الالتقاط هو الالتزام بالتعريف (1)، وعند الشك في وجوب الجامع بين التملّك والتصدّق في مقابل الاحتفاظ كأمانة نجري البراءة عن الوجوب (2) وأصالة جواز الاحتفاظ كأمانة، فإذا احتفظ بها كأمانة وتلفت من دون تفريط لم يكن هناك دليل على الضمان.

إلا أنّ إثبات جواز الاحتفاظ باللقطة كأمانة بمقتضى القواعد يتوقّف على إثبات كون الملكية في اللقطة اختيارية لا قهرية، وإلا فلا معنى للاحتفاظ بها كأمانة ويبقى ضامناً لو وجد بعد ذلك المالك الأصلي وكان المال تالفاً ولو بلا تفريط.

وأمّا بمقتضى النص الخاص: فلو ثبت حقاً نص خاص يدلّ على ذلك كان بنفسه دليلاً على عدم كون الملك قهرياً، فيحمل دليل الملك على الملك الاختياري. وما يمكن افتراضه نصاً خاصاً بهذا الصدد روايتان:

الرواية الاُولى: رواية علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر: سألته عن الرجل يصيب اللقطة دراهم أوثوباً أو دابّة، كيف يصنع؟ قال: "يعرّفها سنة، فإن لم يعرف صاحبها حفظها في عرض ماله حتى يجيء طالبها فيعطيها إياه، وإن مات أوصى بها، فإن أصابها شيء فهو ضامن" هكذا رواه في الوسائل ب. من اللقطة (3)، ورواه في ب 20 من اللقطة عن التهذيب (4) مع حذف كلمة صاحبها، وتبديل قوله: "فإن أصابها شيء فهو ضامن" بقوله: "وهو لها ضامن".

وجه الاستدلال بهذه الرواية هو حمل قوله: "حفظها في عرض ماله" على معنى حفظها كأمانة.

ويمكن المناقشة في هذا الاستدلال بعدّة وجوه:


(1) اُنظر: المصدر السابق: 348، ب. من اللقطة، ح 1. وب 2، ح 2، 12. وب 20، ح 1. وج 9: 362، ب 28 من مقدمات الطواف، ح 2، 5.
(2) قد يقال: إنّه لو لم يتملّك المال ولم يتصدّق به لم تصل النوبة الى الاحتفاظ بالمال كأمانة إذا كان من الممكن إيصال المال الى وليّ مالكه وهو الحاكم الشرعي، فالعمدة في إثبات جواز الابقاء كأمانة هي فحوى جواز التملّك.
(3) وسائل الشيعة 17: 352، ح 13.
(4) المصدر السابق: 352، ح 2.
32

 

الوجه الأوّل: إنّ كلمة "صاحبها" غير موجودة في الفقيه ولا في التهذيب، وعلى تقدير عدم وجود هذه الكلمة لا ندري كيف تقرأ كلمة "فإن لم يعرف" هل بتخفيف الراء أو بتشديده؟

فإن كان بتخفيف الراء لم يختلف المعنى، فيكون معنى الرواية أنّه لو عرّفها سنة ولم يعرف صاحبها حفظها في عرض ماله، أمّا لو كان بتشديد الراء فيصبح المعنى أنّه لو لم يعرّف اللقطة وجب حفظها في عرض ماله حتّى يأتي صاحبها، وعلى هذا المعنى يسقط الحديث عن الدلالة على المقصود من حفظ المال كأمانة بعد تعريف سنة، ويصبح مفاد الحديث: أنّ التعريف غير واجب، فيجوز ترك التعريف شريطة أن يحتفظ بالمال كأمانة، فكأنّ التملّك والتصدّق هما حكم فرض التعريف، والحفظ كأمانة هو حكم فرض عدم التعريف.

قد يقال في قبال ذلك: إنّ أدلّة وجوب التعريف تصبح قرينة على أنّ كلمة "لم يعرف" هنا تكون بتخفيف الراء.

ولكن الصحيح أنّ الكلام المبيّن قد يصلح تفسيراً للكلام المجمل بعد تعيّن عبارة ذاك المجمل، أمّا إذا كان المجمل إنّما أصبح مجملاً بعدم تعيّن عبارته فعلى أحد الفرضين يكون معارضاً للمبيّن فذاك المبيّن لا يستطيع أن ينفي ذلك الفرض، إلا إذا فرضنا العلم الإجمالي بأنّه إمّا ذاك المبيّن غير صحيح، أو إنّ ذاك الفرض غير واقع، ولكن ليس لنا في المقام علم إجمالي كذلك.

نعم، يبقى المبيّن على حجّيّته؛ لعدم تيقّن ابتلائه بالمعارض ما لم يحقّق المجمل علماً إجماليّاً منجّزاً أحد طرفيه عبارة عن ابتلاء المبيّن بالمعارض، وتمام الكلام في ذلك موكول إلى علم الاُصول.

ولا مخلص عن هذا الإشكال إلا فرض كون أدلّة وجوب التعريف مفيدة للاطمئنان بوجوب التعريف والاطمئنان بأنّ كلمة "لم يعرف" هنا بالتخفيف، وأمّا لو فرضنا الاطمئنان بوجوب التعريف مع عدم الاطمئنان بأنّ كلمة "لم يعرف" هنا بالتخفيف فالنتيجة هي سقوط هذه الرواية عن الحجّية.

وقد يقال: إنّ النقل الذي جاء فيه كلمة "صاحبها" باقٍ على حجّيّته فنتمسّك به؛ فإنّ النقل الذي حذف فيه كلمة "صاحبها" ليس فيه دلالة على خطأ النقل الذي فيه تلك الكلمة؛ إذ لا يدلّ على ذلك إلا على تقدير كون كلمة "يعرف" بالتشديد ولم يثبت، إذن نبقى نتمسّك بحجّية النقل الذي فيه كلمة "صاحبها".

33

 

إلا أنّ هذا الكلام غير صحيح؛ لأنّ صاحب الوسائل نقل هذا الحديث مع كلمة "صاحبها" في الباب الثاني من اللقطة عن عبد الله بن جعفر في قرب الاسناد عن عبد الله بن الحسن عن جدّه عليّ بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر، وهذا السند ضعيف بعبد الله بن جعفر، وهو وإن ذكر أخيراً أنّه" رواه عليّ بن جعفر في كتابه" وهذا تامّ السند، لكنّنا لا ندري أنّ نسخة كتاب عليّ بن جعفر هل هي مشتملة على كلمة "صاحبها" أو لا؟ ويبدو أنّ صاحب الوسائل(رحمه الله) لم يكن يهتمّ بوجود هذه الكلمة وعدمها إلى حدّ يفهم من قوله:" رواه عليّ بن جعفر" أنّه رواه مع كلمة "صاحبها". والدليل على ذلك: أنّه ذكر في ذيل نقله للحديث عن قرب الاسناد قوله:" ورواه الصدوق بإسناد عن عليّ بن جعفر مثله "، بينما نحن نعلم أنّ الصدوق رواه من دون هذه الكلمة كما نقله هو (رحمه الله) في الباب. 20. الحديث عن التهذيب من دون كلمة "صاحبها" وعقّبه أيضاً بقوله:" ورواه الصدوق بإسناد عن عليّ بن جعفر ".

الوجه الثاني: إنّ الموجود في نسخة الفقيه بدلاً عن قوله: حفظها في عرض ماله" قوله: "جعلها في عرض ماله، وهذا لا يعطي معنى الأمانة بل يعطي معنى الملك أو الإباحة في التصرّف ولم يثبت أنّ تعبير الإمام كان وفق نسخة التهذيب دون الفقيه.

هذا، وبناءً على نسخة الفقيه يتأكّد كون كلمة "لم يعرف" بالتخفيف لوضوح عدم جواز التملّك أو التصرّف ابتداءً بلا تعريف.

الوجه الثالث: أنّه حتّى لو افترضنا أنّ التعبير الصادر من الإمام هو قوله: "حفظها في عرض ماله" فهذا غير ظاهر في إرادة الحفظ كأمانة، ويحتمل إرادة الملك أو العارية.

هذا، وإذا كان كان بعض الرواة قد نقل بتعبير "حفظها في عرض ماله" وبعضهم نقل بتعبير "جعلها في عرض ماله" والثاني ظاهر في الملك أو العارية والأوّل مجمل، فقد يكون الثاني مفسّراً للأوّل، أو يقال ـ على الأقلّ ـ: إنّ المجمل لا يعارض المبيّن، فيثبت أنّ المقصود هو الملك أو العارية، لا الأمانة.

الوجه الرابع: انّنا لو غضضنا النظر عن كلّ ما مضى فالمزيّة المفروض ترتيبها على الحفظ كأمانة ـ والتي لا تنحفظ في فرض التملّك أو التصدّق وهي عدم ضمان الملتقط إذا تلفت العين بلا تفريط ـ لا تترتّب في المقام؛ وذلك لأنّ هذه الرواية بذيلها دالّة على الضمان حيث يقول: "وهو لها ضامن". ولعلّ هذا يؤيّد احتمال أنّ المقصود كان هو الملك أو العارية، لا الأمانة.

الرواية الثانية: رواية الهيثم بن أبي روح صاحب الخان قال: كتبت إلى العبد صالح: إنّي أتقبّل الفنادق فينزل عندي الرجل فيموت فجأة ولا أعرفه ولا أعرف بلاده ولا ورثته فيبقى المال عندي، كيف أصنع به؟ ولمن ذلك المال؟ قال: "اتركه على حاله" (1).


(1) المصدر السابق: 583، ب. من ميراث الخنثى، ح 4.
34

 

وقد ورد في نظير ذلك الحكم بأنّه كسبيل مالك، والحكم بالتصدّق، والحكم بأنّه للإمام، والحكم بإبقائه على حاله؛ وكأنّ المقصود منه حفظه أمانةً.

أمّا الأخير: فهو ما عرفت من رواية الهيثم.

وأمّا الثالث: فكما ورد عن الفضيل بن يسار عن أبي الحسن في رجل كان في يده مال لرجل ميّت لا يعرف له وارثاً كيف يصنع بالمال؟ قال: "ما أعرفك لمن هو يعني نفسه" (1). إلا أنّه ضعيف سنداً.

وأمّا الثاني: فكما مضى من رواية نصر بن حبيب صاحب الخان (2). وقد مضى أنّها ضعيفة سنداً.

وأمّا الأوّل: فكالروايات الماضية ـ نحو ما ورد عن هشام بن سالم (3)

وما ورد عن خطّاب الأعور (4) ـ وصدر الرواية الاُولى منها يدلّ أيضاً على التصدّق على المساكين، ويمكن استفادة جواز التصدّق على غير المساكين أيضاً بفحوى ما في ذيلها من جواز جعله كسبيل ماله، فإذا كان المال يجوز تملّكه أو الاستفادة منه ولا يجب حفظ عينه للمالك بدليل جواز التصدّق به على المساكين بضمان، إذن فجواز التصدّق به على غير المساكين أولى من تملّكه.

هذا، والرواية الأخيرة من تلك الروايات المذكورة يحتمل ورودها في الأجر الكلّي الباقي في الذمّة ويبدو لي احتمال الفرق بينه وبين العين الشخصية، ولكن تكفي الروايتان الاُوليان.

وعلى أيّ حال، فمقتضى الجمع بين روايات التملّك أو إباحة التصرّف ورواية الحفظ كأمانة، هو التخيير بينهما وأنّ الملك ليس قهريّاً، فلئن لم يمكن التعدّي ـ في مسألة الملك ـ من مورد هذه الروايات إلى مورد اللقطة لاحتمال الخصوصية ـ لما مضى من أنّ من المحتمل كون نفس الالتقاط مثقّلاً للتكليف على الملتقط ـ فلا يبعد صحّة التعدّي بلحاظ مسألة الحفظ أمانةً، لكنّ هذا التعدّي مشروط بأن نقول بعدم قهرية الملك في اللقطة، فنفس هذه الرواية ـ وهي رواية الهيثم بن أبي روح ـ لا تصلح دليلاً على عدم كون الملك في اللقطة بعد التعريف سنة قهريّاً، مضافاً الى كونها ساقطة بضعف السند.


(1) المصدر السابق: 586، ح 12. و: ص 551، ب. من ولاء ضمان الجريرة، ح 13.
(2) المصدر السابق: 583، ب. من ميراث الخنثى، ح 3.
(3) المصدر السابق: 553، ب. من ولاء ضمان الجريرة والامامة، ح 7. و 585، ب. من ميراث الخنثى، ح 10.
(4) المصدر السابق: 582، ب. من ميراث الخنثى، ح 1.
35

 

ثمّ إنّه لا فرق في مسألة حفظ اللقطة كأمانة بين الحيوان وغيره؛ إذ لو أثبتنا ذلك بمقتضى القاعدة فهو جار في الحيوان أيضاً، ولو أثبتنا ذلك بالرواية الاُولى من الروايتين اللتين أوردناهما بصدد إثبات هذا الحكم ففيها التصريح بذكر الدابّة، ولو أثبتنا ذلك بالرواية الثانية فالظاهر إطلاق كلمة "المال" فيها للحيوان، ولا أقلّ من عدم احتمال الفرق عرفاً.

هذا كلّه في حفظ اللقطة كأمانة بعد التعريف في غير الحرم، وقد عرفت أنّه لم يتمّ في ذلك دليل خاصّ، وإنّما يمكن إثبات جوازه بمقتضى القواعد لو لم نستظهر من أدلّة الملكية الملكية القهرية.

يبقى الكلام في أنّه هل يجوز حفظ لقطة الحرم كأمانة بعد التعريف أو يجب التصدّق بها؟ وهل يجوز حفظ اللقطة التي لا يمكن تعريفها كأمانة أو يجب التصدّق بها؟

أمّا الثاني: فإضافةً إلى ظهور الأمر الوارد فيه بالتصدّق في الوجوب يمكن القول: بأنّ جواز الالتقاط والتسلّط على مال الغير خلاف القاعدة الأوّلية، والقدر المتيقّن الذي ثبت جوازه هو فرض تعقّبه بالتصدّق، أمّا فرض إبقائه كأمانة خاصّة مع فرض اليأس من تحصيل المالك ممّا يجعل الإبقاء كأمانة لغواً وبلا فائدة متصوّرة، فلم يعرف كونه مجوّزاً للالتقاط.

وأمّا الأوّل: فلا يبعد القول فيه أيضاً بوجوب التصدّق؛ لظهور مثل قوله في لقطة الحرم: "تعرّف سنة، فإن وجدت صاحبها وإلا تصدّقت بها" (1) في الوجوب.

هذا تمام الكلام في حفظ اللقطة كأمانة.

د ـ تسليم اللقطة الى ولي الأمر:

وأمّا تسليمها إلى وليّ الأمر باعتباره وليّاً على المالك فقد يقال: بعد أن عمل الملتقط بوظيفته الواجبة عليه ـ وهي الفحص سنة ـ يجوز له أن يسلّم اللقطة إلى الحاكم الشرعي بمقتضى القاعدة وبلا حاجة إلى نصّ خاصّ؛ وذلك لأنّ الحاكم وليّ الغائب، وقد كان المترقّب أن يكون الحكم بالإيصال إلى الحاكم من أوّل زمان الالتقاط، وأن يكون الحكم وجوباً تعينياً، لا كعدلٍ للتملّك والتصدّق والحفظ كأمانة؛ فإنّ على اليد تسليم ما أخذت إلى مالكه أو وليّ المالك، ولكن حيث ثبت وجوب التعريف سنة بالنصّ خالفنا مقتضى القاعدة الذي هو عبارة عن كون الحكم بالإيصال إلى وليّ المالك من أوّل زمان الالتقاط، وحيث ثبت جواز التملّك والتصدّق بعد التعريف سنة بالنص خالفنا مقتضى القاعدة الذي هو عبارة عن كون الحكم بالايصال الوليّ وجوبيّاً، بقي جواز التسليم إلى الوليّ بعد انتهاء السنة فهذا ثابت بمقتضى القواعد؛ بداهة أنّ التسليم إلى وليّ المالك يعدّ بمنزلة التسليم إلى المالك، فهو مُخرِج للملتقط عن العهدة. ودليل التملّك أو التصدّق لا يمنع عن جواز ذلك وإن منع عن وجوبه؛ وذلك لأنّه لم يكن المستفاد منهما وجوب التملّك أو التصدّق؛ ولذا جوّزنا الحفظ كأمانة، نعم، في لقطة الحرم وفي اللقطة التي لا يمكن تعريفها قد يقال: بعدم جواز تسليم المال إلى الحاكم؛ وذلك لأنّنا استظهرنا من دليل التصدّق فيهما وجوبه، فإذا وجب على نفس الملتقط التصدّق بدليل خاصّ لم يبقَ مورد لتسليم المال إلى الحاكم


(1) المصدر السابق 9: 361، ب 28 من مقدّمات الطواف، ح 4.
36

 

هذا، وكما أشرنا يترتّب على تسليم المال إلى الحاكم خروج الملتقط من الضمان؛ لأنّ تسليم المال إلى وليّ المالك بمنزلة تسليمه إلى المالك، فمقتضى القاعدة خروجه عن عهدة المال.

هذا غاية ما يمكن أن يقال في مقام إثبات كون التسليم إلى وليّ المالك عدلاً للتملّك والتصدّق والحفظ كأمانة بعد سنة.

وفي مقابل هذا:

تارةً ينكر كون مقتضى القاعدة في المقام جواز التسليم إلى الحاكم الشرعي.

واُخرى يقال: بأنّ التسليم إلى وليّ المالك ليس عدلاً للتملّك والتصدّق والحفظ كأمانة بأن يثبت التخيير بعد التعريف سنة بين اُمور أربعة أحدها التسليم إلى وليّ المالك، بل هو جائز من أوّل الأمر وقبل التعريف، وجائز أيضاً في لقطة الحرم واللقطة التي لا يمكن تعريفها.

وثالثةً يقال: بأنّ التسليم إلى وليّ الأمر جائز من أوّل الأمر لا بما هو وليّ المالك ويحفظ مصالح المالك، بل لأنّ المال المجهول المالك عائد إلى وليّ الأمر يصنع به ما يريد.

أمّا الأوّل ـ وهو إنكار كون مقتضى القاعدة جواز التسليم إلى الحاكم ـ: فالمستند في ذلك إمّا هو دعوى كون الملكية بعد التعريف قهرية فلا موضوع للتسليم إلى وليّ المالك، أو هو إنكار الصغرى؛ أعني ولاية الحاكم على الغائب ـ هذا في غير المعصوم الذي هو خارج عن محلّ البحث، والذي يجوز تسليم كلّ شيء إليه؛ فإنّه أولى بالمؤمنين من أنفسهم ـ أو هو دعوى أنّ أدلّة اللقطة بعد أن عيّنت الوظائف تجاه المال الملتقط بشأن الملتقِط لم يبقَ مجال لإعمال الوليّ ولايته.

أمّا دعوى كون الملكية بعد التعريف قهرية: فقد مضى الكلام فيها فيما سبق، فمن يستظهر ذلك لا يبقى هنا لديه موضوع للتسليم إلى وليّ المالك. ومن يستظهر كون الملكية اختيارية يبقى لديه مجال لذلك.

وأمّا إنكار الصغرى فهو إمّا على أساس إنكار ولاية الفقيه، أو على أساس التشكيك في دائرة ولايته، ومجال بحثه المفصّل ليس هنا.

وأمّا دعوى أنّ تعيين الوظائف تجاه اللقطة في الروايات لم يُبقِ مجالاً لإعمال الوليّ ولايته فجوابه اتّضح ممّا سبق؛ فإنّه بعد أن فرض عدم استظهار الوجوب من دليل التملّك والتصدّق لا يفهم عرفاً من دليلهما إبطال العمل بما هو ثابت بإطلاق دليل الولاية من أنّ الوليّ قائم مقام المولّى عليه وأن دفع المال إليه كدفعه إلى المالك مُخرج للشخص من عهدة المال.

37

 

وأمّا الثاني ـ وهو دعوى جواز تسليم المال إلى وليّ الأمر من أوّل الأمر بما هو وليّ للمالك يلحظ مصالح المالك بلا حاجة إلى التعريف فيما يعرّف ولا إلى التصدّق فيما لا يعرّف ولا في لقطة الحرم ـ: فغاية ما يمكن أن يقال في وجهه: إنّه مع إمكانية إيصال المال إلى وليّ المالك الذي هو بمنزلة إيصاله إلى المالك لا يفهم العرف من الأمر بالتعريف أو التصدّق إيجاب التعريف أو التصدّق تعيينيّاً في مقابل الإيصال إلى وليّ المالك، بل يفهم بمناسبات الحكم والموضوع كونه عِدلاً لإيصال المال إلى وليّ المالك سنخ أنّ الأمر عند توهّم الحظر يفيد الإباحة لا الوجوب.

والصحيح أنّ ظاهر تلك الأدلّة بمناسبات الحكم والموضوع ينحلّ إلى أمرين: أحدهما: تعيين الإجراء الذي يجب أن يتّخذ بإزاء هذا المال بحيث حتّى لو أنّ الوليّ أخذ هذا المال كان الإجراء الذي لابدّ أن يتّخذه هو التعريف أو التصدّق، والثاني: أنّ الملتقط هو الذي قد انشغلت عهدته بهذا الإجراء لأجل ما صنعه من وضع يده على هذا المال فيجب عليه: إمّا أن يقوم هو بهذا الإجراء، أو يسلّم المال إلى من يثق بأنّه يقوم به، أو يثبت له ـ ولو ثبوتاً تعبّديّاً ـ قيام شخصٍ ما بهذا الإجراء.

وما مضى من استظهار العِدلية لإيصال المال إلى وليّ المالك لو تمّ فإنّما هو في مقابل الظهور الثاني، فهو الذي يكون من سنخ الأمر عند توّهم الحظر لا الأوّل، أي أنّ أصل التعريف أو التصدّق لابدّ من تحقّقه، ولكن يجوز للملتقط أن يعتمد على الوليّ بتسليم المال إليه مادام يحتمل أنّه سيقوم الوليّ بالإجراء اللازم، ولا تبعد صحّة هذا الاستظهار.

وأمّا الثالث: وهو دعوى جواز التسليم للقطة إلى وليّ الأمر من أوّل الأمر لا بما هو وليّ للمالك يراعي ما ينبغي من إجراء بشأن مال المالك، بل باعتباره هو صاحب الأموال المجهولة المالك وأنّ كلّ ما مضى من الأمر بالتصدّق أو إباحة التملّك أو إيجاب التعريف إنّما هي أوامر وردت من قبل المالك وهو الإمام لا أحكام شرعية ذكرها الإمام باعتباره أميناً على الأحكام، من دون فرق في ذلك بين الحيوان وغيره، ويمكن الاستدلال على هذا المدّعى بعدّة روايات:

1 ـ ما مضى عن الفضيل بن يسار (1) عن أبي الحسن في رجل كان في يده مال لرجل ميّت لا يعرف له وارثاً كيف يصنع بالمال؟ قال: "ما أعرفك لمن هو!" يعني نفسه (2). فإذا ثبت بهذا الحديث أنّ مجهول المالك للإمام ففي زمن الغيبة يكون أمره موكول الى نائبه وهو الفقيه.

إلا أنّ احتمال الخصوصية هنا وارد وذلك:

أوّلاً: لأنّ في مورد الحديث يحتمل كون المال لميّت بلا وارث، ولعلّ هذا الاحتمال دخيل في الحكم بكونه للإمام.

وثانياً: لأنّه في المورد لم يكن التقاط ولا إمكانية التعريف، فلعلّ الالتقاط في مورد يجوّز تملّك اللقطة ولو بعد الفحص يعطي للملتقط أولوية بالنسبة للمال تمنع عن دخوله في ملك الإمام، ولعلّ إمكانية التعريف واحتمال الوصول إلى المالك يوجبان عدم دخول المال في ملك الإمام. ومع هذا، فالحديث ضعيف السند.


(1) المصدر السابق 17: 586، ب. من ميراث الخنثى، ح 12. و: 551، ب. من ولاء ضمان الجريرة، ح 13.
(2) المصدر السابق: 352، ب. من اللقطة، ح 14.
38

 

2 ـ رواية الشيخ بسنده إلى عليّ بن مهزيار عن محمّد بن رجاء الخيّاط قال: كتبت إليه: إنّي كنت في المسجد الحرام، فرأيت ديناراً فأهويت إليه لآخذه فإذا أنا بآخر، ثمّ بحثت الحصى فإذا أنا بثالث فأخذتها فعرّفتها فلم يعرفها أحد، فما تأمرني في ذلك جعلت فداك؟ قال: فكتب إليّ: "قد فهمت ما ذكرت من أمر الدينارين" تحت ذكْري موضع الدينارين، ثمّ كتب تحت قصّة الثالث: "فإن كنت محتاجاً فتصدّق بالثلث، وإن كنت غنيّاً فتصدّق بالكلّ".

ورواه الصدوق بإسناده عن محمّد بن عيسى عن محمّد بن رجاء الخيّاط قال: كتبت إلى الطيّب، وذكر نحوه (1).

ورواه الكليني عن محمّد بن يحيى عن محمّد بن أحمد عن محمّد بن عيسى عن محمّد بن رجاء الارجاني قال: كتبت إلى الطيّب: إنّي كنت في المسجد الحرام، فرأيت ديناراً فأهويت إليه لآخذه فإذا أنا بآخر، فنحّيت الحصى فإذا أنا بثالث فأخذتها، فعرّفتها فلم يعرفها أحد فما ترى في ذلك؟ فكتب: "فهمت ما ذكرت من أمر الدنانير، فإن كنت محتاجاً فتصدّق بثلثها، وإن كنت غنيّاً فتصدّق بالكلّ" (2).

وتقريب الاستدلال بهذا الحديث هو أن يقال: إنّ المفهوم عرفاً من قوله: "فعرّفتها فلم يعرفها أحد" ليس هو التعريف سنة، وإنّما هو ما يتمّ به مسمّى التعريف ولو لمرّة واحدة، فجوابه يخالف فرض وجوب التعريف سنة، ويخالف أيضاً فرض وجوب التصدّق بلقطة الحرم حيث اكتفى هنا بالتصدّق بالثلث في فرض الاحتياج، ولا محمل لذلك إلا فرض كون أمر اللقطة راجعاً إلى الإمام فهو ـ بشكل عامّ ـ قد أمر بالتعريف والتصدّق بلقطة الحرم لكنّه سمح للسائل في قصّته بترك التعريف سنة وبالاكتفاء بالتصدّق بالثلث إذا كان محتاجاً.

إلا أنّه قد يقال: إنّ بالإمكان الجمع بين هذه الرواية وباقي الروايات بوجه آخر، وهو أن يقال: إنّ دلالة هذه الرواية على عدم اشتراط التعريف سنة ليس إلا بظهورٍ يمكن رفع اليد عنه بتصريح الروايات الاُخرى بلزوم التعريف سنة، وأمّا تجويزه للاكتفاء بالتصدّق بقسم من المال عند الاحتياج فليكن مقيّداً لإطلاق دليل التصدّق.

ولو لم يتمّ هذا الجمع فلعلّنا نقول بالتعارض لا بالحمل على كون أمر اللقطة متروكاً للإمام. ومع هذا، فالحديث ساقط سنداً.


(1) المصدر السابق: 367، ب 16 من اللقطة، ح 2.
(2) المصدر السابق 9: 362، ب 28 من مقدّمات الطواف، ح 7.
39

 

3 ـ ما مضى عن داود بن أبي يزيد عن أبي عبد الله، قال: قال رجل: إنّي قد أصبت مالاً، وإنّي قد خفت فيه على نفسي، ولو أصبت صاحبه دفعته إليه وتخلّصت منه؟ قال: فقال أبو عبد الله: "والله إن لو أصبته كنت تدفعه إليه؟"، قال: إي والله، قال: "فأنا والله ما له صاحب غيري". قال: فاستحلفه أن يدفعه إلى من يأمره، قال: فحلف، فقال: "فاذهب فاقسمه في إخوانك ولك الأمن ممّا خفت منه، قال: فقسمته بين إخواني (1).

فقد يقال: إنّ الحديث مطلق ـ ولو بملاك ترك الاستفصال ـ يشمل فرض كون المال الذي أصابه لقطة.

إلا أنّ الصحيح أنّ قوله: "قد أصبت مالاً" لو جزمنا بظهوره في الجامع بين الالتقاط وغيره تمّ ما ذكر من الإطلاق، إمّا على أساس مقدّمات الحكمة لو كان سؤاله بنحو القضيّة الحقيقة، أو على أساس ترك الاستفصال لو كان سؤاله راجعاً إلى واقعة شخصية.

أمّا إذا قلنا: إنّ السؤال بعد أن كان عن واقعة شخصية فقوله: "أصبت مالاً" له ظهور في غير الالتقاط، أو مجمل ـ على الأقلّ ـ؛ إذ لو كانت واقعته الشخصية عبارة عن الالتقاط لكان المناسب جدّاً أن يقول مثلاً: "إنّي أصبت لقطة، ولا أقلّ من احتمال الإجمال، فلا يتمّ الإطلاق بمقدّمات الحكمة ولا بملاك ترك الاستفصال، أمّا عدم تماميّته بمقدّمات الحكمة فواضح، وأمّا عدم تماميّته بملاك ترك الاستفصال؛ فلأنّ الحقّ المحقّق في محلّه أنّ إجمال السؤال يسري إلى الجواب، لا أنّ الجواب يكتسب الإطلاق في مورد إجمال السؤال بملاك ترك الاستفصال، كما ولعلّ ظاهر تحيّره وخوفه على نفسه وأنّه لو أصاب صاحبه لدفعه إليه أنّه لم يكن يمكنه التعريف؛ وإلا لكان في مثل هذه الحالة يباشر التعريف، ولا أقلّ من الإجمال من هذه الناحية أيضاً.

إذن، فالقدر المتيقّن من هذا الحديث هو أنّ المال المجهول المالك غير اللقطة وغير ما يمكن تعريفه للإمام، وعليه فيحمل ما ورد من الأمر بالتصدّق في مجهول المالك غير اللقطة وغير ما يمكن تعريفه، وهو حديث يونس بن عبد الرحمان الماضي (2)، على أنّه أمر بالتصدّق بما هو راجع له، وليس بياناً لكون الحكم الشرعي هو التصدّق، فيسقط ما مضى من استدلالنا به ـ بناءً على التعدّي عن مورده ـ على كون حكم اللقطة غير القابلة للتعريف هو التصدّق.

هذا، وقد يقبل بالإجمال الثاني أو ظهوره فيما لا يمكن تعريفه، ولا يقبل بالإجمال الأوّل أو ظهوره في غير اللقطة (3)، فيتمّ الإطلاق بملاك ترك الاستفصال بلحاظ كون مجهول المالك لقطة أو غير لقطة، ولكن لا يتمّ الإطلاق بلحاظ إمكانية التعريف وعدمه، فالقدر المتيقّن هو مجهول المالك الذي لا يمكن تعريفه فهو للإمام، فإمّا أن يحمل ما مضى من رواية زرارة ـ سألت أبا جعفر عن اللقطة، فأراني خاتماً في يده من فضّة، قال: "إنّ هذا ممّا جاء به السيل وأنا اُريد أن أتصدّق به" (4) ـ على أنّه يسمح بالتصدّق باللقطة التي لا يمكن تعريفها بما هو مالك لها لا أنّ حكمها الشرعي هو التصدّق، وإمّا أن يقال: إنّ رواية داود بن يزيد إنّما دلّت على كون اللقطة التي لا يمكن تعريفها للإمام بالإطلاق بملاك ترك الاستفصال، بينما رواية زرارة ظاهرة في كون الحكم الشرعي للّقطة التي لا يمكن تعريفها هو التصدّق، فيقيّد بها إطلاق رواية داود بن يزيد بناءً على مبنى انّه عند تعارض المطلق والمقيّد لا يسمح بتوجيه المقيّد وحمله على غير ظاهره، بل يقيّد المطلق بالمقيّد.


(1) المصدر السابق 17: 357، ب. من اللقطة، ح 1.
(2) المصدر السابق: 357، ب. من اللقطة، ح 2.
(3) وقد يقال: إنّ الإجمال الثاني يولّد الإجمال الأوّل أو يؤكّده؛ لأنّ عدم إمكانية التعريف ـ الذي هو محتمل على أساس الإجمال الثاني ـ يناسب كون المال في مورد الحديث غير لقطة؛ لأنّ اللقطة الغالب فيها إمكانية التعريف ومجهول المالك غير اللقطة الغالب فيه عدم إمكانية التعريف.
(4) وسائل الشيعة 17: 358، ب. من اللقطة، ح 3.
40

 

هذا، لو لم نقل بأنّه مع عدم إمكانية تعريف اللقطة يكون التفصيل بينها وبين مجهول المالك الذي لا يمكن تعريفه ـ بأن يكون الثاني للإمام دون الأوّل ـ غير عرفيّ، وإلا فحتّى لو افترضنا عدم الإطلاق في رواية داود يثبت أنّ للقطة غير القابلة للتعريف للإمام، وتحمل رواية زرارة على سماح الإمام بالتصدّق بها بوصفه مالكاً لا على أنّ حكمها الشرعي هو التصدّق.

وإذا أردت استيعاب الكلام بشكل أوضح فيما يرجع إلى الإمام من أقسام مجهول المالك قلنا: إنّ مجهول المالك على أقسام:

1 ـ ما ليس لقطة ولا يمكن تعريفه.

2 ـ ما يكون لقطة ولا يمكن تعريفها.

3 ـ ما يكون لقطة ويمكن تعريفها، لكن لا يجوز تملّكها بعد التعريف؛ لأنّها لقطة الحرم.

4 ـ ما يكون لقطة ويمكن تعريفها ويجوز تملّكها بعد التعريف.

5 ـ ما ليس لقطة ويمكن تعريفه.

أمّا القسم الأوّل: فهو القدر المتيقّن ممّا دلّت رواية داود على أنّه للإمام.

وأمّا القسم الثاني: فإمّا أنّه داخل أيضاً في القدر المتيقّن أو لا يبعد التعدّي إليه عرفاً.

وأمّا القسم الثالث: فهو غير داخل في القدر المتيقّن من رواية داود حتماً، ولكن لا يبعد التعدّي عرفاً إليه بعد انتهاء التعريف، فإنّ ما يحتمل عرفاً منعه عن صيرورة مجهول المالك ملكاً للإمام وكونه موجباً للتفريق في الحكم عن مورد رواية داود هو أحد أمرين:

إمّا إمكانية التعريف وأمل الحصول على المالك فلا يصبح ملكاً للإمام؛ وذلك حفاظاً على حقّ المالك.

وإمّا حقّ الملتقط باعتباره قد عمل بوظيفة التعريف وتحمّل عبئه، فأصبح مستأهلاً لحقّ التملّك، فلا يصبح ملكاً للإمام؛ حفاظاً على حقّ الملتقط.

والأمر الثاني غير موجود في هذا القسم، والأمر الأوّل غير موجود أيضاً بعد التعريف

41

 

وأمّا القسم الرابع: فقبل التعريف يوجد فيه الأمر الأوّل من الأمرين اللذين أشرنا إليهما، وبعد التعريف يوجد فيه الأمر الثاني، فلا يمكن التعدّي من مورد رواية داود إليه.

وأمّا القسم الخامس: فهو أيضاً خارج عن القدر المتيقّن من مورد رواية

داود، واحتمال الفرق موجود على الأقلّ؛ لإمكانية التعريف وأمل الحصول على المالك، كما أنّه خارج أيضاً عن دليل وجوب التعريف؛ فإنّه ورد في اللقطة، ونحن نحتمل أنّ الالتقاط هو الذي أثقل عليه المسؤولية وحمّله الفحص.

والظاهر أنّه لابدّ من الرجوع في هذا القسم ـ وهو مجهول المالك الذي يمكن تعريفه وليس لقطة ـ إلى مقتضى القاعدة من وجوب إيصال المال إلى وليّ المالك أو مراجعته فيه وهو الفقيه، وعلى الفقيه بعد تقبّله للمال أن يقوم بالدور الذي يقوم به الوليّ تجاه المولّى عليه من مراعاة مصالحه، فعليه أن يفحص عن المالك إلى حصول اليأس، وبعده يلحقه حكم مجهول المالك غير اللقطة الذي لا يمكن التعريف به؛ أي أنّه يلحق حكماً بمورد رواية داود؛ إذ لا يخلو الأمر ثبوتاً من أحد فرضين:

الأوّل: أن يجوز له كشخص أن يتملّكه؛ إلحاقاً له باللقطة.

والثاني: أن لا يجوز له ذلك.

وعلى الثاني لا يبقى احتمال الفرق عرفاً بينه وبين مجهول المالك غير اللقطة الذي لم يكن يمكن تعريفه من أوّل الأمر، فهو ملك للإمام، وبما أنّ دليل جواز تملّك اللقطة لا يشمل هذا الذي ليس لقطة، فالقدر المتيقّن الذي يُخرج هذا الفقيه أو أيّ إنسان استولى على هذا المال عن عهدته هو التعامل معه معاملة ملك الإمام.

ثمّ إنّ أدلّة أحكام اللقطة تقصر أحياناً عن تعيين الوظيفة، فمثلاً لو كانت اللقطة طعاماً لا يقبل البقاء حتّى يمكن الفحص عن مالكه فأدلّة اللقطة قاصرة عن حكم ذلك بعد ضعف سند رواية السكوني (1) ومرسلة الصدوق (2) الماضيتين. ومقتضى القاعدة في مثل ذلك الرجوع الى وليّ المالك واتخاذ الوليّ الموقف الذي يكون في صالح المولّى عليه، كأن يجيز في هذا المال أكل الطعام مع الضمان.

أمّا في الموارد التي لا قصور لروايات اللقطة عن بيان حكمها فالظاهر عدم وجوب مراجعة الفقيه فيها واستئذانه.


(1) المصدر السابق: 372، ب 23 من اللقطة، ح 1.
(2) المصدر السابق: 351، ب. من اللقطة، ح 9.