530

معنى المشارِكيّة (بالكسر) على نحو التقييد، فإذا قال: (ضارب زيد عمراً) دلّ ذلك على ضرب زيد لعمرو المقيّد بكونه مشاركاً لعمرو، وكأنّما قال: شارك زيد عمراً في الضرب، فباب المفاعلة يكون بين الاثنين بنحو يكون أحدهما فاعلاً والآخر مفعولاً به؛ لما عرفت من أنّه يدلّ على نسبة المادّة الى الفاعل مع إشراب معنى المشارِكيّة، فلا تلزم دلالة هيئة واحدة على معنيين، ولا عدم الفرق بين باب المفاعلة والتفاعل، ولا عدم إعطاء المفاعلة معنى يكون بين اثنين.

هذا. ولكنّه لا يمكن المساعدة على هذا الذي يستفاد من كلامهم؛ لاختلاف معنى باب المفاعلة عن معنى (شارك زيد عمراً)، فإنّه في مثل هذا يكون الأصل بحسب المتصوّر الذهني هو المنصوب، والتابع هو المرفوع، مع انّ المستفاد من باب المفاعلة هو العكس، نعم، لو فرض تضمين معنى المشارَكيّة (بالفتح) لا المشارِكيّة (بالكسر) ارتفع هذا الإشكال.

وأمّا القسم الأول من كلامه (قدس سره) فيرد عليه:

أوّلاً: أنّ ما أتى به من الأمثلة وهي أربعة عشر مثالاً، بل جميع ما يكون من قبيل تلك الأمثلة ـ إن وجد غيرها ـ لا يكون بمقدار ينافي ما يدّعى: من أنّ الأصل في باب المفاعلة هو أن يكون بين الاثنين.

وثانياً: أنّ جملة ممّا ذكره من الأمثلة إمّا تكون ممّا لا مجرّد له، أو ممّا يكون له مجرّد بغير معناه كبارز، وساعد، ونادى، ونافق، ووارى، وباشر، وبعضها وإن كان له مجرّد بمعناه، لكنّه موضوع لمعنى لا يناسب أن يكون بين أثنين، كخالَعَ وكآخذ مثلاً بمعنى المعاقبة، فبما أنّها من العالي الى السافل فوقوعها بين الاثنين بعيد عن الاعتبار، ومراد المشهور من وضع المفاعلة لما بين الاثنين: هو المفاعلة المأخوذة من المجرّد الذي يلائم معناه لفرض وقوعه بين الاثنين.

هذا كلّه لو فرضنا أنّ المراد بالأصل في المقام هو الغلبة. وأمّا لو قلنا: إنّ المراد بذلك هو أنّ باب المفاعلة بلحاظ سائر معانيه إنّما كان لشبهها بما بين الاثنين، فالمحور لمعاني باب المفاعلة الذي تكون بقيّة المعاني بلحاظه هو هذا المعنى، فسافر مثلاً لوحظت فيه مشابهته لما بين الاثنين من حيث إنّ ما يقع بين الاثنين كأنّه له نحو امتداد، والسفر ـ أيضاً ـ له نحو امتداد لطوله، فلو فرضنا أنّ المراد هو ذلك، كما هو الأقرب الى الاعتبار لا يأتي عليه الإشكال الذي أورده مهما كثرت أمثلة سائر المعاني غير معنى ما بين الاثنين ما دامت ملحوظة فيها جهة الشبه بذاك المعنى.

531

فإن قلت: لماذا لا يفرض أنّ هيئة المفاعلة موضوعة للجامع بين مطلق انحاء التجاوز والامتداد والطولانيّة في باب المفاعلة حتّى تشمل جميع موارد المشابهة والذي يكون لما بين الاثنين؟

قلت: إنّ فرض الأمر كذلك غير ممكن؛ لإنّه إمّا أن تكون الهيئة موضوعة لعنوان الجامع، أو لمنشأ الانتزاع، والأول مفهوم اسمي وليست الهيئة موضوعاً له، وليس الثاني إلّا نسباً متباينة لا جامع بينها.

ثمّ إنّ هنا وجهاً في تصوير معنى باب المفاعلة أحسن من القول بكون شأن هذا الباب تضمين معنى الشركة، حتّى لو فرض أنّ المعنى المضمَّن هو المشارَكيّة لا المشارِكيّة، وهذا الوجه: هوأن يقال: إنّ صيغة (فاعَل) كضارب مثلاً مشتملة على اُمور ثلاثة:

1 ـ مادّة الضرب مثلاً، وهذه تدلّ على معناها الأصلي وهو الضرب.

2 ـ الشيء الزائد على ذلك بدخوله في باب المفاعلة كألف (فاعَلَ) وهذا يدلّ على تحصيص المعنى المستفاد من تلك المادّة، وفرض الضربين عملية واحدة تبتدىء بحسب عالَم المتصوّر الذهني من زيد مثلاً وتنتهي الى عمرو.

3 ـ هيئة المجرّد المحفوظة لا بحدّها في صيغة (فاعَلَ) المندكّة في تلك الصيغة، وهذه الهيئة تنسب المعنى المستفاد من مجموع المادّة الأصليّة مع تلك الزيادة الى الفاعل. وبهذا التفسير نتحفّظ على دلالة باب (فاعَلَ) على معنى بين الاثنين من دون الوقوع في محذور وحدة الدال وتعدّد المدلول مع التحفّظ على الفرق بين باب التفاعل وباب المفاعلة.

وهذا التصوير أحسن من التصوير السابق، أعني: تضمين معنى الشركة ولو بمعنى المشارَكيّة (بالفتح) لا المشارِكيّة (بالكسر)؛ وذلك لأنّه لا ريب في استشمام معنى المفعوليّة للمنصوب في هذا الباب، أي: كونه مفعولاً لذلك الفعل الذي فرض صدوره في المقام، لا لمجرّد الشركة، وهذا الاستشمام لا يبقى له تفسير في الأفعال التي يتغيّر مفعولها بإدخال صيغة المفاعلة عليها، كما في (طرحت الثوب) و (طارحت زيداً الثوب)، بناءً على التصوير السابق، وأمّا تفسيره بناءً على التصوير الذي ذكرناه ففي غاية الوضوح؛ إذ قد فرضت عملية المطارحة عملية تبتدىء بحسب عالَم المتصوّر الذهني من الفاعل وتنتهي الى زيد.

ثمّ إنّه إذا فرض أنّ الضرار مصدر لباب المفاعلة المزيدة كما فرضناه حتّى

532

الآن، ففيه من حيث المعنى احتمالات:

1 ـ كونه بمعنى ما بين الاثنين.

2 ـ كونه بمعنى يشبه ما بين الاثنين مراعاة لحقّ أصالة المعنى الأوّل في باب المفاعلة، وذلك عبارة عن فرض تأكّد وشدّة في الضرر وذلك يشبه المعنى الأصلي للمفاعلة؛ لكونه ـ أيضاً ـ مشتملاً على نوع من الدوام، والشدّة، والتعمّق في الضرر.

3 ـ كونه ـ أيضاً ـ بمعنى يشبه المعنى الأصلي للمفاعلة وهو تعمّد الضرر وتقصّده، فإنّ هذا ـ أيضاً ـ يعطي معنى تعمّق في الضرر، وعناية خاصّة به، كما هو الحال في المعنى الأصلي للمفاعلة.

وإذا فرض أنّ الضرار مصدر لباب المفاعلة غير المأخوذة من الثلاثي فعندئذ يكون تفسيره بما يشبه معنى ما بين الاثنين، لا بنفس المعنى الذي يكون بين الاثنين أقرب إلى الذهن.

وإذا فرض أنّ الضرار مصدر للثلاثي المجرّد ففيه احتمالات:

1 ـ أن يكون بمعنى الضرر.

2 و 3 ـ أن يكون مأخوذاً فيه نوع من العناية بالضرر إمّا بمعنى الشدّة والتأكّد، أو بمعنى التعمّد والتقصّد، ولذا غيّرت صيغة المصدر من الوزن الأوّل وهو الضرر الى وزن فعال أي ضرار.

وعليه فقد أصبحت المعاني المحتملة في الضرار أربعة:

1 ـ كونه بمعنى الضرر، وهذا في نفسه بعيد حتّى إذا فرض مصدراً للثلاثي المجرّد، فإنّ العرف يفهم من تغيير المصدر من صيغة الضرر إلى صيغة ثانية له على وزن ضرار إرادة نوع عناية بالضرر وتعمّق فيه بمعنى التأكّد أو التقصّد، وعلاوة على ذلك لا يناسب هذا المعنى حديث (لا ضرر ولا ضرار)؛ لأنّه يلزم من ذلك: أن يكون تكراراً وعطفاً للمرادف على المرادف بهذه الصيغة، أي: صيغة تكرار (لا) النافية، من قبيل أن يقال: ما رأيت إنساناً ولا بشراً، وركاكة ذلك بحسب النظر العرفي واضحة.

2 ـ كونه بمعنى ما بين الاثنين، وهذا المعنى معلوم العدم في بعض الروايات، وهي الرواية التي طبّقت عنوان المضارّ على سمرة مع أنّه لم يكن الضرر من الطرفين، إلّا أن يفرض أنّه إنّما استعمل هنا فعل ما بين الاثنين بلحاظ أنّه من أحد الطرفين كان الضرر ثابتاً واقعاً، وهو جانب سمرة، ومن الطرف الآخر وهو الأنصاري كان الضرر ثابتاً على قول سمرة الذي يرى نفسه محقّاً، وفيه من البعد ما لا يخفى، فإنّ النبي (صلى الله عليه وآله)

533

يطبّق عنوان المضارّ حسب نظره هو، لا ملفّقاً من نظره ونظر سمرة.

وعلى أيّ حال فهذه الرواية ضعيفة السند على أنّه يبقى الكلام بلحاظ باقي الروايات.

والصحيح في دفع هذا الاحتمال: هو أن يقال: إنّ هذا ـ أيضاً ـ يلزم منه التكرار بتلك الصيغة، فإنّ كلا الضررين فيما يكون بين الاثنين منفيّ بقوله: (لا ضرر) كما لا يخفى، وهذا التكرار بهذا النحو فيه ما لا يخفى من ركاكة التعبير.

3 ـ كونه بمعنى الضرر الشديد المؤكّد، وهذا ـ أيضاً ـ يلزم منه التكرار بذاك النحو، فإنّ الضرر الشديد منفيّ بقوله: (لا ضرر).

4 ـ كونه بمعنى تقصّد الضرر، وهذا هو المتعيّن في المقام، ولسنا نقصد بذلك إثبات كون الضرار في المقام بهذا المعنى بما عرفته من السبر والتقسيم بعد الشكّ في كون هذا أحد المعاني العرفيّة للضرار وعدمه حتّى يقال: إنّ هذا إثبات للمعنى اللغوي بالاستحسانات، بل نحن لا نشكّ في كون هذا معنى عرفياً لكلمة (الضرار) فنعيّنه في المقام بالاستظهار العرفي باعتبار لزوم التكرار الركيك على الاحتمالات السابقة، وعدم لزومه على هذا الاحتمال.

وبيان عدم لزوم التكرار على هذا الاحتمال: هو أنّ حديث (لا ضرر) ـ على ما سوف يأتي إن شاء اللّه ـ ينفي الحكم الضرري، ويبقى ـ عندئذ ـ حكم ليس ضرريّاً بنفسه، لكنّه يُتَقَصّد ويُتعمّد به الضرر مثاله: أنّ الحكم بكون الناس مسلّطين على أموالهم بنفسه ليس ضرريّاً، لكنّه قد يستغلّه أحد الشريكين فيُعمِل هذا الحقّ الذي ليس بنفسه ضرريّاً بنحو يوجب الضرر على الشريك الآخر، وذلك من قبيل أن لا يأذن لشريكه أن ينتفع بهذه العين بوجه من الوجوه من بيعها وتقسيم ثمنها، أو إجارتها وتقسيم اُجرتها، أو الانتفاع بها بأي نحو من الأنحاء(1)، فمثل هذا منفي


(1) لا يخفى أنّ هذا المثال يناسب ـ أيضاً ـ أن يكون مثالاً لضرريّة الحكم؛ لأنّ حصّة من السلطنة وهي السلطنة على هذا النحو من منع الشريك عن التصرّف أصبحت ضرريّة. ولكنّ الظاهر أنّ مقصود اُستاذنا الشهيد(رحمه الله) ليس هو هذا المعنى، بل مقصوده: أنّه لو لم يكفِ في مقام منع هذا الشريك عن هذا التصرّف نفي هذه الحصّة من السلطنة بأن كان عاصياً متعمّداً لالتزام هذا النحو من التصرّف متذرّعاً بالشركة، ولم يمكن ردعه خارجاً عن ذلك، إلّا بقطع الشركة، وتقسيم المال رغماً عليه، فهنا تصل النوبة الى التمسّك بـ( لا ضرار)؛ لإثبات جواز إجباره على التقسيم، وقطع الشركة رغم أنّ أصل الشركة ليس ضرريّاً في المقام.

534

بقوله: (لا ضرار)، ولا يلزم من ذلك تكرار.

والخلاصة: أنّ الضرار على ما يفهم عرفاً معناه هو الضرر مع أخذ شيء من التأكّد والتعمّق فيه، وهذا التأكّد والتعمّق قد يكون بلحاظ الجانب الخارجي للضرر، وهو عبارة عن شدّة الضرر، أو طوله ونحو ذلك، وقد يكون بلحاظ الجانب النفسي من الضرر، وهو عبارة عن تعمّده، وتصيّده، والتفنّن فيه، ونحو ذلك من التعابير. والمتعيّن في المقام هو الثاني؛ لما عرفت من أنّ الأوّل يلزم منه التكرار الركيك في المقام.

ويؤيّد ذلك نفي الفقهاء بالقاعدة جملة من الأحكام التي ليست ضرريّة في نفسها حتّى تكفي في نفيها كلمة (لا ضرر)، وإنّما تستغلّ للإضرار ويتعمّد بها الضرر، وذلك من قبيل نفي كون الطلاق بيد الزوج حينما يستغلّ الزوج ذلك في الإضرار، ونفي سلطنة الشريك حينما يستغلّها في ذلك.

وقد يقال في المقام: إنّ الضرار له معنى مباين لمعنى الضرر، فإنّ الضرر عبارة عن النقص، والضرار ليس نقصاً، وإنّما هو شدّة وضيق من دون نقص، ويستشهد لذلك باستعمال الضرار في كلّ مورد استعمل فيه من الآيات القرآنية في الضيق والشدّة من دون نقص، كقوله تعالى: ﴿والذين اتّخذوا مسجداً ضراراً وكفراً وتفريقاً بين المؤمنين(1)، وقوله تعالى: ﴿ولا تمسكوهنّ ضراراً لتعتدوا(2).

أقول: بل إنّ الضرار في أمثال هذه الموارد ـ أيضاً ـ يوجب النقص، كما مضى منّا في مثال منع شخص من الخروج من البلد، أو الاشتراك في الشركات، فإنّه نقص في حقّ استقرار الشخص وراحته وحريّته وسكون باله ونحو ذلك ممّا يعدّ حقّاً عقلائيّاً أو قانونيّاً، على أنّ الضرر ـ أيضاً ـ استعمل في بعض الآيات فيما نظنّ أنّه لم يلحظ فيه نقص من غير ناحية الضيق والشدّة، كما في قوله تعالى: ﴿ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر إنّهم لن يضرّوا اللّه شيئاً يريد اللّه أن لا يجعل لهم حظّاً في الآخرة ولهم عذاب عظيم * إنّ الذين اشتروا الكفر بالإيمان لن يضرّوا اللّه شيئاً ولهم عذاب أليم(3).


(1) س 9 التوبة، الآية 107.

(2) س 2 البقرة، الآية 231.

(3) س 3 آل عمران، الآية 176 ـ 177.

535

فإنّ الظاهر أنّ الذي كان يتصوّر من الضرر في حقّه تعالى هو تأثّره وتأذّيه من قبيل تأثّر المؤمن حينما يرى المعاصي، لا نقصان ماله مثلاً، وقوله تعالى: ﴿لن يضرّوكم إلّا أذى(1) وقد فسّر الأذى بالمشاغبة.

نعم، تعيّن حمل هذه الآيات على إرادة الضرر لا الضرار مبنيّ على دعوى: أنّ الضرار مصدر للمفاعلة لا للثلاثي، وقد استعمل الضرار في بعض الآيات فى مورد النقص، كما في قوله تعالى: ﴿مِن بَعْد وصيّة يوصى بها أو دين غيرَ مضارّ(2) بناءً على أنّ (الضرار) مصدر لفاعَلَ دون الضرر ـ وعلى العكس من ذلك مصدر فَعَلَ ـ وقد فسّرت الكلمة هنا بأن يدّعي دَيْناً على نفسه لشخص كذباً فيضّر بذلك الورثة لورود النقص على مالهم.

وعلى أيّ حال، فالمتفاهم عرفاً من الضرار هو ما ذكرناه من الضرر مع لحاظ شيء من التأكّد والعناية في الجانب الخارجي منه، أو في الجانب النفسي منه، والمتعيّن في المقام هو الثاني كما مضى.

 


(1) س 3 آل عمران، الآية 111.

(2) س 4 النساء، الآية 12.

536

 

 

 

مفاد هيئة جملة (لا ضرر)

 

المقام الرابع: في مفاد الهيئة التركيبيّة لجملة لا ضرر.

إنّ استعراض الوجوه في مفاد (لا ضرر) يكون على مستويين:

الأوّل: استعراض الاتّجاهات الفقهيّة في الحكم الشرعي المستفاد من ذلك.

والثاني: استعراض المحتملات اللغويّة لجملة (لا ضرر) وقد تكون عدّة من تلك المحتملات تفيد اتجاهاً واحداً من الاتّجاهات الفقهيّة المذكورة في المستوى الأوّل، وعدّة اُخرى منها تفيد اتّجاهاً آخر وهكذا، ونحن نستعرض أوّلاً تلك الاتّجاهات، وهذا هو المستوى الأوّل، ثمّ ندخل في المستوى الثاني، ونعيّن أنّ أيّ عدّة من المحتملات اللغويّة تفيد أيّ واحدة من تلك الاتّجاهات، ثمّ ننظر الى مجموع تلك المحتملات لنختار ما هو الصحيح منها، ونعيّن ما ينتجه ذاك الاحتمال من اتّجاه فقهي فنقول:

أمّا على المستوى الأوّل: فالاتّجاهات الفقهيّة الرئيسيّة في (لا ضرر) ثلاثة:

الأوّل: أنّ مفاده نفي الحكم الضرري، ولهذا الاتجاه جناحان:

1 ـ ما يظهر من الشيخ الأعظم (قدس سره)، واختاره المحقّق النائيني(رحمه الله)ومدرسته: من أنّه ينفي الحكم الذي ينشأ منه الضرر، وهذا يعمّ فرض كون الضرر ناشئاً من نفس الحكم، كما في الحكم بصحّة البيع الغبني ولزومه مثلاً، وسيأتي ـ إن شاء اللّه ـ هذا المثال مع مناقشته والبحث فيه، أو من الجري على طبقه والعمل به، كما في وجوب الوضوء حينما يكون الوضوء ضرريّاً، من دون فرق ـ أيضاً ـ بين أن يكون الضرر ناشئاً من نفس متعلّق الحكم بالذات، كما في هذا المثال، أو ناشئاً من مقدّمات له.

2 ـ ما ذهب إليه المحقّق الخراساني (رحمه الله): من أنّه رفع حكم الموضوع الضرري، فلا يشمل مثلاً: ما إذا لم يكن الموضوع الذي تعلّق به الحكم ضرريّا، بل كانت مقدّماته ضرريّة.

الثاني: أنّ مفاده تحريم الضرر، وهذا ما ذهب إليه جملة من الأصحاب كالنراقي(رحمه الله) ـ على ما أظنّ ـ من القدماء، وشيخ الشريعة الاصفهاني(قدس سره) من المتأخّرين.

537

وهذا ـ أيضاً ـ له جناحان:

1 ـ خصوص التحريم التكليفي.

2 ـ ما يعمّ التحريم التكليفي والوضعي بمعنى البطلان.

الثالث: أنّ مفاده نفي الضرر غير المتدارك، وهذا ما ذهب إليه الفاضل التوني(رحمه الله)، وبعض المحقّقين المتأخّرين عنه. وهذا ـ أيضاً ـ له جناحان:

1 ـ نفي الضرر غير المتدارك بمعنى جعل التدارك، فمن أضرّ بأحد كما لو أتلف ماله وجب عليه تداركه.

2 ـ نفي الضرر غير المتدارك سواء أكان ذلك بنفي الحكم الضرري، أم بتدارك الضرر الواقع، فإذا كان الضرر مربوطاً بالحكم رفع ذلك الحكم الضرري، وإذا كان مربوطاً بعمل شخص خارجاً بغض النظر عن الحكم، كما إذا أتلف شخص مال غيره حكم بالتدارك.

وأمّا على المستوى الثاني: فلنذكر مقدّمة:

إنّه من الواضح أنّ المقصود من (لا ضرر) ليس ما هو الظاهر من مثل هذا التركيب في غير هذه الجملة من الجمل المتعارفة غير المربوطة بباب التشريع، كما في (لا رجل في الدار) فإنّه يستفاد من ذلك عدم وجود الرجل خارجاً، ولا يستفاد هذا من (لا ضرر) بنكتة وجود الضرر خارجاً بالبداهة، وكونه صادراً من المشرّع بما هو مشرّع وبصدد التشريع. ولعلّ هذا هو مقصود الشيخ الأعظم(قدس سره) من قوله: «بعد تعذّر إرادة الحقيقة»(1) .

وبعد هذا نقول: إنّ الوجوه التي تنتج الاتّجاه الفقهي الثاني أربعة، ونقطة الانقسام فيها تبدأ من حرف (لا):

الأوّل: أن يفرض أنّ (لا) استعمل هنا مجازاً في النهي، فهذا إنشاء صرف يستفاد منه حرمة الضرر.

الثاني: أن يفرض أنّ (لا) استعمل في الإخبار عن النفي، والمراد الجدّي ـ أيضاً ـ هو الإخبار عن النفي، ويفرض أنّ خبر (لا) المحذوف هو كلمة (مستساغ) مثلاً، لا كلمة (موجود)، أو يُفرض أنّ خبرَه هو (موجود)، لكنّ المقصود به ليس هو الوجود في الخارج، بل الوجود في الإسلام بناءً على ما سوف يأتي ـ إن شاء اللّه ـ من


(1) راجع الرسائل: ص 314 بحسب الطبعة المشتملة على تعليقة رحمة الله.

538

أنّ ما يكون مستساغاً (1) في شريعة، أو قانون يفرض له نحو وجود في تلك الشريعة، أو ذلك القانون فيقال مثلاً: الرهبانيّة موجودة في المسيحيّة وغير موجودة في الإسلام، والبيع موجود في الإسلام، لكنّ الربّا غير موجود فيه، فيقصد بالوجود هنا هذا المعنى من الوجود، وعلى هذا فالجملة تكون إخباراً صرفاً عن نفي الضرر، وتفيد حرمته.

الثالث: أن يفرض أنّ (لا) استعمل في الإخبار عن نفي الضرر لكنّ المراد الجدّي منه هو النهي عنه، من قبيل استعمال الجملة الخبريّة في الخبر وإرادة الأمر منه جدّاً في مثل: يصلّي ويسجد ونحو ذلك، فتدلّ الجملة ـ عندئذ ـ على النهي عن الضرر كالأوّل، لكنّها تدلّ عليه بالكناية، وفي الأوّل كان النهي هو المدلول الصريح للكلام.

الرابع: أن يفرض أنّ (لا) استعمل في إنشاء النفي، والمراد الجدّي هو إنشاء النهي، من قبيل أنّ الشخص ينشىء لشخص آخر جواز التصرّف في كتاب له مثلاً، فيقول: «تصرّف في هذا الكتاب»، ويكون المراد الجدّي له هو إنشاء الملكيّة، ففيما نحن فيه ـ أيضاً ـ يقصد إنشاء النهي، لكنّه يستعمل الكلام في إنشاء النفي.

توضيح ذلك: أنّه حيث إنّ سبب الضرر وهو إجازة الشارع يكون تحت السلطان التشريعي للمولى، فكأنّه يفرض أنّ المسبّب وهو الضرر يكون تحت سلطانه التشريعي، فيُفنيه تشريعاً، وهذا معنى إنشاء النفي.

وأمّا الوجوه التي تنتج الاتّجاه الفقهي الأوّل، وهو نفي الحكم الضرري فثلاثة:

الأوّل: أنّ الضرر المنفيّ اُريد به الحكم الضرري، كما يظهر من الشيخ الأعظم(قدس سره)، وذهب إليه المحقّق النائيني(رحمه الله) ومدرسته.

الثاني: أنّه اُريد بالضرر المنفيّ الحالة الضرريّة التي تطرأ على المكلّف من ناحية الحكم الشرعي، فيُنفى ـ لا محالة ـ ذلك الحكم الضرري.

الثالث: أنّه اُريد بالضرر الموضوع الضرري على حدّ نفي الحكم بلسان نفي الموضوع، وهو ما ذهب إليه المحقّق الخراساني(رحمه الله) .

أمّا الوجه الأوّل: فتصويره يكون بأحد وجوه ثلاثة:

1 ـ أن يكون على حدّ المجاز في الحذف، فـ(لا ضرر) معناه لا حكم ينشأ منه


(1) المقصود بالاستساغة هنا الإباحة بالمعنى الأعمّ الشامل لفرض الوجوب أيضاً.

539

الضرر، نظير ما يقال في: واسأل القرية، أي: واسأل أهل القرية مثلاً.

2 ـ أن يكون على حدّ المجاز في الكملة، فاستعمل اسم المُسبّب وهو الضرر مجازاً في سببه، وهو الحكم الذي ينشأ منه.

3 ـ ما ذكره المحقّق النائيني(قدس سره): من أنّه اطلق لفظ (الضرر) على الحكم الذي ينشأ منه الضرر، لا مجازاً بل حقيقة(1)، وذلك تطبيقاً لقاعدته التي نقّحها هو(قدس سره): من أنّ السبب يكون مصداقاً لمسبّبه التوليدي عرفاً، وإن افترقا فلسفيّاً، فالإلقاء في النار مثلاً بنفسه إحراق، وإن كان الإحراق فلسفيّاً هو عين الاحتراق، فإنّ الاحتراق إذا نسب الى الفاعل سمّي إحراقاً، وهو غير الإلقاء في النار فلسفيّاً. فطبّق (قدس سره) هذه القاعدة على ما نحن فيه، وذكر: أنّ الضرر يصدق على نفس الحكم باعتباره مسبّباً توليديّاً له.

واعترض عليه بعض: بأنّ مثل الضرر الناشىء من التوضّوء عند وجوب الوضوء ليس مسبّباً توليديّاً للوجوب، وإنّما الوجوب مقدّمة من المقدّمات الإعداديّة له.

ولكنّ الظاهر أنّ مقصود المحقّق النائيني(قدس سره) ليس هو إلحاق المقام بالمسبّبات التوليديّة فلسفيّاً وبالدّقة العقليّة، بل مقصوده إلحاقه بها عرفاً باعتبار أنّ الكلام في الاستظهار العرفي، وبما أنّه كان الحكم الضرري بالنسبة للعبد المنقاد كالعلّة التامّة لتحقّق الضرر يسند العرف الضرر الى الحكم ويعنونه به، ولذا يقال عرفاً مثلاً: إنّ جعل الحكومة للقانون الكذائي إضرار بالرعيّة من دون أيّ مسامحة في هذا التعبير.

وأمّا الوجه الثاني: فلا يشتمل على أيّ مجازيّة، فإنّ المفروض أنّه اُطلق فيه الضرر على نفس الحالة الضرريّة الواردة على المكلّف، إلّا أنّه لابدّ من ارتكاب التقييد في المقام؛ إذ ليس كلّ ضرر منفيّاً في الخارج، وإنّما المنفي هو الضرر الناشىء من الحكم، إذن فيلتزم بالتقييد فيما نحن فيه بأحد وجهين:

1 ـ التقييد من ناحية الأسباب، أي: لا ضرر مسبّباً عن الحكم، فينفى ـ لا محالة ـ السبب وهو الحكم.

2 ـ التقييد من ناحية الظروف، أي: لا ضرر في ظرف تطبيق السلطة التشريعيّة للمولى، فالضرر منفيّ في الخارج، لكن لا في كلّ أرجاء الخارج، بل أنّ العالَم


(1) راجع منية الطالب للشيخ النجفي، ج 2، ص 207 ـ 208.

540

الخارجي بالمقدار الذي يكون تحت تطبيق السلطة التشريعيّة للمولى لا ضرر فيه، فالآفة السماويّة الواقعة على شخص مثلاً وإن كانت ضرراً، لكنّها غير مرتبطة بعالَم نفوذ السلطنة التشريعيّة للمولى، وإنّما هي مرتبطة بعالَم نفوذ سلطنته التكوينيّة. وهذا التقييد ـ أيضاً ـ يشبه التقييد الأوّل، ويفيد نفي الحكم الذي ينشأ منه الضرر.

وأمّا الوجه الثالث: فهو ما ذكره المحقّق الخراساني(رحمه الله): من نفي الحكم بلسان نفي الموضوع من قبيل (لا ربا بين الوالد وولده)، و (يا أشباه الرجال ولا رجال).

ولتوضيح مقصوده(قدس سره)، والمحتملات الموجودة في كلامه لا بدّ من ذكر أنحاء نفي الحكم بلسان نفي الموضوع، فإنّ ذلك يتصوّر على أنحاء عديدة، فهو يقسّم في بادىء الأمر الى قسمين:

القسم الأول: ما نسمّيه بالحكومة ـ وهو ما لا تسمح نكتته بنفي أصل الحكم، بل لابدّ من أن يكون المنفي إطلاق الحكم لا أصله ـ وذلك أن يفرض الحكم لازماً ذاتيّاً للموضوع لا ينفكّ عنه، وحيث إنّ اللازم إنّما ينتفي إذا انتفى الملزوم فحينما لا يكون الحكم ثابتاً فكأنّ الموضوع غير ثابت، فيعبّر بنفي الملزوم، لتفهيم نفي اللازم من قبيل قوله: «يا اشباه الرجال ولا رجال» حيث فرض الوفاء، والبطولة، والثبات من اللوازم التي لا تنفكّ عن الرجولة، فنفى الرجولة بانتفاء هذه الصفات.

وهذا القسم من نفي الحكم بلسان نفي الموضوع، كما يمكن أن يكون على نحو النفي التركيبي، كذلك يمكن أن يكون على نحو النفي البسيط، فما ذكره المحقّق النائيني(رحمه الله): من أنّ الحكومة لا تكون إلّا بنحو النفي التركيبي، وهو نفي عنوان الموضوع عن الفرد غير صحيح، فإنّه كما يمكن ذلك كما هو صريح قوله: «شكّك ليس بشيء» وظاهر قوله: «لا ربا بين الوالد وولده»، كذا يمكن نفي وجود الموضوع بأن يقصد أنّ الربا بين الوالد والولد غير موجود، فينتفي بذلك الحكم، وهذا هو النفي البسيط، وذلك من قبيل قولك: «التائب عن الذنب لا ذنب له»، فهذا ينفي وجود الذنب، وهو الكذب الذي صدر منه مثلاً بالرغم من ثبوته واقعاً بداعي نفي أثره، وهو العقاب مثلاً، ويكون النفي نفياً بسيطاً.

وعلى أيّ حال فهذا القسم من نفي الحكم بلسان نفي الموضوع يختصّ بنفي إطلاق الحكم، ولا يمكن نفي أصل الحكم به، فإنّ المفروض أنّ نكتة ذلك فرض كون الحكم أثراً لا ينفكّ عن الموضوع، وهذا لا ينسجم مع نفي أصل الحكم؛ إذ بذلك يخرج عن كونه أثراً ولازماً له.

541

القسم الثاني: ما يمكن نفي أصل الحكم به، كما في «لا رهبانيّة في الإسلام ولا غش» ونحو ذلك . وهذا يكون بأحد وجوه ثلاثة:

الأوّل: أنّ موضوع الحكم موجود في عالم التشريع بوجود نفس الحكم، فإنّ الحكم له موضوع لا محالة، كما أنّ له محمولاً، فإذا وجد في عالم التشريع فقد وجد بموضوعه ومحموله، فلموضوع الحكم وجود من سنخ وجود الحكم، وبنفيه ينتفي الحكم لا محالة، فيمكن نفي الحكم بلسان نفي الموضوع بهذا النحو، بشرط أن يكون ثبوت الحكم لذلك الموضوع مترقّباً ومأنوساً في ذهن العقلاء؛ لكونه ثابتاً في الشرايع السابقة، أو لكونه ثابتاً عند العقلاء مثلاً حتّى يكون بيان نفي ذلك الحكم بنفي هذا الموضوع عرفيّاً، فالرهبانيّة مثلاً كانت موجودة في المسيحيّة ونفيت في الإسلام. وهذا الوجه هو الذي ذكره المحقّق الاصفهاني(قدس سره)في المقام.

ولكنّ الصحيح: أنّ هذا ليس وجهاً عرفيّاً، ولذا ترى أنّه لا يتمّ في نفي الحكم التحريمي، فلا يقال مثلاً: «لا طلاق في الإسلام» بمعنى نفي حرمته، كما يقال: « لا رهبانيّة في الإسلام» بمعنى نفي استساغته، مع أنّه كما كانت الرهبانيّة مستساغة في المسيحيّة، كذلك كان الطلاق حراماً في المسيحيّة، فلئن صحّ نفي الحكم بلسان نفي الموضوع بهذه النكتة فهي نكتة مشتركة بين فرض كون الحكم استساغيّاً وكونه تحريميّاً، فإنّ الموضوع في الحكم التحريمي ـ أيضاً ـ له وجود في عالم التشريع من سنخ وجود حكمه، فلماذا لا يصحّ ذلك في الحكم التحريمي؟! نعم هذا الوجه قد يتمّ في بعض الموارد بعنايات فائقة من تصريح، أو غير ذلك.

الثاني: أن ينفى الحكم بنفي الوجود الاستساغي للموضوع.

توضيح ذلك: أنّ كلّ شيء يكون محكوماً بحكم استساغي في شريعة يكون له وجود استساغي في تلك الشريعة، وبهذا الاعتبار يقال مثلاً: إنّ شرب الخمر غير موجود في الإسلام، وهذا النحو من الوجود ليس هو ما مضى من وجود الموضوع بوجود حكمه، فإنّه بذلك المعنى يكون شرب الخمر ـ أيضاً ـ موجوداً في الإسلام، فإنّ نسبة الحرمة إليه كنسبة الحكم الاستساغي الى ما يستساغ، وإنّما هذا النحو من الوجود يكون باعتبار أنّ ما يستساغ في شريعة يوجد خارجاً في العالَم الذي طبّقت عليه تلك الشريعة، فكأنّه فرض بهذه المناسبة أنّ له نحو وجود في تلك الشريعة، فإذا نُفي هذا الوجود له في الشريعة نُفي بذلك الحكم الاستساغي فيها وبهذا يظهر السرّ في صحّة قولنا: «لا رهبانيّة في الإسلام» بداعي نفي استساغته، وعدم صحّة

542

قولنا: «لا طلاق في الإسلام» بداعي نفي حرمته؛ لأنّ الشيء المحرّم في شريعة لا يوجود في عالم تطبيق تلك الشريعة خارجاً حتّى يفرض بهذه المناسبة له نحو وجود في الشريعة؛ حتّى يصحّ نفي الحرمة بلسان نفيه في الشريعة.

هذا. ومقتضى إطلاق نفي الوجود الاستساغي بهذا النحو نفي تمام مراتب الاستساغة حتّى الإباحة، ولكن يمكن إرادة نفي بعض المراتب، كأن يقال: «لا تَحَمُّلَ للضرر عن الغير في الإسلام» أي: لا يجب ذلك في الإسلام، فإنّ الاستساغة قد تكون بمرتبة الوجوب، وقد تكون بمرتبة الاستحباب، وقد تكون بمرتبة الترخيص مثلاً.

الثالث: أن يُنفى الحكم بنفي الوجود الخارجي للموضوع باعتبار كون الحكم الاستساغي سبباً لوجوده في الخارج، وكونه ينتفي بانتفاء الحكم الاستساغي، فينفى الحكم بنفيه على حدّ نفي السبب بلسان نفي المسبّب.

وهذا فرقه عن سابقه مضموناً: هو أنّ المنفي في السابق هو الوجود الاستساغي، وهنا هو الوجود الخارجي.

وفرقه عنه في الأثر: هو أنّه في القسم السابق يمكن نفي خصوص بعض مراتب الاستساغة بتقييد الإطلاق، وأمّا هذا القسم من النفي فلا يصحّ، إلّا إذا اُريد نفي الترخيص إطلاقاً؛ إذ بانتفاء الوجوب فقط مثلاً لا ينتفي ذلك الشيء خارجاً، وإنّما ينتفي ذلك الشيء بانتفاء استساغته بتمام مراتب الاستساغة.

ثمّ إنّ حديث الرفع لا ينطبق عليه شيء من هذه الأقسام الثلاثة عدا القسم الأوّل، وهو نفي الحكم بلسان نفي وجود الموضوع باعتبار أنّ للموضوع وجوداً من سنخ وجود حكمه، وأمّا في الوجود الاستساغي، أو الوجود الخارجي فلا يناسب مثل عنوان «ما اضطرّوا إليه»، فإنّه ينتج عكس المقصود وقد اُريد من حديث الرفع رفع الحكم بلسان رفع الموضوع باعتبار وجوده في اُفق الحكم بنفس وجود الحكم، وقد قلنا: إنّ هذا القسم من نفي الحكم بلسان نفي الموضوع غير صحيح، إلّا في مورد اُعمِلت فيه عنايات فائقة، وحديث الرفع من هذا القبيل. وقد مضى شرح الكلام فيه في مبحث البراءة.

هذا تمام الكلام في أقسام نفي الحكم بلسان نفي الموضوع.

والآن نتكلّم في الفروض المعقولة منها في المقام.

فنقول: أمّا نفي الحكم بلسان نفي الموضوع بنحو الحكومة، أي: بالنكتة التي تختصّ بنفي إطلاق الحكم فهو غير منطبق على جملة (لا ضرر) لا بنحو النفي

543

البسيط ولا بنحو النفي التركيبي.

ونمهّد لتوضيح ذلك بإلفات النظر الى نكتتين:

الاُولى: أنّ نفي الحكم بلسان نفي الموضوع يكون في المقام كنفي الحكم الضرري ابتداءً فيما مضى من احتياجه الى المجاز في الحذف، أو المجاز في الكلمة، أو تطبيق عنوان المسبّب التوليدي على السبب وفق القاعدة الميرزائيّة؛ وذلك لأنّ الضرر بالعنوان الأوّلي ليس هو ذات الموضوع، وهو الوضوء مثلاً، بل هو الحالة الضرريّة كالاستبراد وتشقّق اليد والمرض مثلاً، فتطبيقه على الموضوع وهو الوضوء ـ أيضاً ـ يكون إمّا من باب المجاز في الحذف، أي: (لا وضوء ينشأ منه الضرر)، أو من باب المجاز في الكلمة باستعمال اسم المسبّب وهو الضرر مجازاً في سببه، وهو الوضوء، أو من باب أنّ الضرر مسبّب توليديّ للوضوء، فطبّق عنوانه على سببه وفق القاعدة الميرزائيّة.

والثانية: أنّه إذا دار الأمر بين هذه الاُمور الثلاثة، أعني: المجاز في الحذف، والمجاز في الكملة، وتطبيق عنوان المسبّب التوليدي على السبب حقيقة، فالثالث هو المتعيّن في المقام، فإنّ القاعدة الميرزائيّة صحيحة، وتؤمّن لنا إبقاء الكلام على معناه الحقيقي. فنحن نمشي على هذا المسلك في المقام.

وبعد الالتفات الى ذلك نقول في المقام: إنّ حمل (لا ضرر) على نفي الحكم بلسان نفي الموضوع بنحو الحكومة، أي: بالنكتة التي تختصّ بنفي إطلاق الحكم غير صحيح، لا بنحو النفي البسيط، ولا بنحو النفي التركيبي.

أمّا النفي البسيط فلأنّه إنّما يتلائم مع خصوص موضوع الحكم الضرري كالعقد الغبني مثلاً، ولا يتلائم مع متعلّقه الضرري كالوضوء الضرري؛ لأنّ الحكم لا ينتفي بانتفاء متعلّقه، وإنّما الحكم هو الذي يستدعي تحقّق المتعلّق خارجاً، والحكم ثابت قبل تحقّق متعلّقه ولو فرض عدم تحقّقه الى الأبد، وإنّما الحكم ينتفي بانتفاء موضوعه.

وأمّا النفي التركيبي بأن يقصد بنفي الضرر نفي كون الوضوء الضرري وضوءاً، فلا يرد عليه ما عرفته من الإشكال، فإنّه إذا انتفى اتّصافه بكونه وضوءاً انتفى وجوبه لا محالة، لكن يرد عليه إشكال آخر، وهو أنّ النفي التركيبي المؤدّي الى نفي الحكم بلسان نفي الموضوع يكون معناه هنا عدم كون الوضوء الضرري وضوءاً، وهذا معناه عدم تسلّط النفي أصلاً على المدلول الاستعمالي لكلمة (الضرر)، فإنّ الضرر

544

استعمل حسب الفرض في معناه الحقيقي وإن اُطلق على الوضوء بدعوى كونه مصداقاً له. نعم، لو فرض أنّ الضرر استعمل مجازاً بمعنى الوضوء مثلاً بمثل المجاز في الكلمة، تمّ تسلّط النفي على المدلول الاستعمالي لكلمة (الضرر)، لكنّنا قلنا: إنّنا نمشي على ما هو الفرض الأحسن المتعيّن: من كون المقام من قبيل جعل المسبّب التوليدي عنواناً ثانياً للسبب، فيتسجّل في المقام عدم ارتباط النفي أصلاً بمعنى الضرر الذي استعمل فيه لفظ الضرر، وهذا ليس بياناً عرفيّاً.

وهذا بخلاف مثل (لا ربا بين الوالد وولده)، فإنّ تفسيره بالنفي التركيبي بمعنى: أنّ الربا بين الوالد والولد ليس رباً، لا يرد عليه هذا الإشكال، فإنّه قد تسلّط النفي على المعنى المستعمل فيه لكلمة (الربا).

نعم، حتّى في مثل هذا المثال نقول: إنّ مقتضى الأصل الأوّلي هو حمل الكلام على النفي البسيط لا النفي التركيبي؛ لأنّه أدخَل أداة النفي ابتداءً على الربا، ولم يذكر شيئاً آخر، ولم ينف ِ عنواناً عن شيء حتّى يكون النفي تركيبيّاً، فحملُ الكلام الذي يكون بلسانه الأوّلي نفياً بسيطاً على النفي التركيبي يكون لنكتة، والنكتة العامة في المقام: هي أنّه مهما كان الكلام بلسانه الأوّلي نفياً بسيطاً، لكن كان هناك ارتكاز لنكتة ما في ذلك الكلام تفهم من الكلام لو حمل على النفي التركيبي، ولا تفهم منه لو حمل على النفي البسيط، إلّا بمعونة نفس ذلك الارتكاز، حُمِل الكلام على النفي التركيبي. ففي قوله مثلاً: «لا ربا بين الوالد وولده» الارتكاز يقتضي أنّ نفي الربويّة والزيادة بالرغم من وجودها تكويناً، كأنّه يكون بلحاظ أنّ كيس الوالد والولد واحد، فكأنّه أخرج الزيادة من أحد جيبيه، وأدخلها في جيبه الآخر، فلا زيادة، وهذه النكتة المرتكزة تفهم من نفس الكلام بغض النظر عن الارتكاز لو حمل النفي على النفي التركيبي، أي: فسّر الكلام هكذا: (ليست الزيادة زيادة بين الوالد وولده) والوجه في فهم ذلك من الكلام هو أنّ عنوان الزيادة اُثبتت في الموضوع ونُفيت في المحمول، والعرف يترقّب من ذلك أن يكون نفيه في المحمول بلحاظ غير لحاظ إثباته في الموضوع، بأن يكون الإثبات والنفي بلحاظين مختلفين، لا أن يكون شيء واحد اُثبت حقيقة، ونُفي نفس ذلك الشيء ادّعاءً، وعليه يُفهم ـ لا محالة ـ من الزيادة في الموضوع في هذا الكلام ذات الزيادة الصوريّة، وفي المحمول كونها زيادة واقعيّة باعتبار تعدّد الكيس. وهذا الكلام ينفي كون الزيادة زيادة واقعيّة لوحدة الكيس، ففهمت نكتة وحدة الكيس من نفس الكلام.

545

وأمّا إذا حمل الكلام على النفي البسيط للزيادة فبغضّ النظر عن الارتكاز لا تفهم من نفس الكلام نكتة وحدة الكيس؛ إذ لعلّه ينفي ذات الزيادة ادّعاءً بغضّ النظر عن وحدة الكيس، ومثل ذلك قوله: «لا سرقة في يوم المجاعة»، فإنّ الارتكاز يقضي بأنّ نكتة نفي السرقة هنا عدم كونها سرقة من دون حقّ؛ لأنّ المجاعة تحدث الحق، وهذه النكتة تفهم من نفس الكلام بغض النظر عن الارتكاز لو حمل على النفي التركيبي؛ إذ ـ عندئذ ـ يكون إثبات السرقة في الموضوع بمعنى أخذ مال الغير، وتكون السرقة المنفيّة في المحمول بمعنى أخذ مال الغير بلا حق؛ لما قلنا: من أنّ العرف يترقّب تعدد اللحاظ حينما يثبت شيء في جانب الموضوع، وفي نفس الوقت يُنفى في جانب المحمول. وأمّا إذا حمل على النفي البسيط فلا سبيل إلى فهم هذه النكتة من نفس الكلام بغضّ النظر عن الارتكاز(1).

وهذا بخلاف قولك: «التائب من الذنب لا ذنب له»، فإنّه لا ارتكاز في المقام لنكتة من هذا القبيل، بل الارتكاز هنا يقتضي العكس؛ لأنّه ليس المقصود الاستهانة بالكذب الذي صدر منه مثلاً كي يقال على نحو النفي التركيبي: ليس هذا الكذب ذنباً، وإنّما المقصود أنّ هذا الشخص كأنّه لم يكذب، فيستفاد من هذا الكلام النفي البسيط. هذه هي النكتة العامّة في المقام.

ولعلّ هنا نكتة خاصّة في خصوص (لا ربا) غير مطّردة، وهي كون الحكم المقصود نفيه أثراً لصفة المعاملة الربويّة، لا لنفس المعاملة وتلك الصفة زائدة على نفس المعاملة حتّى في نظر العرف، فالأنسب نفي كون المعاملة الربويّة ربويّة، لا نفي أصل المعاملة الربويّة، وهذا لا يأتي في مثل: «لا سرقة في يوم المجاعة»؛ لأنّ عنوان السرقة عرفاً ليس شيئاً زائداً وراء أصل العمل المخصوص حتّى يقال: إنّ الأثر كان لذلك العنوان، فالأنسب سلبه عن المعنون، لا سلب أصل المعنون. هذا، وفي الذنب وإن كان الأثر لعنوان كونه ذنباً ومخالفةً لا لأصل العمل، لكن في مقابل ذلك كان هنا ما يقتضي كون النفي بسيطاً، وهو أنّه لا يناسب نفي كون ما صدر منه ذنباً، فإنّه يعطي الاستهانة بالذنب العظيم، وإنّما المناسب نفي صدور ذلك الذنب منه.

وأمّا نفي الحكم بلسان نفي الموضوع بالنحو الذي كان يمكن نفي أصل


(1) كأنّ مقصوده(رحمه الله) إرجاع النفي في المقام الى النفي التركيبي بلحاظ المدلول التصديقي. وأمّا بلحاظ المدلول التصوّري فمن الواضح كونه نفياً بسيطاً.

546

الحكم به، فقد عرفت أنّ له أقساماً ثلاثة، فيجب أن نحسب حساب كلّ واحد منها لنرى أنّه هل يمكن انطباقه على المقام أو لا فنقول:

أمّا القسم الأوّل: وهو نفي الوجود الاعتباري للموضوع (باعتبار وجوده في لوح التشريع بنفس وجود الحكم) فبغضّ النظر عمّا عرفت من عدم صحّة ذلك في نفسه نقول: إنّه إن لم نُعمِل العناية التي ذكرناها من فرض الضرر عنواناً ثانوياً للموضوع الضرري، بل فرضنا أنّه اُريد بالضرر نفس الحالة الضرريّة والنقص، لم يصحّ نفي الوجود الاعتباري للموضوع؛ لما مضى من كونه مشروطاً بكون الحكم المقصود نفيه ممّا يترقّب ثبوته؛ لثبوته في بعض الشرائع، أو عند بعض العقلاء مثلاً، وليس للضرر حكم يترقّب ثبوته له عدا الحرمة، ونفي الحرمة ينتج خلاف المقصود.

وأمّا إن أعملنا تلك العناية فلا بأس بذلك، أعني: نفي الوجود الاعتباري للموضوعات الضرريّة كالعقد الغبني، وللمتعلّقات الضرريّة كالوضوء الضرري، وينتفي بذلك الحكم، فإنّ المتعلّق ـ أيضاً ـ كالموضوع له وجود في افق الحكم بنفس وجود الحكم.

وأمّا القسم الثاني: وهو نفي الوجود الاستساغي، فإن لم نُعمِل عناية جعل الضرر عنواناً ثانوياً للموضوع الضرري، بل فرضنا نفي الوجود الاستساغي لنفس الضرر والنقص رجع ذلك الى الوجه الثاني من الوجوه التي تخرّج الاتّجاه الفقهي الثاني، وهنا نقول: إنّ هذا الوجه يخرّج ـ أيضاً ـ الاتّجاه الفقهي الأوّل؛ لأنّ الوجود الاستساغي للضرر ليس منحصراً بجواز الإضرار في الشريعة من قبيل الزنا مثلاً الذي لا معنى لوجوده الاستساغي، إلّا أن يُفرض جوازه، بل يتصوّر الوجود الاستساغي في الضرر بنحو آخر ـ أيضاً ـ وهو تشريع قانون وحكم يتولّد منه الضرر كإيجاب الوضوء الضرري، فإنّ هذا ـ أيضاً ـ وجود استساغي له، فينفى بالحديث، إلّا أنّ هذا ليس نفياً للحكم بلسان نفي الموضوع؛ لأنّ المفروض عدم إعمال عناية جعل الضرر عنواناً ثانوياً للموضوع.

وأمّا إن أعملنا تلك العناية فهنا يتمّ تخريج الاتّجاه الفقهي الأوّل بنفي الحكم بلسان نفي الموضوع، فهو نفي لوجوب الوضوء الضرري مثلاً بلسان نفي نفس الوضوء الضرري.

وأمّا القسم الثالث: وهو نفي الوجود الخارجي، فأيضاً تارة نفرض عدم إعمال تلك العناية، واُخرى نفرض إعمالها:

547

فإن فرضنا عدم إعمالها فالنفي نفي لذات الضرر والنقص الخارجي، فإن كان النفي كناية عن النهي رجع الى الوجه الثالث من الوجوه المخرِّجة للاتّجاه الفقهي الثاني إن قُصد النفي الإخباري، والى الوجه الرابع منها إن قُصد النفي الإنشائي، وإن لم يكن النفي كناية عن ذلك، بل كان المقصود الجدّي ـ أيضاً ـ هو نفي الضرر الخارجي غاية الأمر أنّه يُقيّد من ناحية الأسباب، أو الظروف بخصوص الضرر الناشىء من الحكم على ما مرّ تفصيله، رجع الى الوجه الثاني من الوجوه الثلاثة لتخريج الاتّجاه الفقهي الأوّل بكلا شقّي ذلك الوجه.

وأمّا إن فرضنا إعمال تلك العناية فهنا يصحّ نفي وجوب الوضوء الضرري بنفي الوجود الخارجي للوضوء الضرري ولو لم ينف تمام مراتب الاستساغة؛ وذلك باعتبار أنّه لا داعي للشخص أن يأتي بالوضوء الضرري ولو فرض جائزاً، فكأنّ زوال وجوبه كاف لتحتّم انتفائه خارجاً، فينفى وجوبه بلسان نفي وجوده الخارجي.

هذا تمام الكلام في وجوه نفي الحكم بلسان نفي الموضوع، وبقي الكلام في فرض التركيب بين بعض الوجوه وبعض.

والتركيب يتصوّر على نحوين:

الأوّل: التركيب بين ما مضى من الوجودات الثلاثة للضرر، أعني: الوجود الاعتباري من سنخ وجود الحكم، والوجود الاستساغي، والوجود الخارجي. فيفرض أنّ المراد نفي أكثر من وجود واحد، كأن يكون المقصود نفي جميع تلك الوجودات، وهذا وإن كان ممكناً ثبوتاً، لكن لا يساعد عليه شيء في مقام الإثبات، فإنّ الطريق الوحيد لإثباته هو دعوى الإطلاق الشامل لجميع أقسام الوجودات، وهذا الإطلاق غير صحيح، فإنّ هذه الوجودات ليست كلّها حقيقيّة، بل الوجود الأوّل والثاني عنائيان، ففرض كلّ واحد منهما إنّما يكون عند إعمال المتكلّم العناية المختصّة به، ولم يعلم أنّ المتكلّم أعمل العنايتين، وفرض للضرر وجودات ثلاثة كي يقتضي الإطلاق إرادة الجامع بين الوجودات، والإطلاق لا يُثبت إعمال العناية.

هذا. ومقتضى الأصل الأوّلي: هو إرادة الوجود الحقيقي وعدم إعمال العناية، وإن ثبت من الخارج بقرينة إعمال العناية فتلك القرينة تدلّ عرفاً على صرف الكلام ابتداءً عن الوجود الحقيقي لا على إرادة الوجود العنائي الى صفّ الوجود الحقيقي، فإنّ القرينة على الوجود العنائي تصبّ عرفاً الكلام ابتداءً على الوجود العنائي، لا على الجامع بين الوجود العنائي والوجود الحقيقي، وإذا صبّت الكلام ابتداءً على

548

نفس الوجود العنائي فلا محالة انصرف عن الوجود الحقيقي نظير انصراف اللفظ المشترك المستعمل في معنى عن المعنى الآخر.

فظهرأنّ التركيب بمعنى الجمع بين الوجودات علاوة على عدم إمكان إثباته بالإطلاق يكون خلاف الظاهر.

الثاني: أن يجمع بين نكتة الحكومة ونكتة إمكان نفي أصل الحكم بلسان نفي الموضوع، ولو مع الاقتصار على قسم واحد من أقسام وجود الضرر وهو الوجود الخارجي، فإنّه مصبّ لكلتا النكتتين، توضيح ذلك: أنّ النكتة الاُولى ـ أعني نكتة الحكومة ـ كانت عبارة عن فرض الحكم لازماً للموضوع، وكان المنظور فيها الوجود الخارجي لا الاعتباري، أو الاستساغي، والنكتة الثانية كان يتصوّر فيها ثلاثة أنحاء، والنحو الثالث فيها كان ناظراً الى الوجود الخارجي أيضاً، وكان عبارة عن فرض عدم المتعلّق لازماً لعدم الحكم، وهذه كانت مختصّة بالمتعلّقات، كما أنّ النكتة الاُولى كانت مختصّة بالموضوعات، فنجمع بين النكتتين فنطبّق قانون (لا ضرر) على البيع الغبني مثلاً بلحاظ النكتة الاُولى، وعلى الوضوء الضرري مثلاً بلحاظ النكتة الثانية.

وهذا ـ أيضاً ـ وإن لم يكن به بأس ثبوتاً، لكنّه غير تام إثباتاً، فإنّ الإطلاق لا يقتضي الجمع بين عنايتين، وإعمال تنزيلين.

بل نقول: إنّ الجمع بين عنايتين خلاف الظاهر على حدّ استعمال اللفظ في معنيين، أي: كما أنّ فرض استعمال اللفظ بحسب المدلول الاستعمالي في معنيين رغم إمكانه ثبوتاً خلاف الظاهر إثباتاً، كذلك نقول بلحاظ اقتناص المدلول الجدّي: إنّه وإن أمكن فرض إعمال عنايتين لينتج مرادين جدّيين، لكنّه خلاف الظاهر إثباتاً، ويشبه استعمال اللفظ في معنيين.

هذا تمام الكلام في بيان أقسام نفي الحكم بلسان نفي الموضوع.

وأمّا ما هو مقصود المحقّق الخراساني(رحمه الله) في المقام، فالذي يقصده من عبارته في الكفاية(1) هو إعمال النكتة الاُولى، أعني: فرض الحكم لازماً للموضوع، والذي لا يرفع إلّا الإطلاق، وذلك بقرينة تشبيهه لما نحن فيه بمثل: (يا أشباه الرجال ولا رجال) و (لا صلاة لجار المسجد إلّا في المسجد) ممّا يكون نفياً للأثر بلسان نفي ذي


(1) راجع الكفاية: ج 2، ص 268 حسب الطبعة المشتملة على تعليقة المشكيني.

549

الأثر. ولكنّ الذي يقصده في تعليقته على الرسائل(1): هو إعمال النكتة الثانية، أعني: ما يمكن نفي أصل الحكم به؛ لأنّه شبّه المقام في التعليق بمثل: (لا سرقة في الإسلام). وأمّا أنّ مقصوده من ذلك أيّ قسم من الأقسام الثلاثة للنكتة الثانية؟ فهو غير معلوم، ونحن ندّعي أنّ مثل: (لا سرقة في الإسلام) و (لا رهبانيّة في الإسلام) نفي للوجود الاستساغي، ولعلّ المحقّق الخراساني(رحمه الله) ينظر الى نفي الوجود الاستساغي كما يناسب ذلك مثاله، ولعلّه ينظر الى نفي الوجود الاعتباري. والذي قلنا: إنّه يشترط فيه كون الحكم مناسباً لذلك الموضوع ومترقّباً له في الارتكاز؛ وذلك لأنّه ذكر في التعليقة: أنّه ينفي الحكم المناسب للموضوع بلسان نفي ذلك الموضوع.

وأيضاً يوجد فرق آخر بين ما في (الكفاية) وما في (التعليقة)، وهو أنّه في (الكفاية) جعل الضرر عنواناً للموضوع الضرري فرفع بذلك الأحكام الضرريّة، وفي (الحاشية) جعل المقصود بالضرر نفس الحالة الضرريّة، فقال: إنّ (لا ضرر) لا ينفي الحكم الضرري وإنّما يدلّ على حرمة الضرر.

وأمّا الوجوه التي تنتج الاتّجاه الفقهي الثالث وهو نفي الضرر غير المتدارك، فوجهان:

الأوّل: مركّب من أمرين:

أحدهما: كون المقصود بالضرر النتيجة المتحصّلة بعد الكسر والانكسار مع التدارك الواقع في المقام، بحيث لو فُرض حصول التدارك التامّ كمن تضرّر ديناراً ثم اُعطي ديناراً بهدف تدارك الضرر، فكأنّه لا ضرر في المقام بعد الكسر والانكسار.

ثانيهما: لحاظ عناية من العنايات التي تصحّح نفي الشيء مع وجوده خارجاً، كأن يفرض أنّ عدمه لازم لوجوب التدارك باعتبار قصر النظر على العباد المطيعين.

هذا. ولا يصحّ أن تفرض (لا) ناهية، وإلّا لكان نهياً عن الضرر غير المتدارك، بأن يكون الضرر حراماً، لا أمراً بالتدارك كما هو المقصود.

الثاني: وهو ـ أيضاً ـ مركّب من أمرين:

أحدهما: كون (لا) هنا ناهية، أو نافية مع لحاظ عناية من العنايات المصحّحة لنفي الشيء مع وجوده خارجاً.

وثانيهما: أن يفرض للضرر وجودان: وجود أصلي وهو أصل تحقّقه بغض


(1) راجع تعليق الآخوند(رحمه الله) على الرسائل: ص 168 بحسب طبعة مكتبة بصيرتي.

550

النظر عن التدارك وعدمه، ووجود آخر مستقرّ، وهو فيما إذا لم يتدارك الضرر، فيقال: إنّ النهي متوجّه الى الوجود المستقرّ للضرر.

ثمّ إنّه كلما أنتج الاتّجاه الفقهي الأوّل وهو نفي الحكم الضرري فهو يستبطن ضمناً الاتّجاه الفقهي الثاني، أعني: عدم جواز الإضرار بناءً على أنّ الجواز حكم وجودي، لا أنّه عبارة عن عدم الحكم، أو أنّ قاعدة (لا ضرر) تنفي عدم الحكم أيضاً كما تنفي الحكم.

نعم، خصوص الوجه الثاني من الوجوه الثلاثة المنتجة للاتّجاه الفقهي الأوّل وهو إرادة نفي الحالة الضررية مع تقييد إطلاق الدليل من ناحية الأسباب، أو الظروف يكون أوضح في استبطانه لتحريم الإضرار حتّى بناءً على أنّ الجواز عبارة عن عدم الحكم؛ وذلك لأنّ مقتضى إطلاق (لا ضرر) نفي تمام الأضرار الخارجيّة، والذي ثبت خروجه عن الإطلاق كان غير هذا، والضرر الناشىء من عدم تحريم سبب الإضرار، أو في الظرف المطبّق عليه نظام الشريعة الخالي من تحريم الإضرار باق تحت الإطلاق(1).

هذا تمام الكلام في الوجوه المحتملة في لا ضرر.

وأمّا بيان ما هو المختار منها في المقام فتفصيله: أنّ جملة (لا ضرر) لو خلّيت ونفسها تكون مشتملة على ظهورات سبعة، كلّ واحد منها ينفي بعض الاحتمالات السابقة، ولو بني على التحفّظ على كلّ الظهورات يلزم نفي تمام تلك الاحتمالات.


(1) الظاهر أنّه لا فرق في وضوح استبطان الاتّجاه الفقهي الأوّل للاتّجاه الفقهي الثاني بين الوجه الثاني من وجوه تخريج الاتّجاه الفقهي الأوّل، وهو إرادة نفي الحالة الضرريّة والوجه الثالث من تلك الوجوه، وهو نفي الحكم بلسان نفي الموضوع، إلّا بناءً على كون المقصود على الثالث نفي الوجود التشريعي للموضوع، فإنّه على هذا الفرض تأتي شبهة أنّ الجواز ليس حكماً شرعيّاً كي يكون لموضوعه وجود تشريعي، بل هو عدم الحكم.

ولكن قد عرفت أن هذا الوجه في ذاته غير عرفي في المقام أصلاً، وإلّا فهلاّ يكون (لا ضرر) نافياً لتحريم الإضرار؛ لأنّ التحريم حكم تشريعي بلا إشكال، فيكون لموضوعه وجود تشريعي؟!، وأمّا لو كان المقصود من نفي الحكم بلسان نفي الموضوع نفي الوجود الخارجي للموضوع، أو نفي وجوده الاستساغي، فمقتضى الإطلاق هو تحريم الأمر الذي يوجب الإضرار أيضاً ولو فرض الجواز أمراً عدميّاً؛ لأنّه لو لم يحرم لوجد خارجاً، ولكان له وجود استساغي، والمتيقّن خروجه من الإطلاق غير هذا.

551

وتلك الظهورات ما يلي:

1 ـ كون (لا) نافية، بل لعلّه لا يصحّ في لغة العرب استعمال (لا) الداخلة على الاسم في النهي مجازاً.

2 ـ عدم تقدير شيء في مصبّ النفي كتقدير (لا حكم ضرري) مثلاً.

3 ـ عدم المجاز في كلمة (الضرر) بأن يراد به ـ مثلاً ـ الحكم الضرري مجازاً.

4 ـ عدم إعمال مؤونة التنزيل بأن يُنزّل ـ مثلاً ـ الحكم منزلة اللازم للموضوع، أو عدم المتعلّق منزلة اللازم لعدم الحكم.

5 ـ كون المنفي الوجود الحقيقي لا الوجود العنائي، بأن يقصد نفي الوجود التشريعي، أو الاستساغي.

6 ـ كون الضرر مأخوذاً على وجه الموضوعيّة لا الطريقيّة، وهذا ما ينفي احتمال المحقّق النائيني(رحمه الله)، وهو جعل الضرر عنواناً للحكم باعتباره مسبّباً توليديّاً عنه. وتوضيح ذلك: أنّ العرف حينما يعمل العناية في جعل المسبّب التوليدي عنواناً للشيء لا يجعل الشيء مصداقاً لذلك العنوان مع إبقاء ذلك العنوان على مفهومه الأوّلي بان يكثّر أفراده، فمثلاً: حينما يطلق العرف الإحراق على الإلقاء في النار لا يفرض أنّ الإحراق الذي هو عبارة عن جعل الورقة بحالة كذائيّة تحقّق له مصداق آخر، وهو سبب هذا الجعل، وهو الإلقاء في النار حتّى يقال: إنّ هذا العنوان له فردان حقيقيان في نظر العرف، ويكون إطلاقه في السبب من سنخ إطلاق المطلق في أحد أفراده بلا حاجة الى سلخ العنوان عن الموضوعيّة وأخذه طريقاً الى مفهوم آخر، فإنّ العرف عند ملاحظته للفرد الأصلي والتفاته إليه لا يرى الفرد الثاني فرداً ثانياً حقيقيّاً، وليس هذا ـ أيضاً ـ مراد المحقّق النائيني(رحمه الله)، وإنّما الذي يصنعه العرف، ويقصده المحقّق النائيني(رحمه الله): هو سلخ هذا العنوان عن معناه الأصلي، وإراءته للمسبّب، وصرفه الى السبب، وهو الإلقاء في النار، فكأنّه لا إحراق إلّا الإلقاء في النار، وهذا وإن كان يصنعه العرف أحياناً، ولكن قد يستعمل ـ أيضاً ـ العنوان في معناه الأصلي. ومهما استعمل العنوان من دون إقامة قرينة في المقام ينصرف ـ لا محالة ـ الى نفس ذلك المسبّب، لا الى السبب الموجد لذلك، وهذا معنى قولنا: إنّ الظاهر كون الضرر مأخوذاً على وجه الموضوعيّة لا الطريقيّة.

على أنّ احتمال المحقّق النائيني(قدس سره) منفيّ بقرينة قطعيّة في المقام وهي عطف (لا ضرار)، فإنّ الضرار على ما اختاره هو (قدس سره)، واخترناه عبارة عن التعمّد والتفنّن في

552

اقتناص الضرر، وهذا ليس عنواناً للحكم قطعاً، ولا مسبّباً توليديّاً عنه جزماً، وإنّما هو على ما بيّناه استغلال من قبل الفاعل بخبثه للحكم الشرعي.

7 ـ الإطلاق المتقضي لكون المنفيّ الضرر من دون أيّ قيد وتخصيص.

فلو تحفّظنا على كلّ هذه الظهورات، للزم نفي كلّ ضرر تكويني بوجوده الخارجي في العالم، مع أنّ هذا بديهي البطلان.

والظهورات الثلاثة الأخيرة وإن كانت أضعف من الظهورات السابقة فتتعيّن هي في مقام السقوط، لكنّ هذا المقدار لا يكفي في تعيين المقصود؛ إذ يتردّد الأمر في السقوط بين هذه الظهورات الثلاثة.

نعم، لو كانت كلمة (في الإسلام) موجودة في العبارة كان الكلام ظاهراً في رفع اليد عن الظهور الخامس، وإرادة نفي الوجود الاستساغي في الشريعة بقرينة (في الإسلام)، لكن لم ترد هذه الكلمة في النصّ الصحيح سنداً من أحاديث (لا ضرر).

والتحقيق في مقام تعيين المقصود من هذا الحديث: هو أن يقال: إنّه يتعيّن رفع اليد عن الظهور السابع، وهو الإطلاق دون سائر الظهورات؛ وذلك لقيام القرينة على التقييد، وهي وجود الأضرار التكوينيّة في الخارج كثيراً، وكون النبي(صلى الله عليه وآله) مشرّعاً ومقنّنا للقوانين، ومتكلّماً بهذا الكلام بما هو مشرّع ومقنّن، فلا يكون نظره الى وجود الأضرار التكوينيّة خارجاً غير المربوطة بنُظمه وقوانينه.

فإن قلت: إنّ هاتين القرينتين نسبتهما الى تمام هذه الظهورات على حدّ واحد فلا معنى لتعيّن الظهور السابع للسقوط، وذلك نظير ما إذا ورد (أحلّ اللّه كلّ بيع وحرّم الربا) وعُلم إجمالاً بتخصيص العموم، أو تقييد الإطلاق في هذا الكلام، كما لو علمنا أنّه إمّا أنّ البيع المعاطاتي غير صحيح، أو أنّ الربا بين الوالد والولد جائز مثلاً، فهذا نسبته الى كلّ من الظهورين على حدّ واحد، ولا وجه لرفع اليد عن خصوص الإطلاق.

قلت: إنّ ما نحن فيه يفترق عن مثل هذا المثال بوجهين:

الوجه الأوّل: هو أنّ هذا المثال يوجد فيه ظهوران: أحدهما منحاز عن الآخر، وهما العموم في (أحلّ اللّه البيع) والإطلاق في (حرّم الربا)، ونسبة القرينة الى صدر الكلام وذيله على حدّ سواء، وأمّا في قوله: (لا ضرر) فما بيّناه من الظهورات السبعة إنّما هي ظهورات تحليليّة مندكّة بعضها في بعض، ولا يفهم العرف سبعة مداليل منحازة، بل يفهم من هذا الكلام مدلولاً محصّلاً واحداً، وهو أنّه لا يوجد في الخارج

553

شيء من الأضرار التكوينيّة على الإطلاق، وهذا المدلول يبقى أصله ويرتفع إطلاقه إن رفعنا اليد عن الظهور السابع بالقرينة، وأمّا إن رفعنا اليد عن الظهور الأوّل مثلاً، وفرضنا كون (لا) ناهية، فأصل المدلول يتغيّر ويصبح مدلولاً محصّلاً آخر، ويرتفع إطلاق المدلول الأوّل بارتفاع موضوعه.

صحيح أنّه مع التصرّف في الظهور الأوّل مثلاً لا حاجة الى التصرّف في الظهور السابع، وهو الإطلاق، بل يبقى الكلام ـ عندئذ ـ على إطلاقه، لكن لم يكن كلّ من الإطلاق، وكون (لا) للنفي، وكذا سائر الظهورات ظهوراً مستقلاًّ يعطي مدلولاً مستقلاًّ واحداً، بل العرف كان يُعمل بارتكازه كل هذه الظهورات، ويملأ كلّ الفراغات، ويحصّل مدلولاً واحداً، وهو نفي الوجود التكويني للضرر على الإطلاق، فالإطلاق في الكلام يكون إطلاقاً لهذا المدلول، فيدور الأمر لأجل القرينة بين رفع اليد عن أصل المدلول وانتفاء إطلاقه بانتفاء الموضوع، وبين رفع اليد عن إطلاقه، وهذا معناه أنّ القرينة تنظر ابتداءً إلى الإطلاق، وتنصبّ على الظهور السابع، فيتعيّن للسقوط؛ ولذا لا إشكال عند العرف، وعند العلماء في أنّه إذا قال المولى: (أكرم العالم) ودلّ دليل خاصّ على عدم وجوب إكرام زيد العالم لزم رفع اليد بذلك عن إطلاق العالم، لا عن ظهور هيئة الأمر في الوجوب، وحمله على الاستحباب، والسرّ في ذلك إنّما هو ما ذكرناه: من أنّ القرينة تنصبّ أوّلاً وبالذات على الإطلاق لا على ظهور الهيئة، فإنّ للكلام مدلولاً محصّلاً عرفيّاً واحداً، وهو وجوب إكرام العالم على الإطلاق، وهذا الكلام إطلاقه غير مقصود بالقرينة المفروضة حتماً، ولا وجه لرفع اليد عن أصل مدلوله، وتحقيق الكلام في ذلك بنحو أبسط موكول الى مبحث التعادل والتراجيح.

الوجه الثاني: أنّ القرينة فيما نحن فيه تكون بمنزلة القرينة المتّصلة؛ لبداهة وجود الأضرار الكثيرة في الخارج، ووضوح كون النبي(صلى الله عليه وآله)متكلّماً بهذا الكلام بما هو مشرّع ومقنّن للقوانين، ومهما كانت القرينة متّصلة ودار الأمر بين رفع اليد عن ظهور إطلاقي لتلك القرينة، أو ظهور آخر وضعي، أو سياقي لا ينعقد الظهور الإطلاقي تكويناً، ويتعيّن الأخذ بالظهور الآخر من دون لزوم المخالفة لظهور من الظهورات أصلاً؛ وذلك لأنّ قوام الإطلاق بعدم البيان والظهور الآخر يصلح بياناً.

إن قلت: إنّ الظهور الآخر ـ أيضاً ـ متقوّم بعدم بيان الخلاف؛ لأنّ القرينة المتصلة تمنع عن انعقاد الظهور، فكون الظهور الآخر مانعاً عن انعقاد الظهور

554

الإطلاقي دون العكس ترجيح بلا مرّجح.

قلت: إنّ الظهور الآخر يكون بوجوده الاقتضائي ثابتاً، أي: أنّ منشأ الظهور موجود، فيصبح فعلياً ما لم يمنع مانع عن فعليّته، والقرينة إنّما تكون مانعة عن الفعليّة مع انحفاظ أصل المقتضي، وأمّا الظهور الإطلاقي فعدم البيان داخل في صميم المقتضي له، إذن فأصل المقتضي للظهور الإطلاقي وهو تماميّة مقدّمات الحكمة موقوف على عدم تأثير مقتضي الظهور الآخر، فيستحيل أن يمنع عن تأثيره. وهذا تفصيله موكول الى مبحث الإطلاق ومقدّمات الحكمة، حيث يبحث هناك عن فرض تعارض العموم والإطلاق في كلام واحد، ويختار أنّه يقدّم الأوّل؛ لكونه وضعيّاً، ولا ينعقد الثاني تكويناً.