1

طرق ثبوت الاجتهاد والأعلمية

بسم الله الرحمن الرحيم

لا ريب في ثبوت الاجتهاد بالعلم الوجداني، كما إذا كان المقلِّد من أهل الخبرة وعلم باجتهاد شخص (1)، وكذلك لاريب في ثبوته بالاطمئنان الملحق عقلائياً بالعلم.

ويثبت الاجتهاد أيضاً بالشياع المفيد للعلم.

وهل يثبت الاجتهاد بالبيّنة، وهي شهادة عدلين من أهل الخبرة ؟

وينبغي البحث أولاً في حجية البيّنة في الموضوعات.

حجية البيّنة في الموضوعات:

لقد وقع الكلام في حجية شهادة العدلين في الموضوعات ـ في غير باب القضاء ـ بناءً على عدم حجية خبر الواحد فيها.

وهناك اُمور يمكن أن يستدلّ أو يستشهد بها على حجية شهادة العدلين في الموضوعات، منها:

أولاً: الإجماع

وقد ناقش السيد الخوئي رحمه الله في الاستدلال به بما تعارف ذكره عادة في مناقشة الإجماعات من أنّه لو ثبت فهو محتمل المدركية، إلا أنّ اُستاذنا الشهيد رحمه الله رأى أنّ قوة الإجماع والوضوح الفقهي وصلت في المقام بلحاظ حساب الاحتمالات إلى حدّ لا مجال للنقاش فيه، فذكر أنّ هذا الإجماع لو فرض استناده إلى رواية مسعدة بن صدقة أوجب بنفسه الوثوق برواية مسعدة بن صدقة، ولو فرض استناده إلى روايات القضاء بالبيّنات أوجب بنفسه الوثوق باستظهار القاعدة الكلّية من تلك الروايات وعدم اختصاص حجية البيّنة بباب القضاء، ولو فرض عدم استناده إلى شيء فهو إجماع تعبّدي كاشف بحساب الاحتمالات عن رأي المعصوم.


1- اُنظر: العروة الوثقى 1: 23، م 20.
2

ثانياً: الروايات

منها: رواية عبدالله بن سليمان عن أبي عبد الله (عليه السلام) في الجبن، قال « كلّ شيء لك حلال حتى يجيئك شاهدان يشهدان أنّ فيه ميتة » (1)، بناء على إلغاء خصوصية المورد بالفهم العرفي، خصوصا بالنظر إلى وجود الجذر العقلائي لحجية البيّنة، وسند الحديث هو مايلي:

الكليني رحمه الله عن أحمد بن محمد الكوفي عن محمد بن أحمد الفهري عن محمد ابن الوليد عن أبان بن عبد الرحمن عن عبد الله بن سليمان عن أبي عبد الله (عليه السلام).

وأحمد بن محمد الكوفي ـ الذي يروي عنه الكليني ـ لم نر دليلاً على وثاقته، كما لم نر أيضاً توثيقاً لأبان بن عبد الرحمن.

أمّا عبد الله بن سليمان فهو مشترك، وقد يقال بانصرافه إلى الصيرفي؛ لأنّه صاحب كتاب، وبانصراف من روى عنه ابن أبي عمير وصفوان بن يحيى أيضاً إلى الصيرفي؛ لنفس النكتة، فإن صح ذلك ثبتت وثاقته.

وعلى أيّ حال فيكفي في سقوط سند الحديث ضعف بعض من في السند.

ومنها: ما ورد في ثبوت الطلاق بالبينة، من قبيل: ما ورد بسند تام عن أحمد بن محمد بن أبي نصر عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) > في المطلّقة إن قامت البيّنة أنّه طلّقها منذ كذا وكذا وكانت عدّتها قد انقضت فقد بانت، والمتوفى عنها زوجها تعتّد حين يبلغها الخبر؛ لأنّها تريد أن تحدّ له » (2)، وروى الكليني رحمه الله صدر الحديث إلى قوله « فقد بانت » (3).

وما ورد بسند تام عن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنّه سئل عن المطلّقة يطلّقها زوجها فلا تعلم إلا بعد سنة. فقال « إن جاء شاهدا عدل فلا تعتدّ، وإلا فلتعتدّ من يوم بلغها » (4).

وما عن الحسن بن زياد ـ أو الحسين بن زياد ـ قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن المطلّقة يطلّقها زوجها ولا تعلم إلا بعد سنة، والمتوفّى عنها زوجها ولا تعلم بموته إلا بعد سنة. قال « إن جاء شاهدان عدلان فلا تعتدّان، وإلا تعتدّان » (5).


(1) الوسائل 5: 118، ب 61، من الأطعمة والأشربة المباحة، ح.. (طبعة آل البيت..
(2) الوسائل 22: 232، ب 28 من العدد، ح 14.
(3) الكافي 6: 111، ح..
(4) المصدر السابق 22: 228، ب 27، من العدد، ح..
(5) الوسائل 22: 231، ب 28، من العدد، ح..
3

ولم تثبت وثاقة الراوي المباشر. وأيضاً ما فيه من كون عدّة الوفاة من يوم الوفاة لا من يوم شهادة البينة خلاف مذهب الشيعة.

ومثل هذا الحديث في المضمون ما ورد بسند تام عن الحلبي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قلت له: إمرأة بلغها نعي زوجها بعد سنة أو نحو ذلك. قال: فقال « إن كانت حبلى فأجلها أن تضع حملها، وإن كانت ليست بحبلى فقد مضت عدّتها إذا قامت لها البيّنة أنّه مات يوم كذا وكذا، وإن لم يكن لها بينّة فلتعتدّ من يوم سمعت » (1).

وما عن أحمد بن محمد بن أبي نصر بسند تام عن الرضا (عليه السلام) قال: سأله صفوان وأنا حاضر: عن رجل طلق امرأته وهو غائب فمضت أشهر فقال « إذا قامت البيّنة أنّه طلّقها منذ كذا وكذا وكانت عدّتها قد انقضت فقد حلّت للأزواج » قال: فالمتوفّى عنها زوجها؟ فقال « هذه ليست مثل تلك، هذه تعتّد من يوم يبلغها الخبر؛ لأن عليها أن تحدّ » (2).

والإستدلال بهذه الروايات أيضاً يكون بعد إلغاء خصوصية المورد عرفاً ولو بمعونة وجود جذر عقلائي لحجية البيّنة.

ومنها: روايات ثبوت الهلال بشهادة عدلين (3)، بعد فرض إسقاط خصوصية المورد عرفاً أيضاً.

ومنها: خبر مسعدة بن صدقة عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سمعته يقول « كلّ شيء هو لك حلال حتى تعلم أنّه حرام بعينه فتدعه من قبل نفسك؛ وذلك مثل الثوب يكون عليك قد اشتريته وهو سرقة، والمملوك عندك لعلّه حرّ قد باع نفسه أو خدع فبيع قهراً، أو امرأة تحتك وهي اُختك أو رضيعتك. والأشياء كلّها على هذا حتى يستبين لك غير ذلك أو تقوم به البيّنة » (4).

وسند الحديث ضعيف بمسعدة بن صدقة الذي لا دليل على وثاقته عدا وروده في كامل الزيارات، ونحن لانقبل بهذا الدليل.


(1) المصدر السابق: ح 10.
(2) الوسائل 22: 227، ب 26، ح..
(3) اُنظر: الوسائل 10: 286 ـ 292، ب 11، من أحكام شهر رمضان.
(4) الوسائل 17: 89، ب 4، مما يكتسب به، ح..
4

تقريب الاستدلال بالرواية:

وأمّا من حيث الدلالة فهنا يكون إلغاء خصوصية المورد عرفاً أوضح من الروايات السابقة؛ وذلك بنكتة تعدّد المورد. وقد حاول السيد الخوئي رحمه الله جعل هذا الحديث عاماً في ذاته وبلا حاجة إلى التعدّي العرفي من المورد؛ وذلك بالتمسك بقوله (عليه السلام) « والأشياء كلّها على هذا » حيث وردت في هذا النص أداة العموم، وهي كلمة الأشياء التي هي جمع محلّى باللام (1)، لا سيما مع التأكيد بكلمة « كلّها » (2). وأورد عليه أستاذنا الشهيد رحمه الله باحتمال اختصاص الخبر بحجية البينة في مقابل الحلّ المشار إليه بكلمة > هذا » (3).

إشكال السيد الخوئي:

وعلى أيّة حال فللسيد الخوئي رحمه الله في كتاب الطهارة وفي كتاب الاجتهاد والتقليد مناقشة دلالية في الاستدلال بهذا الحديث في مقابل من يجعله دليلاً على ضرورة تحصيل شهادة عدلين وعدم كفاية خبر الواحد، وهي أنّه لاوجه لحمل كلمة البيّنة على المصطلح المتشرّعي المتأخّر وهو خبر عدلين، بل هي محمولة على معناها اللغوي، وهو مطلق ما يبيّن، فلعلّ خبر الواحد أيضاً حجة وبيّنة (4).

إلا أنّه رحمه الله جعل ذلك أيضاً في بحث الاجتهاد والتقليد إشكالاً على أصل الاستدلال بهذا الحديث على حجية خبر العدلين، فذكر: أنّ دلالة الحديث على حجية خبر العدلين غير تامة؛ لأنّ. البيّنة. لم تثبت لها حقيقة شرعية أو متشرّعية، وإنما استعملت في الكتاب والأخبار بمعناها اللغوي، وهو ما به البيان والظهور، ومعه لا يمكن أن يستدلّ بهذا الحديث على حجية البيّنة المصطلح عليها (5).

تحليل كلام السيد الخوئي ومناقشته:

أقول: بالإمكان التفكيك بين المقامين بأن يقبل الإشكال في دلالة الحديث على عدم حجية خبر الواحد؛ وذلك لأنّه بعد أن حملت البيّنة على معناها اللغوي فمن المحتمل كون خبر الواحد بيّنة، وأن لا تختص البيّنة بخبر العدلين.


(1) الأصح التعبير في الجمع المحلى باللام بالإطلاق لا بالعموم.
(2) راجع: التنقيح 1: 209.
(3) راجع: بحوث في شرح العروة 2: 82.
(4) راجع: التنقيح 3: 168، وج 1: 211.
(5) راجع: التنقيح 1: 210.
5

ولا يقبل الإشكال على دلالة الحديث على حجية خبر العدلين؛ وذلك لأنّ البيّنة بعد أن كان قوله « حتى يستبين لك غير ذلك » قرينة على أنّه ليس المقصود بها العلم وإلا لدخل في الإستبانة، يكون خبر العدلين هو المتيقّن منها؛ لأنّه بعد إرادة الحجية التعبّدية منها إمّا أن تحمل على خبر الواحد فتثبت حجية خبر العدلين بالأولوية القطعية أو تحمل على حجية خبر العدلين؛ إذ لا يحتمل كون المقصود ـ مثلاً ـ خبر أربعة عدول الثابت في بعض موارد خاصة، ولا التواتر المفيد للعلم لدخوله في الاستبانة، اللهم إلا إذا احتمل اختصاصها بأمر نادر لا يتبادر إلى الذهن، أي بمثل إخبار ذي اليد مثلا بالحرمة أو النجاسة أو نحو ذلك.

وعلى أيّة حال فأصل هذا الإشكال لا يخلو من غرابة، فلو فرض التشكيك في حمل البيّنة على شهادة العدلين في قول النبي صلى الله عليه وآله « إنّما أقضي بينكم بالبينات والأيمان... » (1) لا أظنّ أن يكون مجال للتشكيك في استقرار اصطلاح البيّنة في شهادة العدلين في زمان الإمام الصادق (عليه السلام).

ومنها: روايات حجية البيّنة في القضاء، كقولهصلى الله عليه وآله « إنّما أقضي بينكم بالبينات والأيمان... » (2)، وهذه وإن كانت واردة في باب القضاء، ولكنه نقل عن المحقق الهمداني رحمه الله التعدّي عن مورد الدليل إلى سائر موارد الموضوعات بالأولوية أو المساواة؛ بدعوى أنّ البيّنة لو كانت حجة في مورد القضاء رغم معارضتها للأدلّة التي توافق قول المنكر ـ وقد تكون أمارة كاليد ـ فهي حجة في غير تلك الموارد أيضاً والتي قد لاتعارض إلا أصلاً عملياً مثلاً (3).

وكأنّ المقصود بالأولوية أو المساواة: الأولوية أو المساواة العرفية الخالقة للظهور اللفظي العرفي في إطلاق الحجية.


(1) الوسائل 27: 232، ب. من كيفية الحكم، ح..
(2) المصدر السابق.
(3) راجع: بحوث في شرح العروة 2: 78.
6

مناقشة السيد الخوئي:

وقد أورد على ذلك السيد الخوئي رحمه الله بعدم إمكان التعدّي من باب القضاء إلى سائر الأبواب؛ لأنّ في القضاء خصوصية ضرورة فصل الخصومة، فلعلّه لذلك جعلت البيّنة فيه حجة، وهذا بخلاف سائر الموارد، ولذا ترى أنّ اليمين جعل حجة في باب القضاء في حين أنّه لم يجعل حجة في سائر الموارد (1).

ردّ الشهيد الصدر:

وقد أورد على ذلك أستاذنا الشهيد رحمه الله: بأنّه صحيح أنّه لابّد في باب القضاء من فصل المرافعة ولكن كان بالإمكان فصل المرافعة بالحجية المطابقة لقول المنكر ولو كانت أصلاً، فحينما قدّمت الشريعة بيّنة المدّعي في باب القضاء على حجية المنكر فهذا دليل على أنّ البيّنة أقوى من حجية المنكر، فتأتي عندئذٍ فكرة التعدّي إلى غير باب القضاء بالبيان الماضي.

وأمّا الحكم باليمين فهو في واقعه ليس بمعنى جعل اليمين هو الحجة لإثبات الواقع، بل الحجية هي اليد أو الأصل المطابق لقول المنكر، ولذا يجوز للشخص الثالث الخارج من المرافعة ترتيب الأثر على ذاك الأصل بغضّ النظر عن يمين المنكر، وإنّما اليمين فرض موضوعاً شرعاً لحكم القاضي وفق حجة المنكر بنكتة المرافعة الموجودة في المقام، فادّعاء المدّعي رغم أنّه خلاف حجة المنكر شكّل مانعاً عن حكم القاضي وفق حجة المنكر، وجُعل الرافع لهذا المانع شرعاً هو يمين المنكر. وهذا بخلاف الحال في بيّنة المدّعي؛ فإنّ المدّعي تكون دعواه خلاف الحجة أساساً، فالقضاء وفق دعوى المدّعي بسبب البيّنة يعني جعل البيّنة حجة لإثبات الواقع في باب القضاء، وإنّها حجة أقوى من حجة المنكر، فهنا تأتي فكرة التعّدي إلى غير باب القضاء بالبيان الذي مضى عن المحقّق الهمداني رحمه الله، هذا مضافاً إلى أنّ حجية البيّنة في باب القضاء لاتختص بالمرافعات حتى يقال: إنّه لعلّها كانت لأجل خصم النزاع، بل تشمل موارد القضاء بالحدود أيضاً من قبيل حدّ شرب الخمر الذي لا خصومة فيه (2).


(1) التنقيح 1: 208.
(2) بحوث في شرح العروة 2: 78 ـ 80.
7

نعم، أورد مع ذلك اُستاذنا الشهيد الصدر رحمه الله على البيان المنقول عن المحقّق الهمداني رحمه الله: بأنّ الأولوية والمساواة بالبيان الماضي يمكن منع ثبوتهما؛ وذلك بإبداء احتمال أنّ جعل الحجية للبيّنة في باب القضاء لعلّه كان بنكتة شدّة اهتمام المولى في باب القضاء بالوصول إلى الواقع، وفي غير باب القضاء لعلّه لا توجد للمولى تلك الدرجة من الاهتمام بالوصول إلى الواقع المؤدّي إلى جعل الحجية للبيّنة؛ ولذا لم يجعل البيّنة حجة (1).

تقريب آخر للسيد الخوئي:

هذا، وللسيد الخوئي رحمه الله تقريب آخر للاستدلال بقوله صلى الله عليه وآله « إنّما أقضي بينكم بالبيّنات والأيمان » وهو: أنّ البيّنة هنا ليست بمعنى شهادة عدلين كي يرد احتمال اختصاص حجية شهادة العدلين بباب القضاء، وإنّما هي بمعنى ما يثبت وما يبيّن؛ لأنّ اصطلاح البيّنة بمعنى شهادة عدلين اصطلاح متأخّر، لا يحمل عليه ما في الكتاب والسنّة، وإنّما هي مستعملة في الكتاب والسنّة بمعناها اللغوي، كقوله تعالى: < إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي > (2)، وقوله تعالى: < فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ. بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ > (3).

إذن، فقوله صلى الله عليه وآله « إنّما أقضي بينكم بالبينات والأيمان » يعني القضاء بالدليل، أي: إنّه صلى الله عليه وآله بيّن أنّ قضاءه ليس قضاءاً بالواقع، بل قضاءاً بالحجة وباليمين، وبما أنّه ثبت خارجاً أنّه صلى الله عليه وآله طبّق البيّنة في قضائه على شهادة عدلين، فهذا دليل على أنّ شهادة العدلين في ذاتها حجة، ولا اختصاص لحجيتها بخصوص باب القضاء (4).

مناقشة الشهيد الصدر:


(1) المصدر السابق.
(2) الأنعام: 57.
(3) النحل: 44.
(4) راجع: التنقيح 3: 166. وج 1: 210 ـ 211.
8

وأورد على ذلك اُستاذنا الشهيد رحمه الله:

أولاً: بأنّ هذا المقدار من البيان لايثبت إطلاق حجية البيّنة لسائر الموضوعات بمقدّمات الحكمة؛ لأنّ الرواية وإن دلّت عندئذٍ على حجية البيّنة في الجملة، ولكن بما أنّها لم تكن بصدد بيان حجية البيّنة مباشرة، بل فرضت حجية البيّنة أمراً مفروغاً عنها وأخذتها في موضوع القضاء، إذن فلا تجري مقدّمات الحكمة لإثبات الإطلاق.

وثانياً: أنّه لو ثبت أنّ الرواية بصدد جعل حكم القضاء والحجية القضائية وقد أخذت في موضوع هذه الحجية حجية شهادة العدلين ـ لأنّ البيّنة بمعنى الحجية، وهي مطبقّة يقيناً في عمل الرسول صلى الله عليه وآله على شهادة العدلين ـ لأمكن أن يقال: إنّ حجية البيّنة إذن ثابتة في الرتبة السابقة على الحجية القضائية، فهي حجة مطلقاً، لا في خصوص باب القضاء، ولكن هذا غير ثابت؛ إذ من المحتمل أنّ الرسول صلى الله عليه وآله إنّما هو بصدد الإخبار بأنّه لا يقضي  بالواقعيات، وإنّ ما يقضي  بالبيّنات  والأيمان « ولعلّ بعضكم ألحن بحجته من بعض،. فأيّما رجل قطعت له من مال أخيه شيئاً فإنّما قطعت له به قطعة من النار »، وقد طبق البيّنة عملاً على شهادة العدلين، وهذا يعني حجية شهادة العدلين. أمّا كونها حجية مفروغاً عنها في الرتبة السابقة على حجية القضاء حتى يدّعى عندئذٍ أنّ هذا يعني حجية البيّنة على الإطلاق لا في خصوص باب القضاء فلم يثبت، فكم من فرق بين أن يقول مثلاً: جعلت الحجية للقضاء بما هو حجة وأن يقول مثلاً: إنّي لا أعتمد في القضاء على علم الغيب بل على الحجة، فالأول تستفاد منه فرض الحجية في المرتبة السابقة على الحجية القضائية، بخلاف الثاني (1).


(1) بحوث في شرح العروة 2: 81 ـ 82.
9

هذا، ورغم كلّ ذلك قد استقرب اُستاذنا الشهيد رحمه الله تمامية الاستدلال بهذه الرواية على حجية البيّنة في الموضوعات مطلقاً إلا ما خرج بالدليل؛ وذلك بدعوى أنّ ما يتحصّل من تطبيق النبي صلى الله عليه وآله الذي لاشك فيه للبيّنة في القضاء على شهادة عدلين من حجية شهادة العدلين في باب القضاء حينما يضم إلى الجذر العقلائي لحجية البيّنة في مطلق الأبواب يكون المفهوم عرفاً من ذلك إمضاء هذا الجذر العقلائي وجعل الحجية للبيّنة على الإطلاق (1).

هذا تمام الكلام في شهادة العدلين في الموضوعات.

وقد اتضح أنّ إثبات فقاهة الفقيه بشهادة عدلين من أهل الخبرة صحيح. وقد يقال بأكثر من ذلك، وهو جواز إثبات فقاهة الفقيه بشهادة ثقة واحد من أهل الخبرة.

إثبات الاجتهاد بخبر الواحد:

ولإثبات ذلك أحد طرق ثلاثة:

الطريق الأول: إثبات حجية خبر الواحد في الموضوعات إلا ماخرج بالدليل.

وقد يقال: حجية خبر الواحد في الموضوعات لاتنفعنا في المقام؛ وذلك لأنّ خبر الواحد إنّما يكون حجة إذا كان عن الحسّ، والإخبار عن الفقاهة إخبار عن الحدس؛ إذ لايمكن أن تكشف الفقاهة بمجرّد الحسّ، وإلا لعرفها كلّ أحد. ومن هنا يبطل أيضاً إثبات الفقاهة بالبيّنة؛ لأنّ حجية البيّنة أيضاً مشروطة بالحسّ.


(1) المصدر السابق: 84.
10

والجواب على ذلك واضح؛ فإنّه ليس كلّ ما لا يدركه الإنسان إلا عن خبرة وتخصّص يعتبر الإخبار عنه من قبل الخبير والمتخصّص إخباراً عن الحدس، وإنّما المقصود بالإخبار عن الحدس الذي ليس الإخبار عنه حجة ما يكثر فيه الخطأ بحيث تسقط بالنسبة للإخبار أصالة عدم الخطأ؛ وذلك من قبيل فتاوى الفقهاء في غير المسائل الواضحة، فحجية فتوى الفقيه لايمكن أن تكون من باب حجية خبر الواحد ولا من باب البيّنة لدى توافق فقيهين على فتوى واحدة؛ لأنّ أصالة عدم الخطأ في باب الأخبار والشهادات تختص بما يكون عن حسّ أو قريباً من الحسّ ممّا يقلّ فيه الخطأ، ومن الواضح أنّ إخبار الخبير والمتخصّص عن الفقاهة يعتبر في شأن الخبراء بفنّ الفقه إخباراً عن الحسّ أو قريباً من الحسّ ويقلّ فيه الخطأ.

استدلال الشهيد الصدر ومناقشته:

ولابأس بالإشارة هنا إلى طرف من الكلام عن حجية خبر الواحد في الموضوعات، فنقول: قد جمع أستاذنا الشهيد رحمه الله في البحوث روايات كثيرة قد استدلّ بها على حجية خبر الثقة في الموضوعات، وناقش هو رحمه الله في دلالة أكثرها، ولم يقبل عدا دلالة خبرين منها.

ونحن هنا نقتصر من بين تلك الروايات على ذينك الخبرين:

الحديث الأول: ماورد بسند تام عن هشام بن سالم عن أبي عبد الله (عليه السلام) في رجل وكّل آخر على وكالة في أمر من الاُمور وأشهد له بذلك شاهدين، فقام الوكيل فخرج لإمضاء الأمر، فقال: اشهدوا أنّي قد عزلت فلاناً عن الوكالة،

11

فقال « إن كان الوكيل أمضى الأمر الذي وكّل فيه قبل العزل فإنّ الأمر واقع ماضٍ على ما أمضاه الوكيل كره الموكّل أم رضي ». قلت: فإن الوكيل أمضى الأمر قبل أن يعلم العزل أو يبلغه أنّه قد عزل عن الوكالة فالأمر على ما أمضاه؟ قال « نعم ». قلت له: فإن بلغه العزل قبل أن يمضي الأمر ثمّ ذهب حتى أمضاه لم يكن ذلك بشيء؟ قال « نعم، إنّ الوكيل إذا وكلّ ثم قام عن المجلس فأمره ماضٍ أبداً، والوكالة ثابتة حتى يبلغه العزل عن الوكالة بثقة يبلغه أو يشافه بالعزل عن الوكالة » (1).

ويمكن الإيراد على الاستدلال بهذا الحديث: أنّ غاية ما يدلّ عليه هذا الحديث هي أنّ خبر الثقة قام مقام العلم الموضوعي بالعزل في إبطال عمل الوكيل واقعاً عند مصادفة العزل، وهذا غير قيامه مقام القطع الطريقي الذي هو معنى حجيته.

وأجاب على ذلك اُستاذنا رحمه الله: بأنّه يفهم عرفاً من إقامته مقام القطع الموضوعي المأخوذ على وجه الطريقية في الموضوع أنّه حجة وكاشف شرعاً (2).

أقول: لو كان المترقّب ابتداء دخل العلم بالعزل بما هو طريق في موضوع عدم نفوذ ما يقوم به الوكيل أمكن القول بأنّ إقامة خبر الثقة مقام هذا العلم تدلّ عرفاً على طريقية خبر الثقة وحجيته؛ لأنّ هذا العلم إنّما كان موضوعاً بما هو طريق.

ولكن المترقّب ابتداء كون موضوع عدم نفوذ عقود الوكيل هو العزل واقعاً، كما هو الحال في غالب الموضوعات في الفقه التي هي موضوعات بوجوداتها الواقعية إلا أنّه هنا لأجل مصلحة استقرار وضع السوق جعل وصول العزل إلى الوكيل جزء الموضوع، ومن المعقول عندئذٍ الاكتفاء في ذلك بمستوى من مستويات الوصول، وهو الوصول بخبر الثقة مثلاً، ولو اكتفي بذلك لم يحكم العرف بالتعدّي من هذا المورد واستفادة طريقية خبر الثقة على الإطلاق.


(1) الوسائل 19: 162، ب. من الوكالة، ح..
(2) بحوث في شرح العروة 2: 98.
12

إلا أنّه بالإمكان أن يقال في مقابل هذا الإشكال: لو استفدنا من هذا الحديث سقوط استصحاب عدم العزل بخبر الثقة المخبر بالعزل: أنّ خبر الثقة قام هنا مقام العلم الموضوعي الطريقي مرّتين: مرّة بلحاظ أنّ العلم بالعزل موضوع لعدم نفوذ العقود أو قل لنفوذ العزل، واُخرى بلحاظ أنّ العلم بالعزل موضوع لسقوط استصحاب عدم العزل، وقد قام خبر الثقة مقام العلم بكلا اللحاظين، والنقاش المذكور إنّما يرد باعتبار اللحاظ الأول، ولايرد باعتبار اللحاظ الثاني، فيستفاد من قطع الاستصحاب بخبر الثقة في المقام: أنّ خبر الثقة يقوم مقام القطع الطريقي على الإطلاق، ولا يرى العرف خصوصية للمورد.

إلا أن يقال: إنّه تحتمل أيضاً خصوصية أنّ انقطاع الاستصحاب في المورد بإخبار الثقة؛ باعتبار أنّ هذا الاستصحاب أيضاً يضرّ بمصلحة استقرار السوق؛ لأنّ الوكيل يعمل به ويجري معاملات ثم ينكشف الخلاف.

ثم لايخفى أنّ صدر هذا الحديث لا يخلو من الإشعار بعدم حجية خبر الواحد في الموضوعات؛ وذلك لقوله: في رجل وكّل آخر على وكالة في أمر من الاُمور وأشهد له بذلك شاهدين، فلو كان الشاهد الواحد كافياً فلماذا أشهد لذلك شاهدين؟ ولماذا لم يبيّن الإمام (عليه السلام) أنّه كان يكفي شاهد واحد؟ وطبعاً هذا الذي نقوله لايزيد على مجرّد الإشعار.

الحديث الثاني: ما ورد بسند تام عن إسحاق بن عمّار عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سألته عن رجل كانت له عندي دنانير وكان مريضاً، فقال لي: إن حدث بي حدث فأعطِ فلاناً عشرين ديناراً، وأعطِ أخي بقية الدنانير، فمات ولم أشهد موته، فأتاني رجل مسلم صادق فقال لي: إنّه أمرني أن أقول لك: أنظر الدنانير التي أمرتك أن تدفعها إلى أخي، فتصدّق منها بعشرة دنانير أقسمها في المسلمين، ولم يعلم أخوه أنّ عندي شيئاً، فقال « أرى أن تصدّق منها بعشر دنانير » (1).


(1) الوسائل 19: 433، ب 97 من الوصايا، ح..
13

ودلالة هذا الحديث قابلة للمناقشة؛ وذلك لأنّ جهة السؤال في كلام السائل مردّدة بين أمرين، فبناء على أنّ إجمال السؤال في مثل ذلك يسري إلى الجواب ـ لا أنّ ترك الاستفصال يوجب انعقاد الإطلاق ـ يصبح الجواب مجملاً، والاحتمالان مايلي:

أحدهما: كون المقصود: السؤال عن حجية خبر الثقة الذي أخبر بوصية المتوفّى.

والثاني: كون السائل فارغاً عن أنّ المخبر صادق في إخباره إلا أنّ الوارث ـ وهو أخوه مثلاً ـ غير مطلع على هذه الوصية، فلو اطلع على قصة هذا الرجل لطالب بالبيّنة وهو لايمتلك بيّنة، أو طالبه بالحلف مثلاً مادام لا يمتلك بيّنة، وقد لايرغب هو في الحلف مثلاً، وإنّما لم يطالبه بالبيّنة ولا بالحلف لأنّه غير مطلع على أصل وجود مال لأخيه لدى هذا الرجل، فهل من حقه أن يعمل بما علمه من الوصية من دون إخبار أخيه ؟. أو ليس من حقه ذلك قبل تصفية الحساب مع من لو اطلع على الأمر لكان له رفع القضية إلى حاكم الشرع ؟. فأجاب الإمام (عليه السلام) بأنّه تصدّق بعشرة دنانير.

وجه آخر لحجية خبر الواحد في الموضوعات:

وهناك وجه آخر لإثبات حجية خبر الثقة في الموضوعات بالروايات؛ وذلك عبارة عن التمسك بروايات كفاية شاهد واحد مع اليمين من قِبل المدّعي في حقوق الناس أو في الحقوق المالية أو في الديون (1) وذلك بدعوى أنّ هذا يعني أنّ المدّعي حينما يقيم شاهداً واحداً على مدّعاه ينقلب منكراً، فيطالب باليمين، ولا وجه لانقلابه إلى المنكر عدا أنّ خبر الواحد حجة في الموضوعات، فيصبح كلامه مطابقاً للحجة، والمنكر هو الذي يطابق كلامه الحجة.

ولكن قد وقع في بعض هذه الروايات أنّ هذا حكم مخصوص بموردها، ولا يرد في حقوق الله، من قبيل: ما جاء في حديث محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال « لو كان الأمر إلينا أجزنا شهادة الرجل الواحد إذا علم منه خير مع يمين الخصم في حقوق الناس، فأمّا ما كان من حقوق الله عزّوجلّ أو رؤية الهلال فلا » (2).


(1) راجع: الوسائل 27: 257 ـ 258، ب 13 من كيفية الحكم، ح 4،..
(2) المصدر السابق 27: 268، ب 14 من كيفية الحكم، ح 12.
14

وعلى أية حال فالظاهر أنّ المقصود من تلك الروايات ليس هو انقلاب المدّعي منكراً، بل هو قيام اليمين مقام الشاهد الثاني؛ إذ لو كان المقصود انقلاب المدّعي منكراً لوصلت النوبة بعد قيام شاهد واحد لصالح المدّعي إلى بيّنة خصمه، لا إلى يمين المدّعي.

ثمّ لو تمّت دلالة رواية ما على حجية خبر الثقة في الموضوع في موردها مع دعوى تعدّي العرف عن موردها أو عدم التعدّي فإنّ بالمقابل روايات اُخرى تدلّ في مواردها على عدم حجية خبر الثقة في الموضوع، من قبيل:

1. كلّ ما مضى من روايات شرط البيّنة في الموضوعات من حديث مسعدة ابن صدقة وحديث عبد الله بن سليمان وأحاديث المطلّقة وروايات ثبوت الهلال بشهادة عدلين.

2. ماعن محمد بن مسلم بسند تام عن أحدهما (عليه السلام) قال: سألته عن رجل ترك مملوكاً بين نفر فشهد أحدهم أنّ الميت أعتقه، قال « إن كان الشاهد مرضياً لم يضمنِ، وجازت شهادته. في نصيبه )، ويستسعى العبد فيما كان للورثة » (1).

3. ما عن منصور بسند غير تام قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل هلك وترك غلاماً فشهد بعض ورثته أنّه حرّ قال « إن كان الشاهد مرضياً جازت شهادته، ويستسعى فيما كان لغيره من الورثة » (2).

4. ما عن منصور بسند تام ـ وكأنّه الحديث السابق ـ قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل هلك وترك غلاماً مملوكاً فشهد بعض الورثة أنّه حرّ فقال « تجاز شهادته في نصيبه، ويستسعى الغلام فيما كان لغيره من الورثة » (3)، وليس في هذا الحديث قيد العدالة أو الوثاقة، لكن تقييده بفرض عدم العدالة أو عدم الوثاقة بعيد جدّاً.


(1) الوسائل 23: 88، ب 52 من العتق، ح..
(2) المصدر السابق: ح..
(3) الوسائل 27: 411، ب 52 من الشهادات، ح..
15

5. روايات عدم نفوذ شهادة النساء غير المختصة بباب المرافعة الواردة تارة في موارد خاصة، واُخرى بشكل مطلق غير ما استثني، وذلك من قبيل:

1. ما ورد بسند غير تام عن صالح بن عبد الله الخثعمي قال: سألت أبا الحسن موسى (عليه السلام) عن أمّ ولد لي صدوق زعمت أنّها أرضعت جارية لي أصدّقها؟ قال « لا » (1).

2. ونحوه مرسلة عبد الله بن بكير عن بعض أصحابنا عن أبي عبد الله (عليه السلام) في امرأة أرضعت غلاماً وجارية، قال « يعلم ذلك غيرها؟ » قال: لا، قال فقال « لا تصدّق إن لم يكن غيرها » (2).

وتقييدها بفرض عدم كونها صدوقاً بعيد.

3- ونحوه ما عن صالح بن عبد الله الخثعمي قال: كتبت إلى أبي الحسن موسى(عليه السلام) أسأله عن أمّ ولد لي ذكرت أنّها أرضعت لي جارية، قال « لا تقبل قولها، ولا تصدّقها » (3).

وصالح بن عبد الله الخثعمي لم يرد بشأنه توثيق. نعم، روى محمد بن أبي عمير عن صالح بن عبد الله عن الصادق (عليه السلام) حديثاً ولكن يصعب إثبات اتحاده مع الخثعمي علماً بأنّ الشيخ ذكر في أصحاب الصادق (عليه السلام) اسمين بعنوان صالح ابن عبد الله: أحدهما لقّبه بالأحول الكوفي، والثاني لقّبه بالخثعمي الكوفي (4).

4. وما عن الحلبي بسند تام عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنّه سئل عن شهادة النساء في النكاح، فقال « تجوز إذا كان معهنّ رجل. وكان علي يقول: لا أجيزها في الطلاق » (5).

وممّا يجلب الانتباه قوله (عليه السلام) « تجوز إذا كان معهنّ رجل »، فلو كان خبر الرجل الواحد وحده حجة لما كان معنى لهذه الجملة؛ لأنّ ضمّ النساء إلى الرجل عندئذٍ يصبح لغواً.


(1) الوسائل 20: 401، ب 12 مّما يحرم بالرضاع، ح..
(2) المصدر السابق: ح..
(3) المصدر السابق: ح..
(4) رجال الطوسي: 218، 219.
(5) الوسائل 27: 351، ب 24 من الشهادات، ح..
16

5. وما عن عمر بن يزيد بسند تام قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل مات وترك امرأته وهي حامل فوضعت بعد موته غلاماً ثم مات الغلام بعد ما وقع إلى الأرض، فشهدت المرأة التي قبّلتها أنّه استهلّ وصاح حين وقع إلى الأرض ثم مات، قال « على الإمام أن يجيز شهادتها في ربع ميراث الغلام » (1)، فلو كان خبر الواحد حجة في ذاته من دون شرائط البيّنة فلماذا لايقبل الإمام شهادتها إلا في ربع الميراث؟ !

6. وما عن محمد بن مسلم بسند تام قال « لاتجوز شهادة النساء في الهلال، ولا في الطلاق ». وقال: سألته عن النساء تجوز شهادتهنّ؟ قال « نعم، في العذرة والنفساء » (2).

7. وما عن حماد بن عثمان عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال « لا تقبل شهادة النساء في رؤية الهلال، ولا يقبل في الهلال إلا رجلان عدلان » (3).

8. وما عن العلاء بسند تام عن أحدهما &lsquo؛ قال « لاتجوز شهادة النساء في الهلال ». وسألته هل تجوز شهادتهنّ وحدهنّ؟ قال « في العذرة والنفساء » (4).

وراجع الوسائل باب 24، من الشهادات (5).

وعلى أيّة حال ففي خصوص باب المرافعة لئن لم يكفِ الشاهد الواحد يأتي بشكل واضح عرفاً احتمال الخصوصية لهذا الباب على أساس أنّه حتى لو كان الشاهد الواحد في الحالة الطبيعية كافياً قد لايكون في باب المرافعة كافياً بنكتة وجود الطرف المقابل المرافع الذي له رأي بالخلاف، كما أنّ المنكر يكون رأيه دائماً مطابقاً للحجة التي لولا المرافعة فهي بحدّ ذاتها كافية، في حين أنّ تلك الحجة لاتكفي لحكم الحاكم، بل لابدّ من ضمّ يمين المنكر؛ وذلك بنكتة وجود المدّعي للخلاف.


(1) المصدر السابق: 352، ب 24 من الشهادات، ح..
(2) المصدر السابق.
(3) المصدر السابق: 355، ب 24 من الشهادات، ح 17.
(4) المصدر السابق: 356، ح 19.
(5) الوسائل 27: 350 ـ 366، ب 24 من الشهادات.
17

وفي باب الحدود أيضاً لو لم يكفِ خبر الواحد أمكن للعرف احتمال الخصوصية؛ باعتبار أنّ الحدود تدرء بالشبهات، ولذا نرى بعض الحدود لابدّ فيه من أربعة شهود، ولكن في مثل الهلال أو في الميراث أو النكاح والطلاق وما إلى ذلك من الاُمور ما معنى الحاجة إلى البيّنة بشروطها المخصوصة حتى مع فرض المرافعة، بمعنى دعوى الخلاف، كما هو مقتضى إطلاق ما عرفته من الروايات؟ أفلا يعني هذا احتمال الردع ـ على الأقلّ ـ عن حجية خبر الواحد في الموضوعات؟ !

وبعد هذا لايبقى لدينا شيء مهم في صالح إثبات حجية خبر الواحد في الموضوعات ما عدا دعوى السيرة العقلائية.

ولو ثبتت السيرة فاحتمال الردع على الأقلّ موجود، كما عرفت، ونحن نشكّك في أصل هذه السيرة، فنحن نتمسّك لحجية خبر الواحد في الأحكام إضافة إلى الروايات بسيرة المتشرّعة، وهي غير ثابتة طبعاً في الموضوعات.

أمّا السيرة العقلائية فلا أظنّها موجودة، والارتكاز العقلائي ليس دالاً على أكثر من أنّ خبر الثقة قابل لإضفاء الحجية عليه من قبل المولى، ولم يثبت لنا إضفاء الحجية عليه من قبل الشريعة إلا في باب الأحكام أو في باب ما ينقل لنا عن الإمام بما هو إمام.

وقد يؤيّد عدم حجية خبر الواحد في الموضوعات ما ظهر من تضاعيف الحديث من أنّ المدّعي في باب القضاء لا يفترض انقلابه منكراً، وانقلاب المنكر مدّعياً بوجود خبر الواحد لصالح المدّعي بحيث يطالب المنكر الأول عندئذٍ بالبيّنة بحجة أنّه أصبح مدّعياً.

الطريق الثاني: دعوى أنّ الرجوع إلى الشاهد الواحد على الفقاهة يكون من باب الرجوع إلى أهل الخبرة، ولايشترط في الرجوع إلى أهل الخبرة التعدّد.

18

والصحيح: أنّ مقياس الرجوع إلى أهل الخبرة الذي لايشترط فيه التعدّد إن كان هو مجرّد أنّ الشيء الفلاني ممّا لايفهمه كلّ واحد وإنّما يفهمه ذوو الاختصاص فانطباق هذا المقياس على المقام واضح؛ لأنّ معرفة الفقاهة لاتكون إلا من قِبل ذوي الاختصاص، وليس من قِبل عامة الناس.

وإن كان هو ذلك زائداً الابتلاء العام بذلك بحيث لو كلّف كلّ أحد الفحص بنفسه لدرك الحقيقة لاختلّت حياتهم فالظاهر أنّ هذا أيضاً منطبق على المقام بعد الأخذ بعين الاعتبار جوّ المتشرّعة بالخصوص؛ فإنّ حاجتهم إلى التقليد وإلى معرفة الفقيه حاجة عامة.

الطريق الثالث: دعوى أنّ خبر الواحد إذا كان في الموضوعات ولكن كان ينتهي إلى الحصول على الحكم الكلّي الإلهي ولو بالملازمة والحدس فهو كخبر الواحد في الأحكام يكون حجة؛ وذلك من قبيل خبر الواحد بوثاقة الراوي المنتهي إلى إثبات الحكم الكلّي الفقهي ببركة النص الذي يرويه ذاك الثقة، وإلا فجميع أخبار الآحاد في باب الأحكام من هذا القبيل؛ فإنّها تشتمل على نقل كلام الإمام، وليس هذا إلا نقلاً للموضوع الذي يستنبط منه بالملازمة والحدس حكم الله تعالى، وكذلك الحال في نقل الفقاهة المنتهي بالملازمة إلى فهم الحكم العام الذي يعطيه ذاك الفقيه. وهذا الطريق بهذا الطرز من البيان الذي ذكرناه مأخوذ من السيد الحكيم رحمه الله في المستمسك (1).

وأورد عليه اُستاذنا الشهيد ـ رضوان الله تعالى عليه: « بأنّ دليل حجية الخبر في الشبهات الحكمية لم يدلّ على حجية الإخبار عن الحكم الكلّي بهذا العنوان ليبذل الجهد في إرجاع بعض الأخبار في الموضوعات إلى الخبر عن الحكم الكلّي بالإلتزام، وإنّما دلّ الدليل المتحصَّل من السنّة المتواترة إجمالاً على مضمون مثل قوله « العمري وابنه ثقتان، فما أدّيا إليك عنّي فعنّي يؤدّيان، وما قالا لك عنّي فعنّي يقولان، فاسمع لهما وأطع؛ فإنّهما الثقتان المأمونان » (2)، فموضوع الحجية هو الخبر الذي يعتبر أداءً عن الإمام، وهذا ينطبق على خبر زرارة دون خبر العادل عن الاجتهاد. ومن أجل ذلك قلنا في موضعه من كتاب الخمس: أنّ أخبار التحليل قد يقال بشمول الدليل المذكور على الحجية لها وإن حملت على التحليل المالكي؛ لأنّها وإن لم تكن إخباراً عن الحكم الكلّي، ولكنّها أداءٌ عن الإمام، فيشملها موضوع الحجية في ذلك الدليل » (3)، انتهى.


(1) المستمسك 1: 39. ط 4، مطبعة الآداب النجف..
(2) الوسائل 27: 138، ب 11 من صفات القاضي، ح..
(3) شرح العروة الوثقى. السيد محمد باقر الصدر. 2: 84 ـ 85.
19

أقول: قد مضى في روايات التقليد حديث صحيح السند عن يونس بن يعقوب قال: كنا عند أبي عبد الله (عليه السلام) فقال « أما لكم من مفزع ؟. أما لكم من مستراح تستريحون إليه ؟. ما يمنعكم من الحارث بن المغيرة النضري ؟. » (1)، فإن استظهرنا من هذا الحديث أنّ كلّ ما ينقله الثقة ممّا لو اعتمدنا عليه لاسترحنا إليه في فهم ديننا كان لنا حجة ومفزعاً.

إذن فالصحيح ما فهمه السيد الحكيم رحمه الله من أنّ كلّ خبر ثقة ينتهي إلى فهم الحكم الكلّي الإلهي يكون حجة، ومن هذا القبيل: الإخبار عن وثاقة الرواة، ومن هذا القبيل: الإخبار عن فقاهة الفقيه الذي يراد تقليده؛ فإنّه لو كان الإخبار صحيحاً لكانت فتاواه مدركاً لفهم الأحكام الفقهية الكلّية.

إذن فالظاهر صحة الاعتماد على خبر الثقة الواحد من أهل الخبرة بفقاهة الشخص على أساس الطريق الثاني أو الثالث.

وفي الختام نشير الى مسألتين:

المسألة الاُولى: لو وقع التعارض بين البينة وخبر الواحد ـ بناء على الإيمان بحجية خبر الواحد في المقام بأحد الوجوه المتقدّمة ـ فلا يبعد القول بأنّ دليل حجية خبر الواحد يسقط في المقام؛ لتعارض فردين من موضوع هذا الدليل، ولكن دليل حجية البيّنة يبقى على إطلاقه؛ لأنّ دليل حجية خبر الواحد لو كان لفظياً فهو يبتلى بالتعارض الداخلي والإجمال، فهو يعجز عن معارضة إطلاق دليل حجية البيّنة بناء على وجود إطلاق لفظي فيه.

المسألة الثانية: إذا كان مجتهدان لايمكن تحصيل العلم بأعلمية أحدهما ولا البينة ولا أيّ دليل آخر فيخيّر في تقليد أيّ منهما حتى لو حصل الظنّ بأعلمية أحدهما فلا يتعيّن تقليده.


(1) الوسائل 18: 105، ب 11 من صفات القاضي، ح 24. وفي بعض المصادر بدل «النضري» «النصري».
20

وقد يقال: إنّه متى ما احتمل أو ظُن بأعلمية أحدهما من دون احتمال أعلمية الآخر دخل ذلك في دوران الأمر في الحجية بين التعيين والتخيير، والمتيقّن المبرئ للذمّة هو المعيّن.

ولكن التحقيق: أنّه بناء على ما قرّبناه من التخيير في فرض التساوي تكون فتوى من لا يحتمل أعلميته داخلة في ما هو مقطوع الحجية في ذاته مع الشك في وجود معارض مسقط لحجيته بسبب التعارض، ومعه تبقى فتواه على الحجية. إذن، فيثبت التخيير.

وأمّا لو كان احتمال الأعلمية وارداً في كلا الطرفين فمع العلم الإجمالي بأعلمية أحدهما لامحيص عن الأخذ في كلّ مسألة بأحوط الرأيين؛ لأنّ الحجية الفعلية مردّدة بينهما، ومع احتمال التساوي نرجع مرّة اُخرى إلى ما قلناه من التخيير؛ لأنّ فتوى كلّ منهما معلومة الحجية في ذاتها، والابتلاء بالتعارض من الأعلم الموجب لسقوط الأول عن الحجية غير معلوم.

أمّا لو لم نؤمن بالتخيير في فرض التساوي فما لم يعلم بأعلمية أحدهما مع تشخيصه لامحيص من الأخذ بأحوط الرأيين في كلّ مسألة.