227

 

 

 

التفصيل بين الشكّ في المقتضي والرافع:

 

وأمّا التفصيل الثالث، وهو التفصيل بين الشكّ في المقتضي والشكّ في الرافع فقد ذهب إليه الشيخ الأعظم(قدس سره) ومن تبعه، وذكر الشيخ الأعظم(رحمه الله): أنّ أوّل من تنبّه إلى ذلك المحقّق الخونساري(رحمه الله)(1)، ولعلّ مقصوده(قدس سره) هو أنّ أوّل من طبّق ذلك(2) على ما يستفاد من أخبار الاستصحاب هو المحقّق الخونساري، وإلاّ فأصل فكرة التفصيل موجودة قبله بقرون، وأذكر ـ إن لم تخنّي الذاكرة ـ أنّ المحقّق في المعارج ذكر في مقام الاستدلال على الاستصحاب ـ وهذا من طرائف ما قيل في الاستصحاب ـ: أنّ فرض عدم بقاء المستصحب: إمّا يكون من باب احتمال عدم المقتضي، وإمّا يكون من باب احتمال وجود المانع. أمّا الأوّل فالمفروض خلافه، وهو وجود المقتضي، فإنّنا نتكلّم في هذا الفرض. وأمّا احتمال وجود المانع فهو معارَض باحتمال عدمه. وهذا كما ترى مشتمل على أصل فكرة التفصيل بين الشكّ في المقتضي والشكّ في الرافع ولو بهذه الصياغة.

ثمّ إنّهم ذكروا تمهيداً مفصّلاً في المقام بصدد بيان معاني المقتضي والرافع، وتعيين ما هو المقصود هنا(3)، لكنّني لا أرى مزيد فائدة في بسط الكلام في ذلك بعد ما سوف يتبيّن لك ـ إن شاء الله ـ من أنّه لا أساس لهذا التفصيل، ويكفي لاتّخاذ فكرة إجماليّة عن هذا التفصيل تمهيداً للدخول في البحث عنه أن نقتصر على ما ذكره المحقّق النائيني(رحمه الله) في مقام بيان ضابط التفصيل، وهو أنّ الشيء إذا كان بحيث لو بقي هو وعمود الزمان لم ينتفِ، وإنّما ينتفي لحادث يحدث فيؤثر في انتفائه كان الشكّ في ذلك شكّاً في الرافع، ومثاله بقاء الشابّ إلى عدّة سنوات، فإنّه إنّما ينتفي لحادث خارجي من انهدام جدار عليه أو اصطدام بسيارة ونحو ذلك،


(1) راجع الرسائل: ص 336 ولكن الموجود في الرسائل في مكان آخر هو استظهار هذا القول من المحقّق في المعارج، راجع الرسائل: ص 328، وص 360 بحسب الطبعة المشتملة على تعليقة رحمة الله.

(2) عبارة الرسائل صريحة في أنّ المحقّق الخونساري فتح باب النقاش في إطلاق دلالة الروايات.

(3) راجع فوائد الاُصول: ج 4، ص 324 ـ 331 بحسب طبعة جماعة المدرّسين بقم. وأجود التقريرات: ج 2، ص 353 ـ 357، ومصباح الاُصول: ج 3، ص 20 ـ 26.

228

ومثاله في الشرعيّات الطهارة والنجاسة التي لا ترتفع إلاّ بسبب خارجي، وإذا كان بحيث ينتفي بنفس حركة عمود الزمان كان الشكّ فيه شكاً في المقتضي، ومثاله بقاء الإنسان في أواخر عمره الطبيعي إلى عدّة سنوات فإنّه يكفي لفنائه نفس مرور الزمان عليه، ومثاله في الشرعيّات الخيار الذي يفوت بالتأخير بناءً على فوريّته.

هذا. ولعلّه يمكن تلخيص أهمّ الأدلّة على التفصيل بين الشكّ في المقتضي والشكّ في الرافع في ثلاثة أدلّة رئيسة:

 

الدليل الأوّل:

أنّ الظاهر من أدلّة الاستصحاب هو وحدة المتيّقن والمشكوك، والوحدة بالدقّة غير موجودة؛ لأنّ المتيقّن هو الحصّة الحدوثيّة والمشكوك هو الحصّة البقائيّة، إذن فلا بدّ من فرض عناية، وذلك: إمّا بأن يفرض بالعناية تيقّن المشكوك باعتبار اليقين ببقاء المقتضي، أي: بأن يعتبر اليقين بالمتقضي بالمسامحة يقيناً بالمقتضى، وإمّا بأن يفرض بالعناية نفس اليقين بالحدوث يقيناً بالبقاء باعتباره يقيناً بشيء فيه اقتضاء البقاء. وكلتا العنايتين ـ كما ترى ـ تستوجبان تخصيص الحكم بفرض إحراز المقتضي والشكّ في الرافع.

وأجاب عن ذلك المحقّق الخراساني(رحمه الله) بأنّ الظاهر عرفاً هو إعمال العناية بشكل آخر، وهو التجريد عن خصوصيّة الزمان، فيرى المشكوك عين المتيقّن(1).

ويحتمل في عبارته(قدس سره) ثلاثة احتمالات:

الاحتمال الأوّل: أن يكون المقصود بذلك هو ملاحظة الجامع بين الحصّة الحدوثيّة والحصّة البقائيّة، وهذا وإن كان من البعيد كونه مقصوداً له(قدس سره) إلاّ أنّه ينطبق على عبارته.

وهذا يرد عليه: أنّ الجامع بين الحدوث والبقاء الذي فرض تعلّق اليقين به لم يتعلّق الشكّ به أصلاً، بل هو مقطوع به حتّى عند الشكّ في البقاء، فلا معنىً للاستصحاب.

الاحتمال الثاني: وهو المظنون كونه مراده(قدس سره) هو أن يكون المقصود إلغاء خصوصيّة الزمان ولحاظ ذات الشيء، فكأنّ حدوثه عين بقائه، وكأنّ ذات الشيء كان متيّقناً ثمّ شكّ فيه. وهذا المعنى هو الذي تناسبه عبارة تلميذه المحقّق العراقي(رحمه الله) حيث عبّر في مقام بيان كلام


(1) راجع الكفاية: ج 2، ص 286 بحسب الطبعة المشتملة في حاشيتها على تعليقة المشكيني.

229

اُستاذه بالتغافل عن الزمان(1).

ويرد عليه: أنّ هذا معناه إرجاع مفاد الحديث إلى قاعدة اليقين لا إلى الاستصحاب؛ فإنّه إذا فرض أنّ الحديث لا يلتفت إلى خصوصيّة الزمان وكون اليقين بالحصّة الحدوثيّة والشكّ في الحصّة البقائيّة، وإنّما يفرض شيئاً واحداً حصل العلم به ثمّ حصل الشكّ فيه من دون تعدّد بين المتيقّن والمشكوك حتّى بلحاظ الزمان، إذن فهذا مصداقه الذي يكون مصداقاً له حقيقة وعرفاً هو مورد قاعدة اليقين، غاية الأمر أن يفرض الاستصحاب ـ أيضاً ـ فرداً مسامحيّاً عرفيّاً لتلك القاعدة باعتبار المسامحة بلحاظ الزمان، وفرض المشكوك عين المتيقن حتّى من هذه الناحية.

وأمّا الاحتمال الثالث فلا نذكره الآن، ولا ينطبق على عبارته(قدس سره)، وهو في الحقيقة نفس مختارنا في مقام إبطال هذا الدليل الأوّل على عدم حجيّة الاستصحاب في الشكّ في المقتضي، فنؤجّله إلى ذكر المختار.

والتحقيق في المقام: أنّ هذا الدليل الأوّل يرجع بروحه إلى إرجاع مفاد حديث الاستصحاب ـ أيضاً ـ إلى قاعدة اليقين؛ لأنّه قد فرض أنّ الحديث يفترض وحدة المتيقّن والمشكوك، إلاّ أنّه فرض وجود المقتضي وحدة عنائيّة، إذن فالحديث يدلّ على قاعدة اليقين، وجعل قاعدة المقتضي والمانع، فرداً عنائياً لها، وبكلمة اُخرى: إنّنا لو قلنا بأنّ وحدة المتيقّن والمشكوك تكون بلحاظ اليقين بالمقتضي الذي هو بالمسامحة يقين بالمقتضى، إذن فهذه العناية بعينها موجودة في موارد العلم بالمقتضي والشكّ في المقتضى ابتداءً وبغض النظر عن العلم بالحدوث، وفي الحقيقة قد أصبح رُكنا الاستصحاب عبارة عن الشكّ في الشيء واليقين بمقتضيه، وهذه هي قاعدة المقتضي والمانع.

وقد ظهر: أنّ مقتضى هذا الدليل ليس هو حجّيّة الاستصحاب ولو من باب فرضه فرداً عنائياً ومسامحياً لقاعدة اليقين مثلاً، وإنّما مقتضاه حجّيّة قاعدة اليقين، وجعل قاعدة المقتضي والمانع فرداً عنائياً لها مع بيان: أنّ قاعدة المقتضي تنطبق على بعض موارد الاستصحاب.

وحلّ المطلب هو أنّ هذا الدليل الأوّل موقوف على تسليم أصل ظهور دليل


(1) قد ورد في نهاية الأفكار، القسم الأوّل من الجزء الرابع، ص 84 بحسب طبعة جماعة المدرّسين بقم، التعبير بالتغافل عن التقطيع الزمني.

230

الاستصحاب في الوحدة المطلقة بين المتيقن والمشكوك، فيتصدّى صاحب هذا الدليل لإثبات الوحدة المطلقة مسامحة بعناية لحاظ العلم بمقتضي الشيء علماً بالشيء، ويتصدّى المحقّق الخراساني(رحمه الله) لإثبات الوحدة المطلقة مسامحة بالتغافل عن الزمان، بينما نحن لا نسلّم أصل ظهور دليل الاستصحاب في الوحدة المطلقة بين المتيقّن والمشكوك؛ لأنّ منشأ هذا الظهور: إمّا هو حذف المتعلّق، ويرد عليه: أنّه إن سلّمت دلالة حذف المتعلّق على الوحدة المطلقة فإنّما هي فيما لم يرد في الكلام القرينة على خلافها، وقد ورد في الكلام القرينة على ذلك، وهو تطبيقه(عليه السلام) على اليقين بحدوث الطهارة والشكّ في بقائها. وإمّا هو كلمة(النقض) من باب أنّ الشكّ في الشيء لا معنى لأن يقال: إنّه نقض أو ليس نقضاً لليقين بشيء آخر. ويرد عليه: أنّ ما تقتضيه كلمة(النقض) إنّما هي عدّ الشكّ ارتفاعاً لليقين، وما يقابله من العلم بقاءً لليقين، وهذا ثابت عند الوحدة من كلّ الجهات سوى الزمان؛ وذلك لما عرفت سابقاً في التنبيه الثاني من تنبيهات التفصيل الأوّل من أنّ العرض يكسب في نظر العرف حدوثاً وبقاءً من حدوث معروضه وبقائه، فإن لم يسلّم بهذا بطل استصحاب الحكم في كثير من فروض الشكّ في الحكم، وهي الفروض التي يكون فيها الحكم بجميع أجزائه ثابتاً من أوّل الأمر، فقد مضى أنّ وجوب الجلوس في ساعتين مثلاً إذا كانت الساعتان تحديداً لمقدار الجلوس لا ظرفاً للوجوب، وكان وجوب تمام أجزاء الجلوس ثابتاً من أوّل الأمر فإنّما يمكن استصحاب بقاء وجوب الجلوس باعتبار أنّ الوجوب يكسب حدوثاً وبقاءً من معروضه، وهو الجلوس، فلو اُنكر هذا لزم إنكار الاستصحاب في مثل هذه الموارد، وهذا ما لا يلتزم به القائل بعدم حجّيّة الاستصحاب في الشكّ في المقتضي. ولو سلّم بما قلناه جرى مثل هذا في المقام، فنقول: إنّ اليقين يكتسب حدوثاً وبقاءً من متعلّقه وهو المتيقن.

 

الدليل الثاني:

وهو دعوى أنّ الارتكاز العقلائي في باب الاستصحاب يختصّ بموارد إحراز المقتضي، وذلك يوجب بأحد تقريبين تخصيص الحجّيّة الشرعية بموارد إحراز المقتضي.

التقريب الأوّل: دعوى أنّ دليل الاستصحاب وهو قوله: «لا ينبغي لك أن تنقض اليقين بالشكّ» لولا الارتكاز لما كان له إطلاق لغير مورده؛ لاحتمال كون اللام للعهد، وكونه إشارة إلى اليقين بالوضوء، فنحن إنّما نتعدّى من مورده إلى سائر الموارد بارتكاز عدم الفرق، وهذا التعدّي مختصّ بالموارد المشابهة لمورد الحديث، وهي موارد إحراز المقتضي، فإنّ مورد

231

الحديث هو مورد قد أُحرز المقتضي فيه، واحتمال الفرق بين موارد إحراز المقتضي وغيرها وارد، والارتكاز العقلائي الموجب للتعدّي عن المورد كان مخصوصاً بالأوّل.

والجواب بعد فرض تسليم عدم تماميّة الإطلاق اللفظي في الحديث في نفسه لاحتمال العهد في اللام: أنّ التعدّي إلى غير المورد لم يكن بملاك مجرّد القطع بعدم الفرق من قبيل القياس المقطوع العلّة، بل كان بملاك أنّ الارتكاز العرفي أسقط قيد المورد وهو الوضوء، فكأنّه غير مذكور، فتكوّن الإطلاق اللفظي من قبيل ما لو حكم الشارع بانفعال الماء القليل الموضوع أمام باب المسجد الفلاني، فالعرف هنا يُلغي قيد وضعه على باب المسجد، ويحمله على المثالية في حين أنّه لا يُلغي قيد القلّةِ مثلاً، فيتم الإطلاق اللفظي في الكلام من ناحية القيد الملغى. نعم، بعد أن اُلغي في ما نحن فيه قيد الوضوء يبقى احتمال دخل جزء تحليلي من ذلك القيد وهو إحراز المقتضي، لكن ذاك القيد بعد إلغائه بحسب الارتكاز ليس جزؤه التحليلي صالحاً للبيانية والتقييد، وإذا انعقد الإطلاق اللفظي فقد ثبتت حجّيّة الاستصحاب حتّى في موارد الشكّ في المقتضي.

التقريب الثاني: دعوى أنّه حتّى لو سلّمنا الإطلاق اللفظي بفرض اللام للجنس مثلاً يكون الارتكاز صارفاً للكلام إلى خصوص موارد إحراز المقتضي؛ وذلك لأنّه إذا كان في مورد الكلام الصادر عن الشارع ارتكاز عقلائي كان ذلك سبباً في انصراف ذاك الكلام إلى حدود ذلك الارتكاز. وما نحن فيه من هذا القبيل؛ لأنّ الاستصحاب ارتكازيّ، والارتكاز مختصّ بفرض إحراز المقتضي.

والجواب: منع الصغرى، بمعنى: أنّ ارتكازيّة الاستصحاب وان صحّت ببعض المعاني لكنّها ليست ارتكازاً مركّزاً وواضحاً بحيث يصبح كالعهد، ويجلب النظر، ويصرف الكلام إليه، ولا هو محدّد بشكل واضح، وإنّما هو ارتكاز ذو مراتب باختلاف الموارد من ناحية الشكّ في المقتضي أو إحرازه أو غير ذلك، وليس هنا تفاوت كبير دفعي بين بعض مراتبه دون بعض، فبما أنّ هذا الارتكاز ضعيف وتحديده ـ أيضاً ـ ضعيف فهو غير قادر على صرف الكلام إلى مقدار مرتكز محدّد.

 

الدليل الثالث:

وهو عمدة الأدلّة تاريخياً، فإنّه الذي اعتمد عليه الشيخ الأعظم(قدس سره) ناسباً له إلى المحقّق

232

آقا حسين الخوانساري(رحمه الله)(1)، ويمكن تحليله الى مقدمتين:

المقدمة الاُولى: أنّ النقض وإن أضيف في الحديث إلى اليقين لكنّه بحسب الواقع مضاف الى المتيقّن.

المقدمة الثانية: أنّه لا يصحّ إسناد النقض إلى المتيقّن إلاّ مع فرض إحراز المقتضي.

ونحن نؤجّل الاستدلال على المقدّمة الاُولى مع مناقشتها ونبدأ ببسط الكلام في المقدمة الثانية، فنقول: إنّ الذي اعتمد عليه الشيخ الأعظم(قدس سره) في إثبات المقدّمة الثانية هو أنّ النقض يكون في مقابل الإبرام، ولا يصدق بحسب ما له من المعنى الحقيقي إلاّ إذا فرض وجود هيئة اتّصالية تقطع، فيقال مثلاً:(نقضت الحبل) أي: قطّعته، وبما أنّه ليس المفروض في المقام هيئة اتّصالية بين المتيقّن والمشكوك فلا يصدق النقض حقيقة، وإنّما يجب أن يكون استعماله مجازاً، والاستعمال المجازي يحتاج إلى علاقة، وعلاقته في المقام هي وجود المقتضي واستمراره الذي يعدّ بالمسامحة وجوداً للمقتضى او استمراراً له، فيصحّ إسناد النقض بمناسبة هذا الاستمرار، إذن فلا تثبت حجّيّة الاستصحاب عند الشكّ في المقتضي.

ويرد عليه: أنّ النقض ـ كما ذكر ـ يكون في مقابل الإبرام، والإبرام مصدر ثان للبرم بمعنى الفتل، والإبرام هو إجادة البرم وإحكامه، والنقض يعني حلّ البرم، فقد يسند إلى الهيئة البرميّة فيقال مثلاً: نقضتُ البرم الموجود في الحبل، وقد يسند إلى ما يدلّ على ذات الشيء بما هو متّصف بالهيئة البرميّة ككلمة(الحبل) فإنّها تدلّ على الخيوط المفتولة بما هي مفتولة، فيقال: نقضت الحبل، وعلى كلّ حال فالمصحّح لإسناد النقض هو الهيئة البرميّة لا الهيئة الاتّصالية، وغاية ما نصنعه عند فرض استمرار المقتضي استمراراً بالمسامحة للمقتضى هي تصحيح الهيئة الاتّصالية بالمسامحة، وليس المصحّح لاستعمال كلمة(النقض) الهيئة الاتّصالية.

والظاهر: أنّ النقض ليس مطلق حلّ الفتل، وإنّما معناه: حلّه بشدّة، فنقض الحبل يعطي بحسب معناه الحقيقي الحلّ الشديد للحبل، ويستعمل مجازاً في مطلق الرفع، أي: سواء كان رفعاً للهيئة البرميّة او الاتّصالية أو أيّ شيء آخر إذا اُريد تطعيم الرفع بالشدّة والقوّة، ويكون فرض الشدّة هو العلاقة بين المعنى الحقيقي للنقض والمعنى المجازي له، ويكون تطعيم


(1) لم أرَ في الرسائل نسبة هذا الدليل إلى المحقّق الخوانساري، راجع الرسائل: ص 336، 360 ـ 361 و363 ـ 366 بحسب الطبعة المشتملة على تعليقة رحمة الله.

233

الرفع بالشدّة والقوة حتّى يعبّر عنه بالنقض بمناسبات شتّى من قبيل قوّة المرفوع، فيقال مثلاً:(نقضت الحبل من مكانه) إذا كان ملصقاً بالمكان، ولا يقال:(نقضت الحجر من مكانه) إذا كان موضوعاً في مكان فيرفع، أو إرادة تفهيم أنّ الرفع كان رفعاً كاملاً للشيء وإلى أقصى حدّ مثلاً كما يقال: نقضت الشبهة، فإنّ الشبهة وهي المرفوع ليس فيها قوّة واستحكام، بل فيها مفهوم الضعف، ولكن مع ذلك يقال نقضت الشبهة لقصد تفهيم دحضها ورفعها تماماً.

ولعل مناسبة التطعيم بالقوّة والشدّة في المقام والتعبير بالنقض والنكتة البلاغية في ذلك هى: أنّه اُريد إبراز فظاعة رفع اليد عن اليقين بالشكّ أو المتيقّن بالمشكوك، فعبّر بالنقض الذي يفيد معنى الشدّة في الرفع؛ لكونه أبلغ في إبراز فظاعة هذا الرفع.

هذا. ويمكن في المقام أن يوجّه كلام الشيخ الأعظم(قدس سره) بإدخال تأويل فيه، وذلك بأن يقال: إنّه(رحمه الله) لم يفرض النقض رفعاً للهيئة الاتّصالية، بل يسلّم أنّه رفع للهيئة البرميّة لا الاتّصالية، لكنّه يقول: إنّ الهيئة البرمية يمكن فرضها بالمسامحة بين المتيقّن والمشكوك إذا فرضت الملازمة بينهما، فهذه الملازمة بينهما كأنّها فتل لأحدهما بالآخر، والملازمة الحقيقية غير موجودة، ولكن إذا كان المتيقّن فيه اقتضاء البقاء فكأنّ الملازمة موجودة، ويكتفى بالملازمة الاقتضائية. وأمّا مع الشكّ في المقتضي فالملازمة الاقتضائية ـ أيضاً ـ غير محرزة، فلا توجد هيئة برميّة ولو بالمسامحة، وبهذا يصبح الدليل مختصّاً بصورة الشكّ في الرافع.

والجواب: أنّ هذا إنّما يتمّ لو اُضيف النقض في العبارة إلى تلك الملازمة أو إلى ما يدلّ على ذات المتلازمين بما هما متلازمان، فإنّ النقض بمعنى حلّ الفتل يضاف إلى ما اُخذ فيه معنى البرم والملازمة، كما في(نقضتُ البرهان) حيث اُخذ في مفهوم كلمة(البرهان) الملازمة بين المقدمات والنتيجة. وأمّا إذا اضيف النقض إلى ما ليس فيه معنى الملازمة أو الفتل كما اُضيف إلى المتيقن في المقام حسب الفرض، فهنا لا معنىً لأن نأوّل الكلام بالحمل على نقض البرم باعتبار فرض الملازمة التي لم يشر إليها في الكلام أصلاً، وإنّما يفرض افتراضاً وجود تصوّرها في ذهن المتكلم.

والخلاصة: أنّ إسناد النقض إلى شيء لا يكفي فيه مجرّد تصوير هيئة برميّة بالمسامحة، بل لا بدّ من كون معنى البرميّة ماخوذاً في مصبّ النقض بحسب عالم اللفظ والاستعمال، نظير أنّ نسبة الجريان مثلاً إلى الميزاب بفرض ميزابيّة الميزاب منزّلةً منزلة الماء بعلاقة الظرف والمظروف إنّما تصحّ إذا اُخذت الميزابيّة في الكلام، وقيل:(جرى الميزاب)، ولا يصح أن يقال:(جرى الحديد) لمجرد الاطّلاع على أنّ ذلك الحديد ميزابٌ.

234

والمتحصّل من كلّ ما مضى: أنّ نظر الشيخ الأعظم(قدس سره) إن كان إلى فرض الهيئة الاتّصالية فتلك الهيئة وإن كان يمكن دعوى أخذها في اللفظ، بدعوى: أنّ اليقين بمعنى المتيقّن استعمل في الفرد الطويل الأمد، فيتضمّن الاتّصال، لكن الهيئة الاتّصالية لا تفيد في المقام؛ لأنّ النقض يكون في مقابل الإبرام، ويحتاج إلى الهيئة الفتليّة التي هي عبارة عن التفاف شيء بشيء لا عن الاتّصال بمعنى الامتداد. وإذا كان نظره إلى الهيئة البرميّة المفروضة مسامحة بمناسبة التلازم الاقتضائي فتلك الهيئة غير ماخوذة في الكلام.

والصحيح: ما أشرنا إليه من أنّ النقض قد اُخذ في مفهومه أمران:

أحدهما: الحلّ، فهو ليس قطعاً للاتّصال والامتداد، وإنّما هو حلّ للفتل.

وثانيهما: الشدّة والقوّة، وبهذا يفترق عن كلمة(الحلّ). وأظنّ أنّه لأجل ذلك ذكروا في اللغة: أنّ النقض خلاف الإبرام، ولم يذكروا: أنّه خلاف البرم؛ وذلك لأنّ الإبرام عبارة عن جودة البرم وإحكامه، وعندئذ يمكن استعمال كلمة(النقض) مجازاً بأحد وجهين:

الأوّل: أن يسلخ عنه العنصر الأوّل من مفهومه رأساً، ويستعمل بلحاظ العنصر الثاني فقط، واعتبارِ الشدّة والقوّة بنكتة من النكات.

والثاني: أن يلحظ كلا عنصريه، ويتحفّظ على كليهما باعتبار من الاعتبارات.

وفي تطبيق ذلك على المقام نقول: إمّا أن نبني على ما بنى عليه الشيخ الأعظم(قدس سره) من أنّ المقصود من اليقين هو المتيقّن، وإمّا أن لا نبني عليه، بل نقول: إنّ المقصود به هو اليقين وهو الحق على ما سوف ياتي إن شاء الله.

فان بنينا على الأوّل، أي: أنّ المقصود باليقين هو المتيقن قلنا: إنّ كلمة(النقض) قد سلخت في المقام عن مفهوم الحلّ رأساً، واُريد بها مطلق الرفع، وإنّما استعملت كلمة(النقض) بمناسبة العنصر الثاني وهي الشدّة والقوّة. والنكتة البلاغية في تطعيم الرفع هنا بالشدّة والقوّة واضحة، وهي: أنّ المتكلم حينما يردع عن شيء مّا يناسب أن يُبرِز المردوع عنه بأفظع صورة ممكنة، فقد عبّر عن رفع اليد عن اليقين بالنقض إبرازاً لفظاعة رفع اليد عن اليقين.

وإن بنينا على الثاني ـ أي: إنّ المقصود باليقين هو اليقين لا المتيقّن ـ فالعنصر الأوّل من مفهوم النقض ـ أيضاً ـ محفوظ في المقام؛ وذلك باعتبار ما يُرى في مفهوم اليقين من التفاف حول المتيقّن، وانفتال معه، كما هو الحال في سائر الصفات الحقيقية ذات الإضافة، وبهذه المناسبة ينسب النقض إلى العهد وإلى البيعة، فكأنّه يقول: لا تنقض اليقين ولا تفصله عن المتيقّن.

235

على أنّه لو لم نقبل ثبوت الإبرام في مفهوم اليقين كفانا ـ أيضاً ـ لحاظ العنصر الثاني من عنصري مفهوم النقض في تصحيح استعمال النقض، وقلنا أيضاً: إنّ النكتة البلاغية في استعمال كلمة(النقض) بدلاً عن(الرفع) هي إبراز فظاعة رفع اليد عن علمه، كما أنه بهذه النكتة ـ أيضاً ـ عبّر باليقين لا بالعلم مثلاً حيث إنّ لفظ اليقين أعمق وأبلغ في إعطاء الاستحكام، فالتعبير به يؤثّر في إبراز فظاعة النقض.

هذا تمام الكلام في المقدمة الثانية، وهي: أنّه لا يصحّ إسناد النقض الى المتيقّن إلاّ مع فرض إحراز المقتضي، وقد عرفت عدم تماميتها.

والآن نشرع في الكلام عن المقدمة الاُولى، وهي: أنّ النقض ـ بحسب الواقع ـ مسند إلى المتيقّن لا إلى اليقين وإن كان في ظاهر العبارة مسنداً إلى اليقين.

وهذه الدعوى يمكن صوغها بعدة صياغات:

الصياغة الاُولى: أن يقال: إنّ كلمة(اليقين) استعملت مجازاً في المتيقّن.

ولا يخفى: أنّ هذه الدعوى في نفسها في غاية الوهن؛ إذ مضافاً إلى أنّ استعمال اليقين في المتيقن مجازاً ليس استعمالاً مقبولاً عرفاً لا يناسب ذلك خصوص عبارة الحديث في المقام؛ إذ قد اُضيف فيها اليقين إلى المتيقّن، فقيل: إنّك كنت على يقين من وضوئك، فكيف يصحّ أن نحمله على إرادة المتيقّن مجازاً؟! ولو فرض أنّ المقصود باليقين في قوله:«كنت على يقين من ضوئك» هو اليقين لا المتيقّن، ولكن المقصود بقوله عقيب ذلك:«ولا ينبغي لك أن تنقض اليقين بالشكّ» هو المتيقّن، كان هذا أيضاً ـ كما ترى ـ تفكيكاً ركيكاً وخلاف الظاهر جدّاً.

إلاّ أنّه قد يستدلّ على هذه الدعوى ـ أي: دعوى كون اليقين مستعملاً مجازاً في المتيقّن ـ بوجهين ذكرهما في الكفاية وأبطلهما:

الوجه الأوّل: أنّ النهي عن النقض يستدعي القدرة عليه، ونقض اليقين ليس مقدوراً وإنّما المقدور هو نقض المتيقّن.

ويمكن أن يقول شخص: إنّنا وإن سلّمنا عدم القدرة على نقض اليقين، ولكنّنا نرجع النقض إلى المتيقّن بصياغة اُخرى غير استعمال اليقين في المتيقّن مجازاً، ولكن هذا باعتباره راجعاً إلى إحدى الصياغات الاُخرى نؤجّل الكلام عنه، ولا نذكره كإبداء مناقشة على الكلام هنا.

وعلى أيّ حال فقد أجاب المحقّق الخراساني(رحمه الله) في الكفاية على هذا الوجه بأنّه: إن اُريد بالنقض النقض الحقيقي، فهو غير مقدور حتّى في المتيقّن، وإذا كان مقدوراً ـ كما لو علم

236

بطهارة الثوب وهو يقدر على تنجيسه ـ فمن الواضح أنّه ليس هو المنهيّ عنه في دليل الاستصحاب. وإن اُريد به النقض العملي، فهو مقدور حتّى في اليقين بأن لا يعمل على طبقه(1).

وهو(رحمه الله) يرى أنّ اليقين استعمل في معناه الحقيقي، ويقول: إنّ مصحّح استعمال النقض هو الاستحكام الذاتي لنفس اليقين، الثابت في فرض الشكّ في المقتضي وفي فرض الشكّ في الرافع(2). وعبارته هنا لا تخلو من غموض، فلا يُعلم أنّ مقصوده: أنّ اليقين بذاته شيء مستحكم، وهذا هو مصحّح إسناد النقض أو أنّ مقصوده ما اخترناه من التفاف اليقين بالمتيقّن واستحكامه به. وعلى أيّ حال فهو(رحمه الله) يبطل كلا وجهي الاستدلال على استعمال اليقين في المتيقّن، ويختار استعماله في معناه الحقيقي وعدم اختصاص الحديث بالشكّ في الرافع؛ لأنّ مصحّح إسناد النقض هو الاستحكام الموجود في نفس اليقين الذي يكون ثابتاً سواء اُحرز وجود المقتضي أم لا.

الوجه الثاني: أنّ النقض وإن كان بلحاظ الآثار وليس نقضاً حقيقياً، لكن لو فرض إسناده إلى اليقين لزم أن يكون المقصود من الحديث ترتيب آثار اليقين الذي يكون موضوعاً لأحكام اُخرى، كما لو وجب التصدّق عند اليقين بالطهارة دون آثار متعلّقه، مع أنّه لا إشكال في إرادة ترتيب آثار متعلّقة.

وأجاب المحقق الخراساني(رحمه الله) عن هذا الوجه ـ وهو يقبل بأصل الروح العامّة في هذا الوجه ـ: بأنّ اليقين إنّما لوحظ هنا مرآةً إلى المتيقّن، فكأنّه يُرى المتيقّن لا المرآة، فيرتّب آثار المتيقّن(3).

ويرد على هذا الكلام مضافاً إلى ما سوف يأتي ـ إن شاء الله ـ من عدم صحّة لحاظ المرآتية في المقام ما ذكره تلميذه المحقّق العراقي(رحمه الله) من أنّ هذا هدم لأصل مبناه؛ إذ لو كان اليقين لوحظ مرآةً فيُرى المتيقّن ويغفل عن المرآة، فكيف يكون المصحّح للنقض استحكام


(1) راجع الكفاية: ج 2، ص 287 بحسب الطبعة المشتملة في حاشيتها على تعليق المشكيني، وخصوص عدم إرادة نقض المتيقّن في مورد القدرة على نقضه قد تكون مقصودة من عبارة الكفاية، ولكن عبارة تعليقته على الرسائل صريحة فيه، راجع التعليقة ص 189 بحسب طبعة بصيرتي.

(2) نفس المصدر: ص 285.

(3) نفس المصدر: ص 287 ـ 288.

237

اليقين(1)؟!

إلاّ أنّ المحقّق العراقي(رحمه الله) أجاب عن هذا الإشكال بما يرجع إلى الأدب أكثر منه إلى الاُصول، فذكر: أنّه حيث كان اليقين ماخوذاً مرآة اكتسب المتيقّن لون المرآة من الاستحكام، كما أنّ النور المنعكس من زجاجة ملونة يكتسب لون تلك الزجاجة(2). وسوف يأتي ـ إن شاء الله ـ بيان ضعف هذا الكلام.

والتحقيق في المقام: ما ذكره المحقّق العراقي(رحمه الله) من أنّه لا مانع من إرادة نقض آثار اليقين وانطباق ذلك في نفس الوقت على آثار المتيقّن؛ وذلك لأنّه لو اُريد بالآثار الأحكام الشرعية تأتّى ما مضى من أنّه إذا صرف النقض إلى آثار اليقين لم يثبت في باب الاستصحاب آثار المتيقّن، ولكن لو اُريد بها الأثر العملي الذي يتطلّبه اليقين فكلّ آثار المتيقّن هي آثار لليقين، فإنّ المتيقّن إنّما يحرّكنا نحو آثاره عملاً بواسطة اليقين المتعلّق به كما هو واضح(3).

الصياغة الثانية: ما قلنا: إنّه يستفاد من جواب المحقّق الخراساني(رحمه الله) على الوجه الثاني للصياغة الاُولى، وهو: أنّ اليقين وإن استعمل في معناه الحقيقي ولكن يكون النقض بلحاظ المتيقّن، وتقريبه ـ على ما هو الظاهر من عبارته(قدس سره) في الكفاية ـ هو ما مضت الإشارة إليه من أنّ اليقين لوحظ مرآةً للمتيقّن، ببيان: أنّ مصاديق اليقين هي مرآة إلى مصاديق المتيقّن، فتسري هذه المرآتية من المصاديق إلى المفاهيم باعتبارها عناوين للمصاديق، وتُرى بها المصاديق، فلوحظ مفهوم اليقين هنا مرآة لمفهوم المتيقّن من باب أنّ مصاديقه مرآة لمصاديقه.

وهذا البيان يفيد الشيخ الأعظم(قدس سره)، لأنّه بعد أن لم يكن اليقين ملحوظاً بذاته لا فائدة في ما فيه من الاستحكام أو الإبرام في تصحيح كلمة(النقض)، ونحتاج إلى فرض الاستحكام أو الإبرام في ما هو الملحوظ وهو المتيقّن.


(1) راجع المقالات: ج 2، ص 767 بحسب طبعة مجمع الفكر الإسلامي، ونهاية الأفكار: القسم الأوّل من الجزء الرابع، ص 82 ـ 83 بحسب طبعة جماعة المدرّسين بقم.

(2) راجع المقالات: ج 2، ص 367 ـ 368 بحسب طبعة مجمع الفكر الإسلامي، ونهاية الأفكار: القسم الأوّل من الجزء الرابع، ص 83 بحسب طبعة جماعة المدرّسين بقم.

(3) راجع المقالات: ج 2، ص 367 بحسب طبعة مجمع الفكر الإسلامي، ونهاية الأفكار: القسم الأوّل من الجزء الرابع، ص 78 ـ 79، و81 ـ 82 بحسب طبعة جماعة المدرّسين بقم.

238

والذي ذكره(قدس سره) في تعليقته على الرسائل غير هذا، فإمّا إنّ ظاهر عبارة الكفاية غير مقصود، وإنّما المقصود ما ذكره في تعليقته على الرسائل. وإمّا إنّ هنا تهافتاً بين المقصودين، وسوف نذكر ما ذكره في التعليقة في الصياغة الثالثة ـ إن شاء الله ـ.

وأورد المحقّق العراقي(رحمه الله) على ما يستفاد من الكفاية بما مضى من أنّ هذا هدم لمبناه من كون مصحّح استعمال النقض هو استحكام اليقين، فإنّ المفروض أنّ اليقين لوحظ فانياً في المتيقّن ومرآة له، إذن فلا بدّ من فرض استحكام في المتيقّن(1).

وأجاب على هذا الإيراد بما مضى عنه من أنّ المتيقّن اكتسب لون اليقين الفاني فيه، كما أنّ السراج يكتسب لون الزجاجة الملتفّة حوله(2).

أقول: إنّ قياسه(قدس سره) للمقام بمثال السراج في غير محلّه، فإنّ مثال السراج مرتبط بالتأثيرات التكوينية في عالم الحسّ الخارجي، فنور السراج يكتسب تكويناً ذبذبة معيّنة، فتؤثر صورة في شبكة العين تكويناً، ونسمّيها باللون الفلاني، وأين هذا من الفناء الذهني وكون المفنّي فيه يكتسب بحسب عالم الذهن لون الفاني أو لا؟! وكيف يمكن الاستشهاد على الاكتساب باكتساب تكويني يقع خارجاً في عالم الطبيعة غير مرتبط بباب الفناء الذهني؟! هذا حال الاستشهاد الذي ذكره.

وأمّا تحقيق الكلام في أصل ما أفاده(رحمه الله) فهو: أنّه ليس المفنيّ فيه في باب الفناء الذهني يكتسب لون الفاني، وإنّما الفاني يكتسب لون المفنيّ فيه، وتوضيحه يكون بتوضيح معنى الفناء المعقول، فنقول: إنّه لو صار البناء على التدقيق في العبارة التي تقال من أنّ العنوان الفلاني لوحظ فانياً في معنونه، فقد يبدو في النظر تهافت في هذا الكلام؛ إذ معنى قولنا:«لوحظ» أنّه وجد بالوجود اللحاظي، ومعنى قولنا:«فانياً» أنّه ليس له وجود في عالم اللحاظ والالتفات، وهذا تناقض وتهافت. والتحقيق: أنّ المعنى المعقول لهذا الكلام هو أنّ العنوان الموجود في الذهن كعنوان الإنسان مثلاً الموجود في الذهن تارة يلحظ واقعه وحقيقته بالحمل الشائع، فيُرى أنّه حالة ذهنية، وأنّه جزء من المتصورّ بهذا العنوان، واُخرى يلحظ عنوانه بالحمل الأوّلي لا واقعه وحقيقته، فيُرى أنّه إنسان خارجي تصدق عليه الحيوانية والناطقية، ومعنى الفناء هو أن نلحظ ما يمكن فيه هذا اللحاظان بالحمل الاوّلي،


(1) مضى مصدر الكلام آنفاً.

(2) مضى مصدر الكلام آنفاً.

239

ونلحظ عنوانه لا واقعه فقد افنينا واقعه وأخذنا بعنوانه، ولاحظناه فقط، فكأنّنا تخيّلنا أنّ هذا العنوان هو واقعاً حيوان وناطق ويتمتّع بخصوصيات الإنسان الخارجي، فهذا هو المعنى المعقول لما يقال من أنّ عنوان الإنسان لوحظ فانياً في معنونه ومصداقه، وبهذا يظهر أنّ الفاني هو الذي يكتسب لون المفنيّ فيه لا العكس.

وبما ذكرنا من شرح نكتة الفناء ظهر ـ أيضاً ـ بطلان ما يظهر من عبارة الكفاية من أنّ مفهوم اليقين يلحظ في المقام فانياً في مفهوم المتيقّن من باب سريان الفناء من المصداق إلى المفهوم باعتباره عنواناً للمصداق، فإنّه وإن كان المفهوم عنواناً للمصداق ووجهاً له ولكنّه لا يسري الفناء إليه؛ لعدم تحقّق نكتة الفناء فيه، فإنّ مصداق اليقين فان في المتيقّن، بمعنى: أنّه حينما يلحظ ما في نفس صاحب اليقين من عدالة زيد مثلاً بالحمل الأوّلي يُرى أنّه حالة في زيد وكمال له، وإن كان حينما يلحظ بالحمل الشائع يُرى أنّه حالة نورانية لصاحب اليقين، وأمّا مفهوم اليقين الموجود في ذهن شخص فهو لا يُرى عين المتيقّن لا بالحمل الأوّلي ولا بالحمل الشائع، فإنّه بالحمل الأوّلي عبارة عن الانكشاف، وبالحمل الشائع عبارة عن حالة في نفس متصوِّره وجزء من ذهنه وأفكاره، فما يظهر من عبارة الكفاية من لحاظ مفهوم اليقين فانياً في مفهوم المتيقّن غير معقول.

إلاّ أنّ المظنون أنّ مراده(رحمه الله) ليس هو ما يظهر من عبارته، بل مراده ما ذكره في تعليقته على الرسائل.

الصياغة الثالثة: ما ذكره المحقّق الخراساني(رحمه الله) في تعليقته على الرسائل من أنّ اليقين اُريد به بحسب المدلول الاستعمالي معناه الحقيقي، لكنّه كنّى به عن مراد جدّي هو المتيقّن، من قبيل ما يقال من أنّ زيداً كثير الرماد، فتكون كلمة(كثير الرماد) مستعملة في معناها الحقيقي، لكنّ المقصود الجدّي هو الكرم وكثرة الضيف(1).

وسوف يأتي ـ إن شاء الله ـ تحقيق حال هذا الوجه، وأنّه هل يحمل الكلام في المقام على الكناية أو لا، إلاّ أنّنا نذكر هنا أنّ هذا الوجه لو تمّ لم يفد الشيخ الأعظم(قدس سره).

توضيحه: أنّ الشيخ الأعظم(رحمه الله) كأنّه يرى كفاية ما في اليقين من الاستحكام ـ كما عبّر به في الكفاية ـ أو الالتفات حول المتيقّن ـ كمّا عبّرنا به ـ في صحة استعمال النقض إذا كان مسنداً إلى اليقين، فحاول بيان: أنّ النقض يرجع إلى المتيقّن حتّى يظهر الاحتياج إلى إبرام أو


(1) راجع حاشية كتاب فرائد الاُصول، ص 188 بحسب طبعة مكتبة بصيرتي.

240

استحكام في المتيقّن، وذلك لا يكون إلاّ عند إحراز المقتضي مثلاً، فيثبت اختصاص الاستصحاب بصورة إحراز المقتضي، وهذا المقصود للشيخ الأعظم(قدس سره) كما ترى تفيده الصياغة الاُولى، وهي: أنّ اليقين إنّما استعمل بمعنى المتيقّن، فإنّه لو كان مستعملاً في المتيقّن إذن فلا أثر للاستحكام، أو الإبرام الموجود في اليقين في تصحيح كلمة(النقض)، ولا بدّ من استحكام أو إبرام في المتيقّن مثلاً كما تفيده ـ أيضاً ـ الصياغة الثانية، فإنّه لو لوحظ اليقين فانياً في المتيقّن، أي: إنّ النظر كان إلى المتيقّن لا إلى اليقين، فمن الطبيعي أن لا يفيد ما في اليقين من الاستحكام أو الإبرام في تصحيح كلمة(النقض)؛ إذ ليس النظر والالتفات إلى اليقين، وإنّما الالتفات إلى المتيقّن، فلا بدّ من فرض إبرام أو استحكام في المتيقّن، ولكن لا تفيده الصياغة الثالثة؛ إذ لو سلّمنا استعمال اليقين في معناه الحقيقي وكونه ملحوظاً في المقام، فلا محالة يكفي ما فيه من إبرام أو استحكام، فإنّه وإن كان المقصود الجدّي هو المتيقّن لكنّنا في مقام تصحيح استعمال كلمة(النقض) لا نحتاج إلى أزيد من وجود نكتة صدق النقض في عالم المراد الاستعمالي. فهذا الوجه لو تمّ لم يفد في تحقيق هدف الشيخ الأعظم(قدس سره).

الصياغة الرابعة: ما ذكره المحقّق النائيني(رحمه الله)، وعبارة كلا تقريري بحثه في غاية التشويش، ويكاد أن لا يتحصّل منها شيء عدا تكرار نفس المدّعى(1)، ويمكن أن يكون مقصوده(قدس سره) أحد أمرين، وكلاهما يرجع إلى بيان الاحتياج إلى إحراز المقتضي بلا حاجة إلى دعوى كون المقصود من اليقين هو المتيقّن، فهذا في الحقيقة ليس صياغة رابعة للمقدّمة الاُولى من المقدّمتين اللتين مضتا في مقام بيان دليل الشيخ الأعظم(قدس سره) على اختصاص الاستصحاب بالشكّ في الرافع، وإنّما هو استغناء عن المقدّمة الاُولى، فلا نقول: إنّ المقصود من اليقين هو المتيقّن في مرحلة الاستعمال كما هو الحال في الصياغة الاُولى، ولا في مرحلة اللحاظ والالتفات كما هو الحال في الصياغة الثانية، ولا في مرحلة المراد الجدّي كما هو الحال في الصياغة الثالثة، بل نقول: إنّ المقصود باليقين هو اليقين، ولكن مع هذا نحتاج إلى إحراز المقتضي في مقام صدق النقض؛ وذلك لأحد أمرين:

الأمر الأوّل: ما هو أبعد الاحتمالين في مراده(قدس سره) وإن كان هو في نفسه وجهاً في إثبات المدّعى، وهو: أنّ النقض يحتاج إلى فرض إحكام أو إبرام في متعلّقه، وهنا قد تعلّق النقض


(1) راجع فوائد الاُصول: ج 4، ص 135 ـ 137 بحسب الطبعة المنشورة من قبل مؤسّسة النصر ومكتبة الصدر وص 373 ـ 377 بحسب طبعة جماعة المدرّسين بقم، وراجع أجود التقريرات: ج 2، ص 378 ـ 380.

241

باليقين، فلا بدّ من فرض ذلك فيه ولو مسامحة، وذلك إنّما يكون عند وجود المقتضي، من باب أنّ مقتضي المتيقّن مقتض لليقين، وبقاء مقتضي اليقين يعتبر بالمسامحة بقاءً لليقين.

ويرد عليه: أوّلاً: كفاية ما ذكرناه من إبرام اليقين والتفافه حول المتيقّن، فلا حاجة إلى فرض استحكام أو إبرام آخر.

وثانياً: أنّ أسباب اليقين ومقتضياته وشرائطه وموانعه ليست عبارة عن أسباب المتيقّن ومقتضياته وشرائطه وموانعه، وإنّما المقتضي لليقين هو العلم بمقتضي المتيقّن مع العلم بشرطه والعلم بعدم مانعه، فالعلم بعدم المانع والعلم بالمقتضي كلاهما في عرض واحد داخلان في مقتضي اليقين، لا أنّ أحدهما مقتض له والآخر مانع عنه، وقد يكون المقتضي للمتيقّن موجوداً ومحرزاً ولا يكون المقتضي لليقين موجوداً، وذلك كما لو لم نعلم بعدم المانع، فإنّ المقتضي لليقين في كلّ آن هو اليقين بوجود المقتضي والشرط وعدم المانع للمتيقّن في ذلك الآن، فليس اليقين ممّا لو خلّي وعمود الزمان يبقى، فبحسب ما يقال في ضابط المقتضي والمانع في المقام(من كون الشيء يبقى لو خلّي وعمود الزمان أو لا؟) لا يكون مقتضي اليقين موجوداً في حين ان مقتضي المتيقّن موجود.

الأمر الثاني: ما يظنّ كونه هو المراد للمحقّق النائيني(قدس سره) ويستشفّ من وراء تلك العبارات المشوّشة، وهو: أنّ المقصود ليس هو النقض الحقيقي لليقين، وإنّما المقصود هو النقض العملي له، أي: النقض بحسب الجري العملي، وهذا معناه نقض الجري العملي، إذن لا بدّ من فرض استحكام أو إبرام مسامحي في الجري العملي، وذلك يكون ببقاء مقتضي الجري العملي، ومقتضي الجري العملي عبارة عن مقتضي المتيقّن، فإنّ المتيقّن هو الذي يحرّك نحو العمل ولو بلحاظ انكشافه باليقين، إذن فلا بدّ من بقاء مقتضي المتيقّن وكون الشكّ في الرافع.

ويرد عليه: أنّ النقض هنا وإن كان نقضاً عملياً، لكن معنى ذلك هو كون الجري العملي مأخوذاً في نفس مفهوم النقض، فالنقض نقض عملي لليقين في مقابل كونه نقضاً حقيقياً له، لا أنّه نقض للجري العملي حتّى نحتاج إلى استحكام أو إبرام في الجري العملي، وصحيحٌ أنّ واقع المطلب هو إرادة نقض الجري العملي، ولكن بحسب عالم الاستعمال قد اُخذ الجري العملي في مفهوم النقض، واُسند النقض إلى اليقين، وفرض تقدير كلمة(العمل) مثلاً في المقام بأن يقال: إنّ الأصل هو(لا تنقض العمل باليقين) ليس عرفياً، إذن فنحن إنّما نحتاج إلى إبرام في اليقين، ويكفينا إبرام اليقين والتفافه حول المتيقّن.

242

ولو فرض أنّ إبرام اليقين يجب أن يكون إبراماً بحسب الجري العملي حتّى يكفي في صدق النقض العملي، قلنا: إنّ التفاف اليقين حول المتيقّن كما يكون بلحاظ عالم الانكشاف كذلك يكون بلحاظ عالم الجري العملي.

وقد تحصّل من كلّ ما ذكرناه: أنّ كلمة(النقض) لا توجب اختصاص مفاد الحديث بالشكّ في الرافع.

ثم لو سلّمنا كون كلمة(النقض) توجب اختصاص مفاد الحديث بالشكّ في الرافع قلنا: إنّ روايات الاستصحاب ليست كلّها مشتملة على كلمة(النقض)، فيجب أن نحسب حساب روايات اُخرى أيضاً، فنقول: إنّ الصحيحة الاُولى والثانية والثالثة، ورواية الخصال كلّها مشتملة على كلمة(النقض)، وبعض الروايات تشتمل على ما يشبه كلمة(النقض) من قبيل:(اليقين لا يدخله الشكّ)، فقد يمكن جعل كلمة(الدخول) ونحوه ببعض البيانات من قبيل كلمة(النقض)، ولكن توجد روايتان ليست فيهما كلمة(النقض) ولا ما يشبهها.

إحداهما: ما مضى من رواية إسحاق بن عمّار:«إذا شككت فابنِ على اليقين. قال: هذا أصل؟ قال: نعم». فهذه الرواية تدلّ على حجّيّة الاستصحاب مطلقاً، إلاّ أنّها ضعيفة سنداً(1). وأمّا من حيث الدلالة فقد مضى منّا تماميّة دلالتها على الاستصحاب، ولو تمّت دلالتها على الاستصحاب فهي تدلّ ـ لا محالة ـ بالإطلاق على الاستصحاب في موارد الشكّ في المقتضي.

نعم، إن قلنا: إنّها تفيد قاعدة اليقين مثلاً لا الاستصحاب، فهي تخرج موضوعاً عن محلّ البحث، ولا تدلّ على تعميم الاستصحاب لموارد الشكّ في المقتضي.

وإن فرضناها مرددةً بين الاستصحاب وقاعدة اليقين أثّرت في إيجاب الاحتياط على من يرى كلمة(النقض) غير ملائمة للشكّ في المقتضي، فبهذا السبب يرفع اليد عن صحاح زرارة في الشكّ في المقتضي، فعليه أن يحتاط في موارد الاستصحاب في الشكّ في المقتضي فيما يثبت حكماً إلزامياً، وفي موارد قاعدة اليقين فيما تثبت حكماً إلزامياً للعلم الإجمالي بحجّيّة احدهما بمقتضى هذا الحديث.

وثانيتهما: ما مضى ـ أيضاً ـ من صحيحة عبدالله بن سنان في ثوب اُعير من الذمي وفيها:«فإنّك أعرته إيّاه وهو طاهر ولم تستيقن أنّه نجّسه، فلا بأس أن تصلّي فيه حتّى


(1) مضى نقاشنا في دعوى ضعف سند هذه الرواية.

243

تستيقن أنّه نجّسه». فهذا الحديث ـ أيضاً ـ غير مشتمل على كلمة(النقض) وشبهها، فيمكن الاستدلال به على حجّيّة الاستصحاب في موارد الشكّ في المقتضي، إلاّ أنّه يمكن المناقشة في ذلك بأنّه(عليه السلام) عبّر بقوله:«ولم تستيقن أنّه نجّسه» وبقوله:«حتّى تستيقن أنّه نجّسه» فخصوصيّة كون الشكّ في الرافع موجودة في الكلام، وليست هذه الخصوصيّة من الخصوصيّات التي يلغيها العرف ويحملها على المثاليّة.

وعلى أيّة حال، ففيما عرفت من عدم صحّة أصل الاستشكال في الشكّ في المقتضي بواسطة كلمة(النقض) غنىً وكفاية.

وقد تحصّل بكلّ ما ذكرناه: أنّ الاستصحاب حجّة مطلقاً، من دون تفصيل بين الشبهات الحكميّة والموضوعيّة، ومن دون تفصيل بين الحكم المستفاد عن طريق الدليل اللفظي والحكم المستفاد عن طريق الدليل العقلي، ومن دون تفصيل بين موارد الشكّ في الرافع وموارد الشكّ في المقتضي(1).

 


(1)

التفصيل بين الأحكام التكليفية والوضعية:

وقع هناك حديث في التفصيل بين الأحكام التكليفية والأحكام الوضعية، بأن يقال: إنّ الاستصحاب في الأحكام التكليفية يجري، ولكنّه في الأحكام الوضعية أو بعضها لا يجري، وتعارف لدى الأصحاب أن بحثوا بهذه المناسبة أصل حقيقة الحكم الوضعي قبل أن يبحثوا: أنّ الاستصحاب يجري فيه أو لا يجري، فوقع هذا البحث في الرسائل والكفاية وبحث الشيخ النائيني، وكذلك في بحث السيّد الخوئي(رحمه الله) وإن كان السيّد الاُستاذ(رحمه الله) طوى هذا البحث في بحثه الخارج، وذكره مختصراً في الجزء الأوّل من الحلقة الثالثة.

حقيقة الحكم الوضعي:

الحكم التكليفي والحكم الوضعي كلاهما يشتركان في أنهما تشريع أو ما يشبه التشريع، وأقصد بما يشبه التشريع: الانتزاع من التشريع كما قد يقال بذلك في بعض الأحكام الوضعية، أو مجرّد الإرادة والكراهة المولوّيتين على ما يقول البعض في الأحكام التكليفية من أنّ روحها وحقيقتها إنّما هي الإرادة والحبّ، أو الكراهة والبغض، فبشكل عامّ ومع شيء من المسامحة ـ كي لا يشذّ عن حسابنا رأي يقول في الأحكام التكليفيّة: إنّها الإرادة والكراهة، ولا يشذّ عن حسابنا بعض الأحكام الوضعيّة الانتزاعيّة ـ نقول: الحكم تشريع، والتشريعات الإلهيّة هي الأحكام، والأحكام هي التشريعات، والتشريعات على قسمين: التشريعات التكليفية والتشريعات الوضعية.

244


وخير ما قيل بصدد الفرق بين التشريعات التكليفية والتشريعات الوضعية هو: أنّ التشريعات التكليفية هي التي توجّه سلوك المكلف مباشرة، والتشريعات الوضعية هي التشريعات التي لا توجّه سلوك المكلف مباشرة، بل إمّا شرّعت لتكون موضوعات لأحكام تكليفيّة أو تكون هي منتزعة من أحكام تكليفيّة، فهي تنظّم توجيهات ترد لسلوك المكلف أكثر من أن تكون موجّهة مباشرة لسلوك المكلف، في حين أنّ الأحكام التكليفيّة توجّه مباشرةً سلوك المكلف، فهي تقول: افعل، أو تقول: لا تفعل، أو تقول: يحسن أن تفعل، أو تقول: لا يحسن أن تفعل، أو تقول: أنت مخيّر مثلاً، وما إلى ذلك.

وقد اتّضح من ضمن هذا الكلام الذي ذكرناه أنّ الأحكام الوضعيّة على قسمين:

أحدهما: تشريعات تصبح موضوعات لأحكام تكليفية، من قبيل الزوجيّة مثلاً التي هي تشريع الهيّ من تشريعات الإسلام، وليست هي توجّه مباشرة سلوك المكلف، لكنّها تكون موضوعاً للأحكام التكليفيّة التي توجّه مباشرة سلوك المكلف من وجوب النفقة، أو وجوب الوطء أو جوازه، أو ما شابه ذلك من أحكام، وكذلك الملكيّة مثلاً التي هي تشريع الهيّ، وهي ـ أيضاً ـ موضوع للأحكام التكليفيّة التي هي الموجّهات المباشرة من قبيل جواز التصرّف من قبل المالك، أو حرمة التصرّف من قبل غير المالك، وما شابه ذلك.

والقسم الآخر: الأحكام الوضعيّة التي هي في طول الأحكام التكليفيّة بالانتزاع منها، وإن سمّيناها تشريعيّة فهي مشرّعة بالتّبع أو بالعرض والمجاز، وليست مشرّعة بالمعنى الحقيقي للكلمة، كما هو الحال في مثل شرطية الشي للمكلف به، أو جزئيّته أو مانعيّته.

هذان هما القسمان المألوف ذكرهما بالنسبة للأحكام الوضعيّة.

تقسيم الشيخ الخراساني للأحكام الوضعيّة:

إلاّ أنّ الشيخ الخراساني(رحمه الله) قسّم الأحكام الوضعيّة إلى ثلاثة أقسام بدلاً عن أن يقسّمها إلى قسمين، فقال: إنّ الأحكام الوضعية تنقسم إلى أقسام ثلاثة: أوّلها ما لا تناله يد التشريع أصلاً، لا بالاستقلال كما نقوله مثلاً في الملكيّة والزوجيّة، ولا بالتبع، أو قل: بالانتزاع من أحكام اُخرى كالشرطيّة للمكلف به، بل هي اُمور حقيقية وواقعية وتكوينية لا تجعل جعلاً تشريعياً ولو بالتبع وبالعرض والمجاز، أو بالانتزاع، وإن شئت أو أحببت أن تعبّر أنه تنالها يد الجعل قل: تنالها يد جعل التكوين، لا يد جعل التشريع، وذلك بتكوين موضوعها، وذلك من قبيل السببية والشرطية والمانعية بالنسبة لأصل التكليف، من قبيل أنّ زوال الشمس شرط، أو سبب لوجوب الصلاة، أو خلّو المرأة من الحيض شرط لوجوب الصلاة، او قل: الحيض مانع عن وجوب الصلاة، أو اليقظة شرط لوجوب الصلاة، أو الحضر شرط لوجوب التمام، أو الصوم او الصحّة شرط لوجوب الصوم، وما شابه ذلك. والقسم الثاني والثالث من هذه الأقسام الثلاثة الواردة في كلام المحقق الخراساني(رحمه الله)هما المعروفان، حيث إنّ القسم الثاني هو الذي تناله يد الجعل مباشرة بلا واسطة مستقلاً، كما أنّه يمكن ـ أيضاً ـ أن تناله يد الجعل انتزاعاً كالملكية مثلاً، حيث إنّ الملكية يمكن أن تنالها يد الجعل مباشرة بأن يشرّع المولى الملكية ويمكن ان يفترض أنّ

245


المولى شرّع جواز التصرّف مثلاً، ثمّ انتزع من جواز التصرّف الملكيّة، أو كالزوجيّة حيث يمكن افتراض أنّ الشريعة شرّعت الزوجيّة، إذن نالتها يد الجعل مباشرة، ويمكن افتراض أنّ الشريعة شرّعت جواز الوطء وما شابه ذلك من الأحكام، فانتزع منها الزوجيّة، والطهارة يمكن افتراض جعلها مباشرة ويمكن افتراض جعل أحكامها التكليفيّة، ثمّ انتزاع الطهارة من تلك وما شابه ذلك. هذا هو القسم الثاني، والصحيح الأقوى الظاهر من الأدلّة هو أنّها مجعولة مباشرة وليست منتزعة فهي وإن كان يمكن عقلاً أن تكون منتزعة كما يمكن عقلاً أن تكون مجعولة بالاستقلال، لكن الظاهر من لسان الأدلّة ومن المرتكز المتشرعي وما شابه ذلك أنّها هي مجعولة جعلاً استقلالياً. والقسم الثالث هي الأحكام الوضعية الانتزاعية من قبيل الشرطية والجزئية والمانعية للمكلف به، من قبيل: أنّ الطهارة شرط، أو النجاسة مانعة عن الصلاة، وما شابه ذلك، أو السورة جزء للصلاة، فهذه الشرطية والجزئية والمانعية تنتزع من الحكم التكليفي الذي تعلّق بالصلاة عن طهارة، أو تعلّق بالصلاة مع السورة وما شابه، وما أضافه الشيخ الخراساني(رحمه الله) إلى ما هو المعروف هو القسم الأوّل، وهو القسم الذي لا يكون أصلاً مجعولاً لا جعلاً حقيقياً أو جعلاً مستقلاً، ولا جعلاً تبعيّاً.

وقبل أن أبدأ بتحقيق المطلب أشير إلى كلمة كملاحظة عابرة وهي: أنّ الشيخ الآخوند(رحمه الله)حينما أراد أن يمثّل للقسم الأوّل مثّل بالشرطيّة والسببيّة والمانعيّة لأصل التكليف، وهنا للسيد الخوئي كلام حيث يقول: إنّ الفرق بين الشرطية والسببية مجرّد اصطلاح بحت، ففي واقع الأمر يوجد لدينا شيئان: الشرطية والمانعية، أمّا الشرطية والسببية فالفرق بينهما فرق اصطلاحي بحت، فقد اصطلح الفقهاء أو المحقّقون العلماء على أنّ المشروط لو كان حكماً تكليفياً سُمّي الشرط شرطاً ولو كان حكماً وضعياً سُمّي الشرط سبباً، هذا اصطلاح فقط لا أكثر، مثلاً بالنسبة لوجوب الصلاة الذي هو حكم تكليفي يسمّى زوال الشمس شرطاً لوجوب الصلاة، أو يسمّى العقل أو اليقظة شرطاً لوجوب الصلاة؛ لأنّ وجوب الصلاة أمر تكليفي. أمّا الملكية التي هي حكم وضعي فيسمّى البيع الذي هو شرط لحصولها سبباً فيقال: البيع أو الشراء سبب لحصول الملكية، أو الحيازة، هذا ما يقوله السيد الخوئي.

أمّا الشيخ الآخوند فلا أظنّه ينظر إلى هذا المعنى، وأظنّه يقصد بالسبب الموضوعات الرئيسة، وبالشرط الموضوعات الجانبية، أي: إنّ الشيء الرئيس الأصلي يفترضه سبباً سواء في الأحكام التكليفيّة أو في الأحكام الوضعيّة، أو أنّه ينظر إلى الأحكام التكليفيّة فحسب، ولا ينظر إلى الأحكام الوضعيّة، والموضوع الرئيس لتلك الأحكام يسمّيه سبباً، والاُمور الجانبية الدخيلة في الموضوع يسمّيها شرطاً.

وعلى أيّ حال فسواء كان الأمر هكذا أو هكذا لا يؤثّر ذلك في جوهر المطلب.

والآن نعود إلى تحقيق البحث في المقام ونعقد البحث في عدّة اُمور:

أوّلاً: في القسم الذي أضافه الشيخ الآخوند(رحمه الله) من الأحكام الوضعيّة التي لا تقبل الجعل المستقلّ ولا الانتزاع من الجعل أو الجعل التبعي، وهي السببيّة والشرطيّة والمانعية لأصل التكليف.

وثانياً: في القسم الأوّل من القسمين المعروفين للأحكام الوضعيّة، وهي القابلة للجعل الاستقلالي وللانتزاع او الجعل التبعي، كالزوجية والملكية والتي اشتهر القول فيها بالجعل الاستقلالي.

وثالثاً: في القسم الثاني من القسمين المعروفين للأحكام الوضعية، وهي الانتزاعية كالجزئيّة والشرطيّة

246


والمانعيّة.

ورابعاً: في بحث إشكال الاستصحاب في الأحكام الوضعيّة أو خصوص الانتزاعيّة منها.

ثم نختم الحديث عن الأحكام الوضعيّة ببحث حقيقة الطهارة والنجاسة، هل هما مجعولتان شرعيّتان، أو حقيقتان واقعيتان؟

بحث القسم الأوّل من تقسيم الشيخ الخراساني:

أمّا الأمر الأول، وهو البحث عمّا أفاده الشيخ الخراساني(رحمه الله) في المقام من وجود أحكام وضعيّة بعيدة عن الجعل الأصلي والتبعي أو الانتزاعي معاً، فقد عرفت أنّه(رحمه الله) ادّعى أنّ السببيّة والشرطيّة والمانعيّة هي أحكام وضعيّة تكوينيّة، وأنّ هذه لا تقبل الجعل الاستقلالي ولا الجعل بالتبع، بل هي إن شئتم أن تسموها مجعولة قولوا: هي مجعولة جعلاً تكوينياً بتبع جعل نفس السبب، يعني نفس زوال الشمس، فالله الذي خلق زوال الشمس خلق سببيّته؛ لأنّ سببيّته صفته، أي: صفة زوال الشمس، وخالق الموصوف هو خالق الصفة بالتبع، وقد ذكر الشيخ الخراساني(رحمه الله) ـ بقدر ما هو وارد في الكفاية(1) ـ دليلين على المدّعى يبدو أنّه يريد بالدليل الأوّل أن يبطل فرض الانتزاع، وبالدليل الثاني أن يبطل كلا الشقّين، أي: فرض الانتزاع وفرض الجعل الاستقلالي:

الدليل الأوّل للشيخ الخراساني:

ففي الدليل الأوّل يقول: لا يمكن أن تكون السببيّة والشرطيّة والمانعيّة بالنسبة للأحكام التكليفيّة هي منتزعة من الحكم التكليفي؛ وذلك لأنّ الحكم التكليفي متأخّر عن الشرط والسبب، فكيف تكون الشرطيّة والسببيّة منتزعة من الحكم التكليفي، فوجوب الصلاة مثلاً متأخّر رتبة عن زوال الشمس تأخر الحكم عن موضوعه؛ لأنّ زوال الشمس موضوع لوجوب الصلاة، فوجوب الصلاة متأخّر عن زوال الشمس، فكيف تكون سببيّة زوال الشمس أو شرطيّة زوال الشمس لوجوب الصلاة منتزعةً عن وجوب الصلاة؟ وكأنه(رحمه الله) يريد أن يقول: إنّنا نعلم أنّ التأخّر الرتبي لوجوب الصلاة عن زوال الشمس نتج عن أنّ زوال الشمس شرط أو سبب، ولو لم يكن زوال الشمس سبباً أو شرطاً لوجوب الصلاة لما كان وجوب الصلاة متأخّراً عن زوال الشمس، فإنّما صار متأخراً لأنّه شرط أو سبب، فكيف يمكن أن تكون الشرطيّة أو السببيّة منتزعةً عن الحكم التكليفي وهو وجوب الصلاة؟! فلو كان وجوب الصلاة ثابتاً بقطع النظر عن الشرطيّة والسببيّة عندئذ قولوا: إنّ الشرطيّة منتزعة عن الحكم التكليفي، وهو وجوب الصلاة مثلاً، لكنّه ليس من المحتمل أن يكون وجوب الصلاة ثابتاً بقطع النظر عن الشرطيّة والسببية؛ لأنّ وجوب الصلاة متأخّر رتبة عن زوال الشمس، وهذا التأخّر الرتبي لا يمكن أن يكون


(1) ج 2، ص 303 ـ 304 بحسب الطبعة المشتملة في حاشيتها على تعليقات المشكيني

247


إلاّ بنكتة: أنّ زوال الشمس شرط أو سبب، وكذلك في المانع كالحيض مثلاً الذي هو مانع عن وجوب الصلاة.

وهنا الشيخ المشكيني الذي علّق على الكفاية يترجم كلام صاحب الكفاية، حيث قد يبدو عطف المانع على الشرط والسبب غريباً، فكون وجوب الصلاة متأخّراً عن الزوال أمر مفهوم، أمّا كون وجوب الصلاة متأخّراً عن الحيض فهو أمر غير مفهوم؛ فإنّ الحيض ينهي ويبطل الصلاة، فكيف يكون وجوب الصلاة متأخّراً عن الحيض؟! الشيخ المشكيني يقول: هذا معناه أنّ وجوب الصلاة بما أنّه كان متأخّراً عن عدم الحيض باعتبار أنّ عدم المانع شرط فوجوب الصلاة متأخّر عن عدم الحيض، وبما أنّ عدم الحيض والحيض نقيضان، والنقيضان في رتبة واحدة،فالمتأخّر عن أحد النقيضين متأخر عن النقيض الآخر، فوجوب الصلاة إذن متأخّر عن الحيض؛ لأنّه متأخّر عن عدم الحيض، وعدم الحيض مع الحيض نقيضان، أو اعكس الأمر وقل: إنّ عدم وجوب الصلاة متأخّر عن الحيض؛ لأنّ الحيض يفني وجوب الصلاة، فعدم وجوب الصلاة متأخّر عن الحيض، وعدم وجوب الصلاة مع وجوب الصلاة نقيضان، والنقيضان في رتبة واحدة؛ فإذن وجوب الصلاة متأخّر عن الحيض، الشيخ المشكيني يذكر شيئاً من هذا القبيل في المقام لتوجيه كلام صاحب الكفاية.

ولو كان هذا هو مقصود صاحب الكفاية يرد عليه إشكال: بأننا لا نقبل مبدأ: أنّ ما مع المتقدّم متقدّم وما مع المتأخّر متأخر، أو أنّ النقيضين في رتبة واحدة.

وإنّني اساساً لا أظنّ أنّ مقصود صاحب الكفاية هذا المعنى، وأظنّ أنّ مقصود صاحب الكفاية هو أنّ عدم وجوب الصلاة متأخّر عن الحيض؛ إذن لا يمكن أن تكون مانعيّة الحيض منتزعة عن عدم الوجوب، ولا معنى لافتراض أنّ مانعيّة الحيض منتزعة عن وجوب الصلاة كما كنّا نفترض أنّ شرطيّة زوال الشمس منتزعة عن وجوب الصلاة، فقال لنا الآخوند: إنّ شرطيّة زوال الشمس لا يمكن أن تكون منتزعة عن وجوب الصلاة؛ لأنّ وجوب الصلاة متأخّر رتبة عن زوال الشمس، هنا ـ أيضاً ـ لو كنّا نتخيّل أنّ مانعيّة الحيض منتزعة عن وجوب الصلاة يأتي الآخوند ويقول لنا: لا يمكن هذا؛ لأنّ وجوب الصلاة متأخّر، ولكن لا يظنّ بأحد أن يتخيّل أنّ مانعيّة الحيض منتزعة عن وجوب الصلاة، بل المناسب إنّما هو القول بأنّ مانعيّة الحيض منتزعة عن عدم وجوب الصلاة لدى الحيض، فيقول الآخوند: إنّه لا يمكن أن تكون مانعيّة الحيض منتزعة عن عدم وجوب الصلاة لدى الحيض؛ لأنّ عدم وجوب الصلاة متأخّر رتبة عن الحيض، وهذا التأخّر الرتبي نتيجة المانعيّة، فكيف تكون المانعيّة منتزعة عن عدم وجوب الصلاة، فلا حاجة بنا أن نمرّ بتلك المباني، مباني: أنّ النقيضين في رتبة واحدة، أو ما مع المتقدّم متقدّم، أو ما مع المتأخّر متأخّر، هذا هو الوجه الأوّل من وجهي الشيخ الآخوند(رحمه الله).

الدليل الثاني للشيخ الخراساني:

أمّا الوجه الثاني من الوجهين الواردين في الكفاية وهو يريد أن يبطل به كلا الشقّين، أي: إنّ هذه الأحكام السببيّة والمانعيّة والشرطيّة بالنسبة لأصل التكليف لا هي مجعولة جعلاً مستقلاًّ، ولا هي مجعولة جعلاً تبعياً، فهو أنّه لو لم تكن هناك نكتة تكوينيّة وهي عبارة عن الملاكات الأصليّة التكوينيّة التي جعلت زوال الشمس سبباً

249


الشريعة قبل زوال الشمس، وهذا الجعل يصبح فعلياً حينما تزول الشمس، وزوالها سبب أو شرط لفعليّة وجوب الصلاة، فلا يمكن ان تكون هذه الشرطيّة منتزعة من فعليّة وجوب الصلاة، وهذا صحيح، ولا يدّعي أحد أنّ شرطيّة زوال الشمس منتزعة من فعليّة وجوب الصلاة، إنّما المدّعى أنّ شرطيّة زوال الشمس منتزعة من جعل وجوب الصلاة، أي: حينما جعل المولى وجوب الصلاة ولم يجعله على الإطلاق بل جعله مقيداً بزوال الشمس انتزعت من ذلك شرطية الزوال، سنخ ما يقال في شرط المكلف به: من أنّه حينما أوجب الصلاة مقيّدة بالوضوء انتزع من ذلك أنّ الوضوء شرط في المكلّف به، فعين ذاك الكلام يأتي في طرف التكليف أيضاً.

وإذا أردنا أن نتكلّم بلغة اُستاذنا(رحمه الله) الذي لا يقبل بلغة الجعل والفعليّة، فهنا لا نحتاج إلاّ إلى تغيير بسيط في العبارة، فنقول: هذا خلط بين الجعل وطرفيّة الموضوع للجعل، أو طرفيّة الزمان للجعل، فهذه الطرفيّة متوقّفة على زوال الشمس، أمّا أصل الجعل فليس متوقّفاً على زوال الشمس، فإنّ الجعل حصل قبل زوال الشمس، ونحن لا نريد أن ننتزع، أو لا نريد أن نفترض أنّ شرطيّة زوال الشمس منتزعة من تلك الطرفيّة، إنّما المدّعى: أنّ شرطيّة زوال الشمس منتزعة من الجعل، فجعل وجوب الصلاة المقيّد بزوال الشمس ينتزع منه أنّ زوال الشمس شرط، فهذا البيان الأوّل غير تامّ.

ونحن حتّى الآن ناقشنا هذا البيان الأوّل بعد أخذه من عبارة الكفاية وحمله على المعنى الذي شرحناه.

إلاّ أنّ الشيخ الخراساني(رحمه الله) نفسه قد ذكر هذا البيان في تعليقه على الرسائل بمنهج قد يختلف في ظاهره عمّا حملنا عليه عبارة الكفاية، وخلاصة ما ورد فيه هي: تفسير المسألة بالدور، حيث ذكر: أنّ سببيّة زوال الشمس مثلاً لو كانت منتزعة عن وجوب الصلاة عند زوال الشمس لكان ذلك دوراً؛ لأنّ وجوب الصلاة متأخّر رتبة أو ذاتاً عن زوال الشمس تأخّر المسبّب عن السبب، ولو كانت السببيّة منتزعة عن وجوب الصلاة إذن أصبح السبب متأخراً عن وجوب الصلاة تأخّر المنتزع عن المنتزع عنه، وهذا دور(1).

وهنا يأتي إشكال تلميذه الشيخ الإصفهاني(رحمه الله) حيث اعترض عليه: بأنّ هذا خلط بين السبب والسببيّة، فوجوب الصلاة متأخّر عن ذات السبب، أي: عن ذات زوال الشمس، وليس السبب منتزعاً عن وجوب الصلاة، وإنّما سببيّته منتزعة عنه(2)، هذا جواب الشيخ الإصفهاني.

ولكن مع ذلك أنا أقول: يمكن توجيه كلام الشيخ الآخوند أو تأويله بأن يقال: لعلّ ظاهر العبارة في التعليقة غير مقصود مثلاً ولو حملاً لكلام الآخوند على الصحّة، باعتبار استبعاد غفلة الآخوند عن هكذا إشكال، وذلك بأن يوجّه كلامه(رحمه الله) بحمله على ما ذكرناه من أن يكون المقصود: أنّ وجوب الصلاة متأخّر عن زوال الشمس تأخّر المسبب عن السبب، وصحيح أنّ وجوب الصلاة متأخّر عن ذات زوال الشمس، لكن لمّا كانت نكتة التأخّر هي السببيّة إذن يجب أن تكون سببيّته محفوظة في المرتبة السابقة على هذا الوجوب؛ كي يمكن أن يترتّب على زوال الشمس وجوب الصلاة. أمّا لو كانت السببيّة متأخّرة عن الوجوب فلا يمكن أن يتفرّع وجوب الصلاة عن


(1) راجع تعليق الآخوند على الرسائل: ص 195 بحسب طبعة بصيرتي

(2) راجع نهاية الدراية: ج 5، ص 105 بحسب طبعة آل البيت

250


زوال الشمس. وبكلمة اُخرى: أنّ المعلول كما يكون متأخّراً رتبة عن ذات العلّة كذلك يكون متأخّراً عن نكتة العلّيّة، فحتّى التعبير بالدور الوارد في عبارة الشيخ الخراساني في تعليقه على الرسائل يمكن توجيهه بهذا التفسير، فوجوب الصلاة المتأخّر عن زوال الشمس لسببيّته متأخّر عن سببيّته، فإذا كانت السببيّة منتزعة عن الوجوب لزم الدور، ولا يرد على ذلك ما ذكره الشيخ الإصفهاني(رحمه الله) من إشكال الخلط بين السبب والسببيّة، ولكن يرد عليه ما مضى من إشكال الخلط بين الجعل والمجعول، أو الجعل والطرفيّة للجعل.

هذا. وللمحقق الإصفهاني(رحمه الله) ملاحظة اُخرى على كلام الشيخ الخراساني لا بأس بالإشارة إليها هنا بالمناسبة وإن كانت هذه الملاحظة لا تعود إلى برهان الشيخ الخراساني على نفي الجعل التبعي، وإنما تعود إلى أصل التعبير بالجعل التبعي حيث يقول: إنّ هذا خلط بين مصطلح الجعل التبعي ومصطلح الجعل الانتزاعي، فلدينا الحكم أو الجعل الانتزاعي أو العرضي أو المجازي، وكذلك لدينا الجعل التبعي. يقول الشيخ الآخوند: إنّ بعض أقسام الحكم الوضعي مجعول بالجعل التبعي مثل الجزئية والشرطية والمانعية بالنسبة للمكلّف به، لا بالنسبة للتكليف، والتعبير الأدّق أن يقال عنها بأنّها مجعولة بالجعل العرضي أو المجازي أو الانتزاعي، وليس بالجعل التبعي؛ ذلك لأنّ التبعي يعني الجعل الحقيقي، غاية ما هناك أنّه يكون بتبع جعل آخر، مثاله جعل وجوب المقدّمة في رأي من يقول: إنّ وجوب ذي المقدّمة يستدعي وجوب المقدّمة، أي: إنّ المولى إذا أوجب ذا المقدّمة أوجب المقدّمة حتماً؛ لأنّ المكلّف غير قادر على الإتيان بذي المقدّمة من دون الإتيان بالمقدّمة، فوجوب المقدّمة ينال جعلاً حقيقياً، إلاّ أنّ هذا الوجوب وجوب تبعي أو هذا الجعل جعل تبعي، أي: إنّه كان بتبع جعل وجوب ذي المقدّمة وليس وجوباً أصلياً، فالجعل التبعي لا يختلف عن الجعل الأصلي في أنّه جعل حقيقي تحقّق باختيار المولى وفعل من أفعال المولى، غاية ما هناك أنّه حقّقه بالتبع، أي: لم يكن مقصوداً بالأصالة، إنّما المقصود بالأصالة هو ذو المقدمة وإيجابه، وهذا بخلاف ما نحن فيه، فالقول: بأنّ شرطيّة الطهارة للصلاة أو جزئيّة السورة للصلاة مجعولة جعلاً تبعيّاً كما قال الآخوند(رحمه الله)لا يخلو من المسامحة؛ لأنّ الجعل الشرعي لم يَنَل جزئية السورة، ولا شرطية الطهارة، إنّما الشريعة غاية ما فعلت أنّها أوجبت الصلاة مع سورة، أو أوجبت الصلاة بقيد الطهارة، وتنتزع من ذلك شرطية الطهارة أو جزئية السورة، فهذا انتزاع، أو قل: هذا جعل مجازي أو عرضي، أمّا الجعل التبعي فلا.

هذا تعليق يذكره الشيخ الإصفهاني(رحمه الله) في المقام، وهذا الكلام صحيح إلاّ أنّه ـ كما ترى ـ مجرّد تعليق لفظي.

وعلى أيّة حال، فلنعد الآن إلى مناقشة الوجه الثاني من الوجهين الواردين في كلام الشيخ الخراساني في المقام، فنقول:

مناقشة الدليل الثاني للشيخ الخراساني:

وأمّا الوجه الثاني، فكان يقصد به إبطال مطلق الجعل الاستقلالي والتبعي أو الانتزاعي، وكانت خلاصته؛ أنّ الشرطية والسببية والمانعية والجزئية لموضوع التكليف ترجع جميعاً في مرحلة التكليف إلى عالم العلّيّة بما لها من تحليلات وأجزاء، والعلّيّة عبارة عن خاصيّة تكوينية قهريّة ذاتيّة موجودة في الأشياء كما قال الفلاسفة بذلك، ولو

251


لا ذلك لكان كلّ شيء علّة لكلّ شيء، والفروع الكثيرة التي رتّبوها من أنّ العلّة الواحدة لا يترتّب عليها معلولان، ومن شرط السنخيّة، ومن أنّ علّتين لا تشتركان في معلول واحد كلّها نتجت من هذه النقطة، وهي نقطة: أنّ هناك خاصية تكوينية في العلة بها صارت العلةُ علةً، ولولاها لكان كلّ شيء علّة لكلّ شيء، ونحن نعلم أنّ الإنشاء والجعل لا يخلق أبداً تلك الخاصية. نعم، الخلق والإيجاد ممكن مثل(يا نار كوني برداً وسلاماً على ابراهيم) حيث يجعل تكويناً النار برداً، أو يجعل الماء ناراً، ففي الإنشاء والجعل لو قال مائة مرّة: يا نار كوني برداً لا يؤثر ذلِك شيئاً، فالإنشاء لا يخلق الخواص التكوينية، وبما أنّ شرط التكليف وسبب التكليف، والمانع، والقيد، والجزء كلّها ترجع إلى تحليلات عالم العلّيّة إذن كلّها قضايا تكوينيّة، فمهما قال المولى: جعلت زوال الشمس سبباً لوجوب الصلاة فلا أثر له، فإن كان زوال الشمس سبباً فهو سبب، وإن لم يكن زوال الشمس سبباً فليس سبباً، فزوال الشمس إن كانت له خاصيّة تكوينيّة فخاصيّته التكوينيّة هي أنّه يحرّك المولى، ويقدح في نفسه إرادة الايجاب ويصبح زوال الشمس علّة لنفس هذا الإيجاب، وإن لم تكن لزوال الشمس هذه الخاصيّة، فمجرد الجعل، أو الإنشاء، أو التشريع لا يؤثر شيئاً، وكذلك لا يعقل الانتزاع من الجعل، أو الجعل التبعي، وإنّما يكون هذا شيئاً ذاتياً، هذه خلاصة الوجه الثاني الذي ذكره الشيخ الآخوند، وهو أعمّ وأوسع من الوجه الأوّل، أي: يثبت مدّعاه بكلا شقّيه.

وهذا الوجه ـ أيضاً ـ باطل، سواء آمنّا بمرحلة وسط بين عالم المبادئ وعالم الإبراز وهي مرحلة الجعل، أو لا، فإنّ هناك مسلكين ـ كما تعلمون ـ: مسلك يقول: لدينا مرحلة متوسّطة بين عالم المبادئ وعالم الإبراز، وتلك المرحلة عبارة عن مرحلة الجعل، وهو المسلك المعروف القائل بأنّ لدينا أوّلاً: عالم المبادئ، وهو له مرحلتان: الاولى: مرحلة المصالح والمفاسد(الملاك). الثانية: مرحلة الإرادة والكراهة والحبّ والبغض، وهذه منبثقة عن الملاك، أي: المصلحة والمفسدة، ثمّ توجد مرحلة الجعل، وهي مرحلة الحكم، حيث يجعل المولى الأحكام طبق حبّه وبغضه، وبعد مرحلة الجعل تأتي مرحلة الإبراز، حيث يبرز المولى حكمه بقوله مثلاً: كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم، وفي مقابل هذا التصور يوجد تصور آخر، وهو أن ننكر مرحلة الجعل التي هي المرحلة الوسط بين المبادئ وبين الإبراز، ونقول: لدينا مرحلة المبادئ وهي المصالح والمفاسد، ولدينا مرحلة الحكم، وهي نفس الإرادة والكراهة، أو الحبّ والبغض، ولدينا مرحلة الإبراز مثل قوله: صوموا، وزكّوا، وصلّوا.

الآن لو أخذنا المسلك الأوّل، وهو المسلك المعروف والمألوف، وهو أنّه لدينا مبدءآن وشيئآن من مقدّمات الحكم: أحدهما: المصلحة والمفسدة، وثانيهما: الحبّ والبغض، أو الإرادة والكراهة، المنبثقتان من المصلحة والمفسدة، ثمّ الجعل، ثمّ الإبراز، فنتكلّم على هذا المنهج ونقول باصطلاح الجعل والمجعول،أو الجعل والفعليّة، وهو اصطلاح مدرسة الشيخ النائيني: إنّ زوال الشمس له ـ كما قال الشيخ الآخوند ـ حيثيّة تكوينيّة حقيقيّة واقعيّة وغير مجعولة، ولولاها لما أصبح زوال الشمس موضوعاً لوجوب الصلاة أو سبباً أو شرطاً فيه، هذا صحيح، وهذا راجع إلى مرحلة الإرادة والكراهة، أي: إنّ المصلحة الكامنة في وجوب الصلاة لدى زوال الشمس هي التي قدحت لدى المولى حبّ الصلاة لدى زوال الشمس بنحو القضية الشرطية، وهذا خلق في نفس المولى حبّ الجعل، فجعل وجوب الصلاة لدى زوال الشمس، فزوال الشمس فيه اقتضاء تكويني لهذا الجعل ولو بالواسطة،